سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:25/06/2026 | SYR: 21:09 | 25/06/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 بعد أن امتلأت البلاد بالسلع الجديدة المستوردة .. سوق المستعمل هو الذي يتسع ويتمدمد ..
25/06/2026      



سيرياستيبس :

لطالما ارتبطت تجارة السلع المستعملة بالحاجة والبحث عن بدائل أقل كلفة، إلا أنها اليوم تجاوزت هذا المفهوم لتصبح قطاعاً اقتصادياً متنامياً يفرض حضوره في مختلف الأسواق حول العالم.

ومع تغير أنماط الاستهلاك وارتفاع الأسعار وتسارع التحول نحو إعادة الاستخدام، باتت السلع المستعملة جزءاً من دورة اقتصادية تسهم في إطالة عمر المنتجات، والحد من الهدر، وتوفير خيارات أكثر مرونة للمستهلكين.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت هذه التجارة توسعاً ملحوظاً، لتشمل الأثاث والملابس والأجهزة الإلكترونية والهواتف والأدوات المنزلية وغيرها، مدفوعة بتزايد الضغوط المعيشية من جهة، وبنمو ثقافة الاقتصاد الدائري والاستدامة من جهة أخرى.

كما أسهمت المنصات الرقمية في تسهيل عمليات البيع والشراء، لتتحول تجارة المستعمل إلى نشاط اقتصادي يجذب البائع والمشتري على حد سواء.

إعادة تدوير

في هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أن أسواق المستعمل محلياً أصبحت جزءاً من آليات التكيّف الاقتصادي التي طوّرتها الأسر السورية لمواجهة التغيرات العميقة التي طالت بنية الدخل والاستهلاك والاستثمار.

وقال السلوم لصحيفة “الثورة السورية” إن أحد أبرز مظاهر توسع سوق المستعمل يظهر في قطاع الإلكترونيات والأجهزة التقنية، لا سيما بين طلاب الجامعات والمعاهد، مشيراً إلى أن الحاسوب المحمول والهاتف الذكي أصبحا أدوات أساسية للدراسة والتواصل وإعداد البحوث والمهام التعليمية، الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الطلاب إلى الاعتماد على الأجهزة المستعملة أو المُجددة في ظل صعوبة اقتناء الأجهزة الجديدة.

وأضاف أن السوق المحلية شهدت خلال السنوات الأخيرة نشوء شبكات واسعة من الفنيين وورشات الصيانة التي تعمل على تحديث الأجهزة القديمة ورفع كفاءتها التشغيلية، ما أسهم في إطالة عمرها الاقتصادي وتحويلها إلى أصول قابلة للتداول بين أكثر من مستخدم على مدار سنوات متتالية.

ولفت السلوم إلى أن هذا النمط يعكس تغيراً في السلوك الاستهلاكي، كما يعبر أيضاً عن قدرة المجتمع على إعادة تدوير موارده المحدودة وتكييفها مع متطلبات العصر الرقمي.

سلوك استهلاكي واسع

بالحديث عن أسواق الألبسة المستعملة “البالة”، اعتبر السلوم أنها تجاوزت منذ سنوات كونها أسواقاً مخصصة للفئات الأشد فقراً، لتتحول إلى وجهة يقصدها جزء متزايد من الطبقة المتوسطة أيضاً.

وأكد أن الأسر التي تضم أطفالاً ومراهقين تواجه تحدياً دائماً يتمثل في الحاجة المتكررة إلى استبدال الملابس نتيجة النمو المستمر، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الألبسة الجديدة إلى مستويات يصعب على الكثير من العائلات تحملها.

وأشار السلوم إلى أن أسواق المستعمل تؤدي هنا وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية، إذ تسمح للأسر بالحفاظ على مستوى مقبول من الاستهلاك رغم الضغوط الاقتصادية، وتخفف من حدة التراجع المعيشي الذي كان يمكن أن يكون أكثر قسوة في غياب هذه البدائل.

مصدر للسيولة

يمتد نشاط سوق المستعمل غالباً من شراء السلع بأسعار أقل إلى بيع الممتلكات الشخصية لتأمين السيولة النقدية. ووصف السلوم هذا الجانب بأنه الأكثر حساسية في دراسة سوق المستعمل، لأنه يكشف عن انتقال بعض الأسر من موقع المشتري إلى موقع البائع الاضطراري.

وأوضح السلوم أن عدداً متزايداً من الأسر بات يلجأ إلى بيع الأثاث والأدوات المنزلية والمقتنيات الشخصية لتغطية نفقات أساسية تتعلق بالغذاء أو الدواء أو الإيجار أو التعليم.

وأضاف أن هذه العمليات لا تمثل دخلاً جديداً للأسر بقدر ما تعكس استنزافاً تدريجياً للثروة المتراكمة لديها عبر السنوات، كما لفت إلى أن اختلال موازين التفاوض بين البائع المحتاج والمشتري المقتدر يؤدي غالباً إلى انتقال الأصول بأسعار منخفضة، وهو ما يعكس جانباً من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد في المرحلة الراهنة.

آليات التسعير

عن آليات التسعير، أوضح السلوم أن سوق المستعمل في سوريا لا تعتمد على السعر التاريخي للسلعة عند شرائها، بل على تكلفة استبدالها في الوقت الراهن. وأشار إلى أن البائع غالباً ما يقارن سعر السلعة المستعملة بسعر البديل الجديد المتاح في السوق، ثم يحدد قيمتها وفق قدرتها على تعويض جزء من تكلفة الاستبدال.

كما أكد أن جودة التصنيع وعمر المنتج الفعلي يلعبان دوراً محورياً في تحديد الأسعار، وهو ما يفسر استمرار الطلب المرتفع على بعض المنتجات القديمة المعروفة بمتانتها واعتماديتها مقارنة ببدائل حديثة أقل جودة.

وأشار السلوم إلى أن الحديث عن تأثير السلع المستعملة على الاستثمار لا يمكن أن يتم بصورة عامة أو مطلقة، لأن الأثر الاقتصادي يختلف باختلاف مصدر السلعة وطبيعتها ووظيفتها داخل السوق. ولفت إلى أن السلع المستعملة المتداولة محلياً بين الأفراد تمثل في جوهرها عملية إعادة تدوير للأصول الموجودة داخل الاقتصاد الوطني، حيث تنتقل السلعة من مستخدم إلى آخر دون الحاجة إلى استنزاف إضافي للقطع الأجنبي أو زيادة فاتورة الاستيراد، الأمر الذي يمنح الأسر ذات الدخل المحدود فرصة الوصول إلى السلع والخدمات بتكلفة أقل.

في المقابل، لفت السلوم إلى أن الصورة تختلف عند الحديث عن السلع المستعملة المستوردة من الخارج، إذ تصبح هذه السلع جزءاً من المنافسة المباشرة التي تواجه المنتج الجديد أو المستثمر المحلي. وفي هذه الحالة، لا يكون التأثير واحداً في جميع القطاعات، فاستيراد الألبسة المستعملة أو بعض السلع الاستهلاكية منخفضة السعر قد يحد من قدرة المنتج المحلي على التوسع ويؤثر في جدوى الاستثمارات الجديدة، خصوصاً في الصناعات الناشئة التي تحتاج إلى هوامش ربح كافية لاسترداد رأس المال وتحقيق النمو.

ويختلف الأمر جذرياً عند الحديث عن المعدات والآلات ووسائل الإنتاج المستعملة، إذ يمكن لهذه الفئة من السلع أن تؤدي دوراً إيجابياً في تحفيز النشاط الاقتصادي، من خلال خفض تكاليف التأسيس الأولية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمكين المستثمرين من دخول السوق بإمكانات مالية أقل، وفق السلوم.

ورأى أن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار الاقتصادي لا يتمثل في تشجيع المستعمل أو منعه بشكل مطلق، بل في إيجاد توازن يسمح بحماية فرص الاستثمار المحلي من جهة، والحفاظ على قدرة المجتمع على الوصول إلى السلع الأساسية من جهة أخرى.

تكيف اقتصادي واجتماعي

أكد السلوم أن سوق المستعمل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى آليات التكيف الاقتصادي والاجتماعي التي فرضتها التحولات العميقة في مستويات الدخل والإنفاق.

وأوضح أن الدور الأبرز لهذه السوق يتمثل في تخفيف آثار تراجع القدرة الشرائية على الأسر السورية، عبر توفير بدائل أقل تكلفة تتيح استمرار الوصول إلى السلع التي باتت أسعارها الجديدة تتجاوز إمكانات شرائح واسعة من المجتمع.

كما تؤدي السوق وظيفة اقتصادية أخرى تتمثل في إعادة تخصيص الموارد المتاحة، من خلال نقل الأصول غير المستخدمة أو قليلة الاستخدام من مالكيها السابقين إلى مستخدمين جدد، بما يرفع من كفاءة الاستفادة من السلع الموجودة داخل الاقتصاد الوطني.

وأضاف السلوم أن سوق المستعمل أصبحت أيضاً أداة مالية غير مباشرة، تتيح للأسر تحويل جزء من ممتلكاتها إلى سيولة نقدية عند الحاجة، سواء لمواجهة النفقات الطارئة أو لتغطية متطلبات المعيشة الأساسية.

واعتبر أن توسع سوق المستعمل لا يمكن فصله عن الظروف الاقتصادية التي أفرزتها، فكلما تحسنت مستويات الدخل الحقيقي وتوسعت فرص العمل وتزايدت الاستثمارات الإنتاجية، من المتوقع أن تستعيد سوق المنتجات الجديدة جزءاً أكبر من حصتها الطبيعية.

وأشار إلى أن بعض أنماط الاستهلاك المرتبطة بالسلع المستعملة قد تستمر حتى في مراحل النمو الاقتصادي، نتيجة تشكل ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على إعادة الاستخدام وتعظيم الاستفادة من الموارد وتقليل الهدر.

ومع استمرار الضغوط المعيشية وتغير أنماط الاستهلاك، تبقى أسواق المستعمل إحدى أبرز الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في سوريا. غير أن السؤال الأهم يبقى مطروحاً: هل تمثل هذه السوق مرحلة انتقالية فرضتها الظروف الاقتصادية الاستثنائية، أم أنها تتجه لتصبح جزءاً دائماً من الثقافة الاستهلاكية؟ وهل سيتمكن المواطن السوري مستقبلاً من العودة إلى سوق المنتجات الجديدة، أم أن الاقتصاد سيواصل الاعتماد على دورة متنامية من إعادة الاستخدام والتداول؟

الثورة



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق