سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:19/05/2026 | SYR: 12:02 | 19/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 حول فلسفة الدولة والقمح: هل هو أمن قومي؟ احتمال مجاعة العام القادم!
19/05/2026      





سيرياستيبس 
كتب الدكتور دريد درغام على صفحته :

أستميحكم عذراً باستكمال حلقات حول الهوية لاحقاً لأني أجد ان موضوع القمح أهم. فقد كثر الحديث حول دهشة معظم السوريين من التحرير الصادم لأسعار المواد الأساسية والنتائج المتوقعة لرفع الدعم عن مزارعي القمح.

طفرة في الانتاج

بالنسبة للقمح لا بد من العودة إلى فترة الاستقلال للتعرف على مسيرة القمح السوري الذي لم يكن مدعوماً حينها. تسببت الحرب العالمية الثانية وحرب كوريا (1950-1953) بنقص حاد بإنتاج العالم وارتفاع الأسعار مما أدى إلى طفرة زراعية في سوريا بالأربعينيات والخمسينيات. في تلك الظروف جنى السوريون أرباحاً طائلة من تصدير القمح والشعير والقطن بأسعار خيالية. لم يعتمد التوسع الزراعي على الجعم أو ميزانية الدولة، بل قاده تجار المدن الكبرى (وخاصة أثرياء حلب ودير الزور والموصل) الذين استغلوا الظروف لتمويل المشاريع الزراعية الضخمة وشراء الجرارات والحصادات والمضخات بكثافة لأول مرة مما عوض نقص العمالة فتضاعف الإنتاج (زاد لمستويات جعلت تسويقه مشكلة في الخمسينيات). ومع تزايد الأرباح زادت القدرة على التمويل الذاتي وتم استصلاح مئات آلاف الهكتارات في الجزيرة؛ فتحولت من مراع شاسعة للدواب إلى سلة غذائية للبشر. وكان دور المصارف حينها محدوداً لافتقار المصرف الزراعي للمال الكافي وإحجام البنوك التجارية (معظمها أجنبي) عن الإقراض لارتفاع المخاطر الزراعية برايها. لاحقاً خضع الإنتاج لتقلبات الطقس.
في الثمانينيات ونتيجة موجات جفاف متتالية وشح النقد الأجنبي عجزت الدولة عن استيراد القمح (اقترضت خارجياً) فكان الحل تحفيز الإنتاج المحلي لمنع حدوث مجاعة أو اضطرابات شعبية بحيث يتم الدفع بالليرة السورية بدلاً من الدولار؛ وعندها نشأ شعار "الأمن الغذائي من الأمن السياسي". كما تم توظيف الأمر لكسب ولاء تلك المناطق. واستخدمت لاحقاً بعض المساعدات بإنشاء شبكات ري وساعدت السدود في ري أكثر استقرارا. للأسف تزامن التوجه السوري للزراعة المروية مع إطلاق تركيا مشروع جنوب شرق الأناضول لبناء سدود أضخم بكثير فتراجعت كميات مياه الفرات. وهذا للأسف دفع إلى غض الطرف عن حفر آلاف الآبار العشوائية مع مازوت مدعوم مما استنزف المياه الجوفية.

من حق السلطة أن تقارن بين مواردها وإنفاقها. ولكن موضوع القمح لا يقاس ببعد مالي محض فهو لا يمس فقط المزارعين المستفيدين من الدعم، وإنما يشمل كل سكان سوريا لأن هذا القمح هو خبز كفاف السوريين كلهم. السفينة عندما تتعرض للخطر يمكنها رمي بعض البضائع أو إنزال الحمولة الزائدة بأقرب ميناء. ولكن الوطن ليس سفينة والمواطن ليس حاوية قابلة للرمي عند الملمات. والدولة مسؤولة عن جميع ركاب السفينة السورية التي تزيد مساحتها عن 185 ألف كم2.
في الماضي وجد النظام الحل لمن "يزعجه" بالقتل والتهجير. وأراحت دول العالم ضميرها إما بتمويل صراع مفتوح دون معرفة البديل أو بتنظيم مخيمات يمكن استغلالها بطرق سيئة أحياناً أو بتشجيعهم على الهجرة والاندماج في مجتمعات الغرب لتعويض نقص سكانه وجذب خبرات مهمة مدربة مجاناً (الأطباء أكبر مثال).
بعد تغيير النظام رفعت السلطة الجديدة شعار الحرية الاقتصادية وأنها غير مسؤولة عن الدعم ولكنها لم تعلن عن خطة عمل واضحة تسمح للناس بالوقاية أو التحوط أو المناقشة والأمثلة كثيرة ومنها كأمثلة:
-منذ انفصال سوريا عن لبنان في 1949 وقبل استلام البعث كانت توجهات الحكومات المتتالية لمراقبة التعرفة التي تفرضها شركات امتياز الكهرباء على المستهلكين والمطالبة بـ "تأميمها أو شراء امتيازاتها" نتيجة مغالاتها في الأسعار. يبدو أنه بعد 76 سنة عدنا إلى ذات الجدل.
كانت الأراضي تكفي أهل الريف للعيش لقلة عددهم. بعد عقود من التغيير المنهجي نحو دولة تركز على الخدمات في المدن (وخاصة في الشرطة والأمن والجيش التي كانت تستوعب أعداداً كبيرة وتغري المتطوعين بمكاسب جانبية وبنفوذ غير مسبوق!) وعلى الصناعات الغذائية والتحويلية حول المدن؛ هاجر الجزء الأكبر من الريف إلى المدينة. فتشوه الريف والمدينة معاً. وقد نتج عن تلك العقود "اطمئنان كاذب" باعتبار الحكومة مسؤولة عن أسعار خبز وكهرباء تتناسب مع رواتبهم.
سوريا حاليا تعاني من شح القطع الأجنبي. وإذا كنا نتفهم موقف وزارة المالية والمركزي ورغبتهم بالحفاظ على توازنهم المالي فالمشكلة أكبر. فهم واهمون للاطمئنان الحالي بان مزارع القمح السوري مجبر على بيعه في سوريا بالليرة السورية لأن الأسعار العالمية أرخص
قد نقبل في العام القادم على كارثة حقيقية. مع الارتفاع الهائل بأسعار الأسمدة والبذار والوقود وارتفاع سعر الصرف وغياب السعر المناسب لتكوين تمويل ذاتي ملائم، سيتوقف المزارعون عن الزراعة وتحويل الأراضي إلى مراعي. فإذا استمر شح النقد الأجنبي وترافق الأمر مع انحباس الأمطار في السنة القادمة فالمجاعة قادمة لا محالة (لا سمح الله)


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق