سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:12/02/2026 | SYR: 14:29 | 12/02/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 بين منطق السوق الحر وواقع الفقر.. لماذا يثير رفع الدعم الجدل في الشارع السوري؟
12/02/2026      



سيرياستيبس :

في الاقتصادات الخارجة من ثورات طويلة، كسوريا مثالاً، لا تكون القرارات الاقتصادية مجرد خيارات تقنية تناقش في غرف الخبراء، بل تتحول إلى قرارات تمس مباشرة تماسك المجتمع واستقراره المعيشي، فبعد سنوات من الحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب السوري وما خلفه من دمار، وانهيار البنى التحتية، وتراجع الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، يصبح لأي تغيير في السياسات الاقتصادية أثر فوري ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية للناس، من كلفة الخبز والمواصلات إلى فواتير الكهرباء والمياه.

وهنا يبرز ملف تحرير الأسعار ورفع الدعم، وخصوصاً عن خدمات أساسية كالكهرباء، بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في الشارع السوري، إذ لا ينظر إليه فقط كخيار اقتصادي يهدف إلى تقليص الأعباء المالية على الدولة أو معالجة تشوهات السوق، بل كتحول يمس مباشرة قدرة غالبية الأسر السورية على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية في ظل دخول محدودة للغاية، كالدخول المالية التي يحصل عليها المعلمون مثلاً، والتي تتراوح بين 90/140 دولاراً كراتب شهري، وبحسب المنطقة.

وبين فريق يرى في هذه الخطوات ضرورة لإدارة شح الموارد وإعادة تنظيم السوق وتقليل الهدر، وفريق يحذر من كلفتها الاجتماعية المرتفعة في بيئة يطغى عليها الفقر والبطالة وانعدام شبكات الحماية، يتشكل نقاش واسع حول توقيت هذه السياسات وحدودها، وحول ما إذا كانت الظروف الحالية مؤهلة لتحمل مثل هذا التحول، أم أن كلفته قد تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة منه.

صدمة السوق الحر
 يرى خبراء في الاقتصاد أن تطبيق سياسات السوق الحر دفعة واحدة في بلد خرج لتوّه من حرب مدمرة شنها النظام المخلوع واستمرت لأكثر من عقد، لا ينظر إليه بوصفه إصلاحاً اقتصادياً تقليدياً بقدر ما يعد مجازفة عالية الكلفة، فالدول التي شهدت حروباً أو انهيارات سياسية احتاجت عادةً إلى مراحل طويلة لإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الإنتاجي والنقدي، وتثبيت أسواقها، قبل الانتقال التدريجي نحو تحرير الأسعار وتقليص الدعم.

ويقول أحمد عزوز، وهو متابع للشأن الاقتصادي في حلب، لموقع تلفزيون سوريا، إن تجارب دولية مثل روسيا في تسعينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2001، واليونان بعد أزمة 2010، أظهرت أن التحرير السريع للأسعار ترافق مع ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع الإنتاج، واتساع الجريمة والفساد، رغم امتلاك تلك الدول بنى مؤسساتية واقتصادية أقوى بكثير، ويضيف أنه في السياق السوري، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن الغالبية الساحقة من السكان تعيش تحت خط الفقر، يصبح التساؤل مشروعاً حول قدرة اقتصاد بهذه الهشاشة على تحمل صدمة مماثلة دون كلفة اجتماعية باهظة.

وفي حلب، بوصفها واحدة من أهم المراكز الصناعية والتجارية في البلاد، تبدو آثار هذه السياسات أكثر وضوحاً على الأرض، فخلال استطلاع أجراه موقع تلفزيون سوريا، أشار عدد من أصحاب الورش والمنشآت الصغيرة إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية جعل الاستمرار في الإنتاج أكثر صعوبة من أي وقت مضى، الركود لا يزال يخيم على الأسواق، والحركة التجارية محدودة، في حين لم ينعكس مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع في تحسن ملموس في النشاط الاقتصادي.

وبحسب آراء عدد من الصناعيين والتجار، فإن الفجوة بين القدرة الشرائية للمستهلكين وكلفة الإنتاج آخذة في الاتساع، فارتفاع الأسعار لا يقابله تحسن في الدخل، ما يحد من تصريف المنتجات ويبقي المخازن ممتلئة والبضائع راكدة، وبذلك يتحول تحرير الأسعار من أداة يفترض أن تنشط السوق إلى عامل ضغط إضافي على قطاع إنتاجي لم يستعد بعد عافيته، ويجد نفسه بين كلفة تشغيل مرتفعة وسوق استهلاكية ضعيفة.

هذا الواقع، كما يراه صناعيون وتجار في حلب، يعكس فجوة بين الفرضيات النظرية لسياسات السوق الحر وبين البيئة الفعلية التي تطبق فيها، حيث لا تزال البنية التحتية متهالكة، وسلاسل التوريد غير مستقرة، والمنافسة محدودة، ما يجعل قدرة السوق على تصحيح اختلالاته ذاتياً أمراً موضع تساؤل.


الكهرباء نموذجاً
يضيف عزوز أن ملف تسعير الكهرباء يعد مثالاً عملياً ومباشراً على الجدل الدائر حول تحرير الأسعار، ففي الدول المستقرة، لا تتجاوز فاتورة الكهرباء المنزلية عادة 2 إلى 3 في المئة من دخل الفرد، ما يجعل أثرها المالي ضمن حدود يمكن استيعابها من دون أن تتحول إلى عبء معيشي، أما في بيئة ذات دخول متدنية للغاية، حيث لا يتناسب مستوى الأجور مع تكاليف الخدمات، فإن تسعير الكهرباء وفق منطق السوق لا يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك بقدر ما يتحول إلى ضغط يومي إضافي على الأسر.

لكن الأثر لا يتوقف عند حدود المنازل السورية، فالكهرباء في مدينة مثل حلب ليست خدمة منزلية فحسب، بل هي عصب رئيسي للورش الصناعية الصغيرة، والمعامل الضخمة، ومحال الحدادة والنجارة والخياطة، ومضخات المياه في الأراضي الزراعية، وسلاسل التبريد في المتاجر، وأي زيادة في كلفتها تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، التي تنعكس بدورها على السعر النهائي للسلعة، في سوق يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية.

في أحد الأمثلة التي رصدها موقع تلفزيون سوريا خلال استطلاع ميداني، أشار صاحب ورشة خياطة في حي سيف الدولة إلى أن فاتورة الكهرباء الشهرية أصبحت تقارب قيمة أجور العاملين لديه، ما اضطره إلى تقليص ساعات التشغيل وخفض عدد العمال، وفي ريف حلب، أوضح مزارعون أن تشغيل مضخات المياه لري الأراضي بات أكثر كلفة من العائد المتوقع من المحصول، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو التوجه نحو الزراعة البعلية، فالمخاطرة في زراعة البعل أقل.

وبهذا المعنى، لا تتحول زيادة تسعير الكهرباء إلى بند مالي إضافي فقط، بل إلى عامل يؤثر في قرار الإنتاج ذاته، هل يستمر صاحب الورشة؟ هل يزرع الفلاح أرضه؟ هل يوسع التاجر نشاطه أم يجمده؟ كل ورشة تغلق، وكل أرض تتوقف عن الإنتاج، تعني عملياً زيادة في البطالة، وتراجعاً في المعروض من السلع، وما يتبع ذلك من ارتفاع إضافي في الأسعار، في حلقة تضغط أكثر على المجتمع.

ويرى منتقدون أن أي خطوة نحو تحرير أسعار خدمات أساسية كالكهرباء ينبغي أن تسبقها إجراءات موازية وواضحة، مثل تنظيم الأسواق والحد من الاحتكار، وفرض حد أدنى حقيقي للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوفير شبكات حماية اجتماعية فعّالة، وقياس الأثر المتوقع على القطاع الإنتاجي قبل التنفيذ، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء اقتصادي واجتماعي مضاعف.


بين ضرورات الإصلاح ومخاطر الكلفة الاجتماعية
يشير الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن تحرير الأسعار يعد من أكثر الخيارات الاقتصادية حساسية في الدول الخارجة من اضطرابات طويلة، لأن هذا القرار يقع في نقطة تقاطع دقيقة بين الحاجة الملحّة لإصلاح الاختلالات المالية، وبين هشاشة الواقع الاجتماعي والمعيشي، ففلسفة تحرير الأسعار، من الناحية النظرية، تقوم على تقليص التشوّهات في السوق، وإعادة توجيه الموارد بكفاءة، والحد من الهدر، وتخفيف العبء المالي عن الدولة، خاصة عندما تكون الإيرادات العامة محدودة والالتزامات كبيرة.

ويوضح السيد عمر أن الحكومة، وفق هذا المنظور، لا تتبنى نموذج السوق الحر بصيغته الكاملة، بل تتجه نحو مسار مرحلي يهدف إلى إدارة الندرة وضبط الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، أي أن المسألة، كما يصفها، ليست انتقالاً أيديولوجياً نحو اقتصاد حر، بل محاولة للتكيّف مع واقع مالي ضاغط، غير أن هذا التوجه، كما يؤكد، لا يمكن فصله عن ضرورة مرافقة أي تحرير للأسعار بإجراءات واضحة تحمي القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، لأن السوق في بيئة ضعيفة الإنتاج والمنافسة قد يتحول من أداة تنظيم إلى عامل ضغط إضافي على المجتمع.

ويبرز عامل التوقيت هنا بوصفه عنصراً حاسماً في تقييم هذه السياسة، فتحرير الأسعار في اقتصاد مستقر، يمتلك قطاعاً إنتاجياً نشطاً، ومنافسة حقيقية، وبنية تحتية سليمة، يختلف جذرياً عن تطبيقه في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ومحدودية المنافسة، واختلال سلاسل التوريد، وفي مثل هذا السياق، قد لا تؤدي آليات السوق إلى تصحيح الاختلالات ذاتياً، بل قد تكرسها، ما لم تترافق مع رقابة فعّالة وسياسات مكملة تضبط إيقاع السوق وتمنع تحوّل التحرير إلى فوضى سعرية.

من هنا، يرى السيد عمر أن الحكم على هذه السياسة لا يمكن أن يكون تبسيطياً، بوصفها طريقاً مؤكداً للتعافي أو وصفة جاهزة للانهيار، بل هي مسار ضيق بين ضرورات مالية ملحة وكلفة اجتماعية مرتفعة، يتطلب دقة في التوقيت، ومرونة في التنفيذ، واستعداداً للتعديل المستمر وفق النتائج على الأرض، فنجاح أي تحرير للأسعار يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على الاندماج ضمن رؤية أوسع تربط الإصلاح الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي، لأن غياب هذا الربط يفقد السوق وظيفته كأداة إصلاح، ويحوّله إلى عبء إضافي على مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية.

لا يبدو الجدل حول تحرير الأسعار في سوريا مجرد خلاف اقتصادي بين فريقين في إدارة السوق، بقدر ما هو نقاش حول قدرة المجتمع نفسه على تحمل تبعات هذا التحول في لحظة لا يزال فيها التعافي هشاً وغير مكتمل، فالفجوة الواسعة بين مستويات الدخل وكلفة المعيشة، وضعف الإنتاج، وغياب شبكات الحماية الكافية، تجعل أي قرار من هذا النوع يتجاوز أثره الحسابات المالية ليصل مباشرة إلى الاستقرار الاجتماعي، والتجارب الدولية، والواقع الميداني في مدن كحلب، يقدمان مؤشرات واضحة على أن نجاح مثل هذه السياسات لا يرتبط بجرأة القرار بقدر ما يرتبط بتوقيته، وتسلسله، والإجراءات المرافقة له، فالسوق، في بيئة مستقرة، قد يكون أداة فعالة لإعادة التوازن، لكنه في بيئة منهكة قد يتحول إلى عامل يضاعف الاختلالات القائمة.

لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار ليس في تبني تحرير الأسعار أو رفضه، بل في كيفية إدارته ضمن رؤية أشمل توازن بين متطلبات الإصلاح المالي وحماية الفئات الأوسع، بحيث لا يتحول الإصلاح المنشود إلى عبء إضافي على مجتمع لا يزال يدفع كلفة سنوات طويلة بسبب حرب النظام المخلوع وما نتج عنها من خراب ودمار طال مختلف القطاعات، بما فيهم الإنسان السوري.

تلفزيون سوريا


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق