سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:28/09/2026 | SYR: 02:15 | 28/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 أعيدوا لأهل الساحل حقوقهم… فالعدالة تبدأ من الأرض
المهندس ياسر أسعد : آن الأوان لأن تُقفل صفحة الأرض غنيمة للسلطة
28/09/2026      






أفضل طريقة لإقناع السوري بأن الدولة تغيرت هي أن يلمس هذا التغيير في حقه أن يستطيع الاعتراض دون خوف , وأن يذهب إلى القضاء ويجد قاضياً عادلا , وأن يفتح ملف أرض عائلته دون أن يكون القرار الإداري القديم قد تحول إلى قدر أبدي , وأن يعرف ماذا حدث لأرضه ولماذا

بكثير من الهدوء والإحساس بالمسؤولية القائمة على المعرفة ,  في مقاله الإسبوعي لموقع سيرياستيبس , يقدم المهندس " ياسر أسعد " ملف الاستملاكات في الساحل , ضمن إطار يقوم على شرح الواقع و اقتراح الحلول والأهم أن المعالجات التي يقدمها تنبع من السلم الأهلي الذي يقوم على إحقاق الحقوق وإعادتها لأصحابها  وفق مسار قانوني واضح ومُقنع مقالة تستحق القراءة 


سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر أسعد 

لم يكن الاستبداد الذي حكم سوريا طوال عقود مجرد نظام صادر السياسة والحريات والقرار العام، بل امتدت يد السلطة إلى حياة السوريين اليومية وأرزاقهم وأراضيهم وحقوقهم العقارية, وإذا كانت سوريا بعد التحرير تريد بالفعل أن تنتقل من دولة السلطة إلى دولة القانون، فإن واحداً من أصعب الاختبارات أمامها هو قدرتها على فتح الملفات القديمة, لا للانتقام بل لرد الحقوق ورفع المظالم وإعادة الثقة بين المواطن والدولة

استملاكات الساحل .. ماذا فعلت بها وزارة السياحة ؟ 
 
وفي الساحل السوري يقف ملف الاستملاكات السياحية القديمة مثالاً يستحق أن يُفتح اليوم بشجاعة وشفافية, ففي عام 1975، صدر المرسومان رقم 2196 و2198 اللذان شُرّعت بموجبهما مصادرة عقارات شاسعة لصالح وزارة السياحة , متيحين بذلك احتكاراً رسمياً شبه كامل للواجهة البحرية ,شملت معظم ساحل اللاذقية من جنوب المدينة حتى رأس البسيط بعمق تراوح بين 1,5 و3 كيلومترات وطال قرى وادي قنديل والبدروسية وأم الطيور والشبطلية وصلب التركمان وبرج إسلام والبصة والصنوبر وابن هانئ ودمسرخو ورأس البسيط وساحل طرطوس من عمريت جنوب المدينة حتى حدود لبنان , تحت شعار "المنفعة العامة"، جُرّدت آلاف العائلات من أراضٍ توارثتها لأجيال وحفظت فيها عراقتها , لتجد نفسها عاجزة حتى عن مجرد الاعتراض أو المساءلة القانونية .
ملف الاستملاكات السياحية على الساحل السوري يعكس إشكالية عميقة تتداخل فيها أبعاد الملكية الفردية، وحقوق المجتمعات المحلية، والتخطيط العمراني والاقتصادي لسوريا , ممثلاً محطة فارقة ليس فقط على الصعيد القانوني، بل في إعادة هندسة الديموغرافيا والاقتصاد الساحلي تحت يافطة "المنفعة العامة".
هذا المقال لا يجادل في حق الدولة في إنشاء المشاريع العامة ولا في حاجتها إلى التخطيط العمراني والسياحي والاستثماري , والاستملاك أداة قانونية تعرفها معظم دول العالم عندما تكون هناك منفعة عامة حقيقية

الفارق بين دولة القانون ودولة السلطة

لكن الفارق بين دولة القانون ودولة السلطة يكمن في ثلاثة أسئلة بسيطة , لماذا تُنزع الملكية؟ وكيف تُنزع؟ وماذا يحصل عليه صاحبها في المقابل؟

فالمنفعة العامة ليست عبارة تُكتب في قرار إداري لتمنح الإدارة حقاً مفتوحاً في أرض المواطن إلى الأبد , وإذا استُملكت الأرض لإقامة مشروع عام ولم ينفذ المشروع لعقود، أو تغيرت الغاية التي استُملكت من أجلها أو لم يحصل المالك على تعويض عادل وفق الإجراءات القانونية , فمن حق السوري أن يسأل , أين المنفعة العامة التي نزعت ملكيتي باسمها, ومن واجب الدولة أن تجيب.
المسألة اليوم ليست مطلباً عاطفياً لأصحاب الأراضي فحسب، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالمبادئ التي أعلنت الدولة السورية الجديدة التزامها بها.
فالمادة 16 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 واضحة, «حق الملكية الخاصة مصون، ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل». كما تصون المادة 17 حق التقاضي والدفاع والطعن، وتحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.
والأكثر ارتباطاً بهذا الملف أن الإعلان نفسه نص على إلغاء الإجراءات الأمنية الاستثنائية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية التي استخدمت سابقا فيما نصت المادة 49 على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية تقوم على آليات مرتكزة على إنصاف الضحايا، وتشمل الحق في معرفة الحقيقة . وهذه المبادئ ينبغي ألا تبقى نصوصاً جميلة في وثيقة دستورية.

أفضل طريقة لإقناع السوري بأن الدولة تغيرت هي أن يلمس هذا التغيير في حقه أن يستطيع الاعتراض دون خوف , وأن يذهب إلى القضاء ويجد قاضياً عادلا , وأن يفتح ملف أرض عائلته دون أن يكون القرار الإداري القديم قد تحول إلى قدر أبدي , وأن يعرف ماذا حدث لأرضه ولماذا.
المطلوب ليس إلغاء جميع الاستملاكات بقرار متسرع ولا إعادة عقارات أقيمت عليها بالفعل منشآت عامة , ولا تحميل الدولة الجديدة بصورة آلية مسؤولية مالية عن كل ما جرى خلال نصف قرن , المطلوب أكثر عقلانية وعدلاً فتح الملف كاملاً

 ضرورة مراجعة الاستملاكات القديمة في الساحل

تحتاج الحكومة السورية إلى تشكيل لجنة قضائية وفنية وعقارية مستقلة لمراجعة الاستملاكات القديمة في الساحل، تبدأ بالمرسومين 2196 و2198 لعام 1975، وتجمع سجلات وزارة السياحة والمصالح العقارية والمحافظة والمالية والجهات التي انتقلت إليها الأراضي أو استثمرتها.
ثم تُصنّف العقارات حالةً بحالة , أرض نُفذ عليها المشروع الذي استُملكت لأجله وأرض لم ينفذ عليها شيء , مالك حصل على تعويض عادل وآخر لم يحصل عليه , عقار انتقلت ملكيته بصورة مكتملة وآخر بقيت إجراءاته معلقة , وأرض بقيت للمنفعة العامة وأخرى تغير استعمالها أو المستفيد منها.
بعد ذلك يصبح القرار ممكناً على أساس القانون والوثيقة والحق، لا على أساس الانطباعات والإمنيات .
فحيث انتفت المنفعة العامة ولم يعد ثمة مبرر قانوني للاحتفاظ بالعقار, ينبغي دراسة إمكانية إعادة الحق إلى صاحبه وفق القانون , وحيث أصبح الرد العيني مستحيلاً بسبب إنشاء مشروع عام حقيقي، يجب بحث تعويض عادل ومنصف وفق قواعد عادله واضحة وموحدة وفتح باب الاعتراض أمام القضاء.
 هناك أسئلة لا ينبغي لسوريا الحرة أن تخشى طرحها , ما الذي نُفذ فعلياً من المشاريع التي صدر الاستملاك من أجلها وكم بلغت مساحة الأراضي المستملكة وكم مالكاً قبض تعويضه وكم ملفاً بقي معلقاً وكيف حُددت التعويضات وهل تغير استعمال بعض العقارات وهل انتقلت من غاية عامة إلى استثمارات أو انتفاعات أخرى ومن استفاد من ذلك .
هذه الأسئلة لا تعني اتهام أحد مسبقاً فالعدالة تبدأ بالوثيقة لا بالشائعة , وبالتحقيق لا بالإدانة المسبقة.
ولهذا فإن نشر سجلات الاستملاك وقرارات التخمين والتعويض والتخصيص والاستثمار والسماخ بالإطلاع عليها ، باستثناء ما يحميه القانون من بيانات شخصية , يمكن أن يكون خطوة كبيرة في استعادة الثقة

العدالة الانتقالية عليها إنصاف الضحايا لاتكريس إغتصاب حقوقهم

لكن البعد الأهم في هذا الملف يتجاوز الأرض والسجل العقاري ,فالعدالة الانتقالية عليها إنصاف الضحايا لاتكريس إغتصاب حقوقهم , وإقناع السوريين بأن سوريا الحرة دولة لجميع مواطنيها، وعليها أن تثبت أن المظلمة تبقى مظلمة أياً كان صاحبها.
السوريون في الساحل ليسوا مسؤولين جماعياً عن أخطاء النظام الذي حكم سوريا وهنا تستطيع الدولة أن تقدم نموذجاً مختلفاً , فعندما تنصف مزارعاً في برج إسلام أو أم الطيور أو عائلة في البدروسية أو صاحب أرض في وادي قنديل أو المنطار أوعرب الملك أو غيرها فإنها لا تعيد فقط حقاً عقارياً إنها تقول للسوريين أنتم جزء من سوريا الحره وحقكم محفوظ ,وهذه الرسالة أثمن من قيمة الأرض نفسها.
اعتدنا عندما نتحدث عن العدالة الانتقالية أن نفكر في المعتقلين والمفقودين والقتل والتعذيب والتهجير، وهي بلا شك الملفات الأكثر إيلاماً وإلحاحاً , لكن العدالة الانتقالية أوسع من ذلك ,هناك أيضاً من فقد أرضه ومن حُرم من ملكيته ومن بقيت إشارة استملاك فوق عقاره عشرات السنين ومن مُنع من الاستثمار أو البناء أو التصرف ومن انتظر تعويضاً لم يصل.
 معالجة هذه المظالم لا تنتقص من حقوق ضحايا الانتهاكات الأشد , بل توسع مفهوم الدولة العادلة ليشمل السوريين جميعاً.
العدالة التي يريدها السوريون ليست عدالة تستبدل مظلومية بمظلومية، ولا جماعة بجماعة، ولا غالباً بمغلوب ,إنها عدالة تقول ببساطة , من له حق يأخذه ومن وقع عليه ظلم يُنصف.

السلم الأهلي يتحقق عندما يشعر السوري أن الدولة لا تخاف منه ولا يخاف منها , عندما يعلم أن منزله وأرضه وعمله وكرامته مصونة بالقانون , وعندما يقتنع بأن سقوط النظام السابق لم يكن انتقالاً لامتيازاته من فئة إلى أخرى , بل نهاية لفكرة أن السلطة تستطيع أن تأخذ حق المواطن لأنها أقوى منه.
لهذا فإن مراجعة استملاكات الساحل ليست ملفاً محلياً، وليست قضية تخص وزارة السياحة وحدها , إنها اختبار وطني لسوريا الحره.
فإذا استطاعت الدولة أن تعود إلى قرار صدر قبل نصف قرن، وأن تفتح سجلاته بشفافية، وأن تميز بين المشروع العام الحقيقي وبين الحق الذي ضاع، وأن تعيد الأرض حيث يمكن إعادتها وتعوض بعدالة حيث يتعذر ذلك، فإنها تقدم للسوريين دليلاً عملياً على أن زمناً جديداً قد بدأ بالفعل

آن الأوان لأن تُقفل صفحة  الأرض غنيمة للسلطة
 
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً حتى يصلوا إلى دولة يكون فيها القانون أقوى من السلطة , واليوم تقع على الدولة مسؤولية إثبات ذلك ,افتحوا ملفات الاستملاك 
اكشفوا الوثائق ,حددوا الحقوق قبل المسؤوليات ,أعيدوا الأرض حيث يجب أن تعاد, وعوّضوا أصحابها بعدالة حيث يستحيل ردها.
ليس لأنهم يطلبون امتيازاً، بل لأنهم سوريون لهم ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم ,فالأرض التي أخذتها الدولة تستطيع أن تراجع قصتها، والمال يمكن تعويضه، والسجل العقاري يمكن تصحيحه , أما الثقة إذا ضاعت فقد تحتاج سوريا إلى عقود كي تستعيدها.
في سوريا الحرة الأرض لا ينبغي أن تكون غنيمة للسلطة ولا القانون ستاراً لانتزاع الحقوق , هناك فقط مواطن وحق وقضاء ودولة تعيد الحق إلى صاحبه
.
لقد آن الأوان لأن تُقفل صفحة "الأرض غنيمة للسلطة"، وأن تُفتح صفحة جديدة عنوانها "الحق لا يسقط بالتقادم ولا بالمرسوم". فأملاك السوريين ليست ملكاً للنظام الحاكم أياً كان، وأرض الساحل بجبالها وسهولها وسواحلها ليست استثناءً من هذه القاعدة , إن قيام الدولة السورية بمعالجة هذا الملف بشجاعة وشفافية ليس فقط واجباً أخلاقياً وقانونياً ، بل هو خطوة تأسيسية على طريق العدالة التي وعد بها الإعلان الدستوري، ورافعة حقيقية للسلم الأهلي الذي لا يُبنى إلا على أساس من الإنصاف ورد الحقوق إلى أصحابها.


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق