سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:21/06/2026 | SYR: 21:13 | 21/06/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 السيارات المستعملة.. ارتفاع كلفة التشغيل والصيانة مقارنة بالقيمة السوقية
21/06/2026      

الاقتصاد السورية تحدد للمستوردين مهلة زمنية لإدخال السيارات المستعملة


سيرياستيبس

تشهد سوق السيارات المستعملة في سوريا منذ التحرير تحولات لافتة، تتجلى في تراجع أسعار عدد من السيارات المستعملة مقارنة بالفترة السابقة مقابل استمرار ارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، ما يضع أصحاب المركبات أمام معادلة اقتصادية معقدة تجمع بين انخفاض القيمة السوقية وارتفاع كلفة التشغيل والصيانة.

ويأتي ذلك في ظل متغيرات أوسع يشهدها القطاع، تشمل سياسات الاستيراد، وتبدلات العرض والطلب، والتحولات العالمية في صناعة السيارات، وسط حالة ترقب لمرحلة قد تشهد دخول أنواع أحدث إلى السوق المحلية.

وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قد أصدرت خلال عام 2025 قرارات تتعلق بتنظيم استيراد السيارات، شملت وقف استيراد السيارات المستعملة والسماح باستيراد السيارات الجديدة وفق ضوابط محددة، في خطوة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة الاستيراد.

وجاءت هذه الإجراءات بعد مرحلة شهدت دخول أعداد كبيرة من السيارات إلى السوق السورية، الأمر الذي انعكس على حجم المعروض.

في المقابل، لا تزال سوريا تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد قطع الغيار من الخارج، ما يجعل أسعارها مرتبطة بعوامل متعددة تشمل تكاليف الشحن والنقل والتأمين، وتقلبات أسعار الصرف العالمية، إضافة إلى تأثيرات سلاسل الإمداد الدولية.

وتتزامن هذه المتغيرات مع تحولات عالمية في صناعة السيارات، حيث تتجه الشركات المصنعة بصورة متزايدة نحو إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة والتقنيات الحديثة، بينما يتراجع الاهتمام تدريجياً ببعض الموديلات القديمة وقطع الغيار المرتبطة بها.

ويعود جزء من السيارات العاملة في سوريا إلى سنوات تصنيع قديمة نسبياً، ما يزيد الحاجة إلى أعمال الصيانة الدورية واستبدال القطع المستهلكة بشكل متكرر.

وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز تساؤلات عديدة حول أسباب استمرار ارتفاع أسعار قطع الغيار وأجور الصيانة، والعوامل التي حالت دون انعكاس تراجع أسعار المركبات على تكاليف الصيانة بالقدر نفسه.

كما تطرح هذه الظاهرة أسئلة حول مدى ارتباط ارتفاع أسعار قطع الغيار بعوامل الاستيراد والتكاليف التشغيلية أو بضعف المنافسة في بعض حلقات السوق، وتأثير ذلك على قرارات المواطنين بشراء السيارات أو الاحتفاظ بها، فضلاً عن الإجراءات المطلوبة لتحقيق توازن أكبر بين أسعار السيارات وقطع الغيار وخدمات الصيانة.
معاناة المالكين

في هذا السياق، قال نور ذيب، مالك سيارة في دمشق، إنه لاحظ انخفاضاً واضحاً في أسعار السيارات بعد التحرير مقارنة بما كانت عليه خلال فترة النظام المخلوع، إلا أن ذلك لم ينعكس على تكاليف الصيانة، موضحاً أن صيانة بعض الأعطال أو استبدال قطع أساسية ما زال يتطلب مبالغ مرتفعة مقارنة بقيمة السيارة نفسها.

وأشار سعيد السعيد، مالك سيارة أجرة، إلى أن تراجع أسعار السيارات شجعه على التفكير في استبدال مركبته، إلا أن ارتفاع أسعار قطع الغيار وأجور الصيانة يدفعه إلى التريث، لافتاً إلى أن الكلفة التشغيلية اليومية ما تزال تشكل عبئاً كبيراً على العاملين في قطاع النقل.

في المقابل، يرى بعض أصحاب السيارات أن انخفاض الأسعار قد يتيح فرصاً أفضل لشراء مركبات جديدة نسبياً، إلا أنهم يؤكدون أن القرار النهائي يبقى مرتبطاً بتكاليف الصيانة وتوفر قطع الغيار وأسعارها.

ويشير عاملون في السوق إلى أن بعض السيارات المستعملة فقدت جزءاً ملحوظاً من قيمتها خلال الفترة الماضية نتيجة زيادة المعروض وتراجع الطلب، في حين بقيت أسعار عدد من قطع الغيار الأساسية عند مستويات مرتفعة، ما جعل تكلفة صيانة بعض الأعطال تشكل عبئاً كبيراً على أصحاب المركبات، وخاصة السيارات الأقدم عمراً والأكثر حاجة إلى الصيانة الدورية.
أسعار السيارات

أوضح الباحث والمحلل الاقتصادي حسام عايش، أن حالة ارتفاع أسعار قطع الغيار في السوق السورية مقارنة بأسعار السيارات تمثل مفارقة اقتصادية يمكن تفسيرها من خلال اختلاف العوامل المؤثرة في كل من سوق السيارات وسوق قطع الغيار.

وقال عايش  إن انخفاض أسعار السيارات في سوريا ربما يكون ناتجاً عن زيادة المعروض من السيارات المستعملة أو المستوردة سابقاً، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، ما يدفع البائعين إلى خفض الأسعار، كما أشار إلى وجود تراجع في الطلب على السيارات نتيجة الظروف الاقتصادية السائدة.

وأضاف أن تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة أو إدارة عملية استيراد السيارات الجديدة بصورة مختلفة عما كان يتم سابقاً قد يكون له أثر مباشر على أسعار السيارات في السوق، لافتاً إلى أن معظم السيارات الموجودة في السوق إما قديمة أو متهالكة، أو أن قيمتها الفعلية قد تراجعت بفعل سنوات طويلة من الاستخدام.

وأشار إلى أن كثيراً من هذه السيارات ربما لم تعد مناسبة للأوضاع الاقتصادية الجديدة في سوريا في ظل الانفتاح الكامل على التبادل التجاري مع العالم، موضحاً أن عدد السيارات المحدود في السوق لم يعد العامل الوحيد المؤثر في عمليات البيع والشراء، مع دخول متغيرات إضافية مثل زيادة مصادر ومنافذ الاستيراد، وهو ما انعكس على أسعار السيارات الموجودة في السوق.
قطع الغيار

من جهة أخرى، أوضح المحلل الاقتصادي أن ارتفاع أسعار قطع الغيار يعود أولاً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتخزين، باعتبار أن هذه القطع مستوردة من الخارج، بينما السيارات نفسها موجودة داخل البلاد، كما أوضح أن ارتفاع الطلب على صيانة السيارات القائمة بدلاً من شراء سيارات جديدة أدى إلى زيادة الطلب الداخلي على قطع الغيار.

وأشار عايش إلى احتمال وجود نقص في بعض قطع الغيار في السوق نتيجة تقادم السيارات الموجودة، وربما بسبب تغير خطوط الإنتاج الخاصة بهذه القطع. وأضاف أن استيراد قطع الغيار يتأثر أيضاً بتقلبات أسعار الصرف وكلف الشحن والاضطرابات في سلاسل الإمداد المختلفة نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية، وما تسببت به من ارتفاع في معدلات الأسعار والتضخم، الأمر الذي يؤدي إلى استيراد هذه القطع بأسعار مرتفعة ومتأثرة بالتضخم العالمي، ما ينعكس على أسعارها محلياً.

وأكد عايش أن هذه المفارقة الاقتصادية موجودة بالفعل، موضحاً أن السيارات الموجودة في السوق قديمة في معظمها، بينما يتم استيراد قطع الغيار من الخارج، خاصة أن أغلب السيارات العاملة تحتاج إلى قطع غيار جديدة تضمن استمرار عملها بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للوقود ولفترة زمنية أطول، وهي قطع لا تُصنع محلياً وإنما تُستورد من الخارج، ما يفسر ارتفاع أسعارها.
تحولات عالمية

لفت عايش إلى أن معظم قطع الغيار المتداولة في سوريا مخصصة لسيارات تقليدية أو قديمة نسبياً، في وقت تتجه فيه صناعة السيارات العالمية نحو السيارات الكهربائية أو الهجينة أو السيارات الحديثة بشكل عام، مبيناً أن بعض خطوط إنتاج قطع الغيار القديمة توقفت بالفعل، فيما تفرض الجهات التي ما زالت تنتجها أسعاراً مرتفعة لتزويد الأسواق بهذه القطع، وفق عايش.

وأشار إلى أن العالم يتجه اليوم نحو نماذج جديدة من السيارات تشمل السيارات الكهربائية والهجينة والسيارات الأقل استهلاكاً للطاقة أو الوقود، إضافة إلى السيارات الأكثر تطوراً ورفاهية والمزودة بتقنيات حديثة، الأمر الذي دفع العديد من العاملين في السوق إلى تطوير مهاراتهم وخبراتهم بما يتناسب مع السيارات الجديدة المتوقع دخولها إلى السوق.
العرض والطلب

أوضح عايش أن زيادة الحراك الاقتصادي والتجاري والسياحي داخل سوريا، إلى جانب تزايد أعداد السيارات التي تعاني من أعطال أو تحتاج إلى صيانات دورية، وإعادة التواصل بين المناطق السورية المختلفة، كلها عوامل أدت إلى زيادة الطلب على ورشات التصليح، كما رفعت الطلب على استبدال القطع القديمة أو المستعملة أو التالفة بقطع جديدة، ما ساهم في ارتفاع الأسعار.

ورأى أن القضية في جوهرها ترتبط بقانون العرض والطلب، حيث أدت زيادة الطلب على الصيانة وقطع الغيار إلى ارتفاع تكاليف الصيانة، لافتاً إلى أن بعض الأعطال تعتبر أساسية ولا يمكن للسيارة أن تعمل دون صيانتها، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.

وأضاف أن هذه التطورات تترافق مع تغيرات هيكلية في سوق العمل والرواتب والأجور في سوريا، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف الصيانة بغض النظر عن طبيعة الأعطال، فضلاً عن عمليات الاستبدال التي تتطلب في بعض الأحيان شطب سيارات موجودة في السوق للحصول على قطع منها واستخدامها في سيارات أخرى.
كلفة الاحتفاظ بالسيارة

حول أسباب عدم انعكاس انخفاض أسعار السيارات على قطع الغيار وخدمات السيارات، أوضح عايش أن أسباب انخفاض أسعار السيارات تختلف عن أسباب ارتفاع أسعار القطع، كما تختلف عن أسباب ارتفاع كلفة اليد العاملة.

وأشار إلى أن انخفاض أسعار السيارات يرتبط بأنواع هذه السيارات ومستوى استهلاكها ونوعية محركاتها ومدى توافقها مع احتياجات السوق الحالية، موضحاً أن كلفة اقتناء السيارة أصبحت بالنسبة لكثيرين أعلى بكثير من العائد المتوقع منها.

وأضاف أن هذا الواقع يدفع بعض أصحاب السيارات إلى محاولة التخلص منها واستبدالها بسيارات جديدة، بينما يسعى آخرون إلى إطالة عمر سياراتهم عبر صيانتها وتأمين قطع الغيار اللازمة لها.

وأكد أن العلاقة أصبحت بالنسبة لكثير من مالكي السيارات علاقة وجودية بين الاستمرار في استخدامها رغم الكلفة المرتفعة وبين بيعها بسعر قد يكون أقل من السعر الذي اشتريت به سابقاً.
سوق تترقب

يرى عايش أن المواطنين أو العاملين في قطاع السيارات يتوقعون دخول أعداد كبيرة من السيارات الحديثة والمتطورة والكهربائية والهجينة “الهايبيرد” والأقل استهلاكاً للطاقة إلى السوق، الأمر الذي يجعل من الطبيعي أن تحل السيارات الجديدة محل القديمة، وأن تواجه السيارات القديمة صعوبات متزايدة في التسويق والبيع.

وأوضح أن المشترين المحتملين لهذه السيارات هم غالباً من أصحاب الدخل المحدود أو الفئات الأقل دخلاً، وهو ما يدفعهم إلى تقديم عروض شراء منخفضة، الأمر الذي يعزز القناعة بأن السيارات الجديدة ستحل تدريجياً محل القديمة. واعتبر أن ثقافة الإحلال تمثل أحد أسباب تراجع الأسعار.

وأشار إلى أن تأثير هذا الواقع على السوق يتمثل في حالة من الترقب المتبادل بين البائعين والمشترين، حيث يؤجل كثير من الراغبين في شراء السيارات قراراتهم على أمل انخفاض الأسعار أكثر مستقبلاً، بينما يسعى أصحاب السيارات الحاليون إلى بيع سياراتهم لتجنب المزيد من التراجع في قيمتها أو للحصول على سيولة تساعدهم في شراء سيارات أحدث.

وأكد أن الجميع يعيش حالة من الرهان على استمرار انخفاض أسعار السيارات خلال الفترة المقبلة، في وقت يسارع فيه البائعون إلى التخلص من سياراتهم خوفاً من مزيد من الانخفاض.

وأضاف أن تكاليف الصيانة تشكل عاملاً إضافياً يضغط على أصحاب السيارات لبيعها، في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف الصيانة مقارنة بالقيمة السوقية للسيارة حتى بعد صيانتها.

وأوضح أن هذه الظاهرة تمثل جزءاً من طبيعة العملية التجارية والشرائية في السوق، إذ إن توقع حدوث تغيرات كبيرة يدفع الطلب على الموجود حالياً إلى التراجع، في حين يرتفع الطلب على المنتجات الجديدة والمتوقعة مستقبلاً.
مرحلة انتقالية

يعيش قطاع النقل في سوريا “حالة صعبة” بين المعاناة من مشكلات هيكلية وتقادم كبير، وبين انفتاح الأسواق على أنواع جديدة وحديثة من السيارات والشاحنات، إذ إن بعض الأطراف تراهن على مستقبل مختلف لأنواع السيارات وفترات استخدامها، بينما يحاول آخرون التخلص من سياراتهم الحالية، وفق عايش.

وأضاف أن الجميع يبدو كأنه يقف في منتصف الطريق بين هذين الخيارين، مع استمرار كل طرف في الرهان على أن التطورات القادمة ستكون لصالحه.

ولفت إلى أن أصحاب السيارات يعانون اليوم من مشكلات كبيرة تتعلق بالصيانة وانخفاض الأسعار والاستهلاك المرتفع للوقود، في حين يراهن آخرون على أن الانتظار لفترة أطول قد يتيح لهم شراء سيارات بأسعار أقل.
حلول مطلوبة

رأى عايش أن أصحاب السيارات الحالية مضطرون إلى تصليح الأعطال الموجودة في سياراتهم، بينما يرى الفنيون والعاملون أن هذه الخطوات ضرورية ولا يمكن تأجيلها، الأمر الذي يرفع كلفة الصيانة التي لا بد من تحملها، لأن إبقاء السيارة متوقفة لفترات طويلة يؤدي إلى مشكلات إضافية.

وأضاف أن هناك نوعاً من الاستفادة من حالة الضبابية الموجودة في السوق ومن الحاجة الملحة إلى صيانة السيارات، خاصة في ظل النشاط الاقتصادي المتزايد والتوقعات بمزيد من الحراك في قطاع النقل.

وأكد أن الجميع يعاني بالفعل من نتائج هذه الحالة غير المستقرة في هذا القطاع وفي السوق بشكل عام.

وشدد عايش على وجود تشوهات كبيرة في الأسعار واستغلال لهذه الحالة ومحاولات لتحقيق مكاسب أكبر على حساب المواطنين، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات تنظيمية أكثر فاعلية في السوق وتعزيز دور حماية المستهلك في هذا المجال بما يسهم في ضبط السوق ولو بصورة مؤقتة إلى حين اتضاح الصورة بشكل أكبر في قطاع السيارات.

وحول الإجراءات المطلوبة لتحقيق توازن أكبر بين أسعار السيارات وقطع الغيار وتكاليف الصيانة، أوضح عايش أن الحلول الممكنة قد تشمل توفير فترة انتقالية مناسبة، أو تبني بعض السياسات الجمركية الداعمة للحراك في قطاع السيارات الداخلي، أو تقديم تسهيلات مصرفية تسمح بالحصول على قروض للشراء والبيع والاستبدال.

كما دعا إلى منح فترة سماح لإعادة هيكلة سوق السيارات في سوريا بما يحقق قدراً من التوازن بين مصالح المالكين والمشترين، إضافة إلى تشجيع التصنيع المحلي لبعض قطع الغيار القادرة على أن تكون بديلاً للقطع المستوردة مرتفعة الثمن.

وأكد أن الحلول ليست بهذه البساطة، لأن السوق تشهد مرحلة انتقالية بين سوق سيارات قديمة تتراجع وسوق جديدة تبدأ نشاطها، معتبراً أن هذه المنطقة الرمادية تفرض تكاليف كبيرة على جميع الأطراف سواء البائعين أو المشترين أو العاملين في القطاع.

الثورة


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق