حلول التلوث في بانياس رهن المشروعات المتأخرة
11/09/2012



مشكلة التلوث في مدينة بانياس مشكلة قديمة حديثة أثقلت كاهل السكان وقد تضاعفت معاناتهم في مدينة بانياس والقرى المحيطة بها هذا الصيف من جراء هباب الفحم الذي تنفثه المنشآت الصناعية الموجودة في المدينة- الشركة العامة لتوليد كهرباء بانياس والمصفاة-

 حيث إن المحطة الحرارية تعمل بطاقتها العظمى أي إن كميات هباب الفحم المطروحة في الهواء قد تضاعفت هذا الصيف.

مشكلة التلوث عمرها طويل والمعالجة تأخرت كثيراً والتلوث مستمر والسكان وصلوا إلى مرحلة فقدان الأمل من التوصل إلى إجراءات لإيقاف التلوث فماذا يقولون وماذا يقول المعنيون والأطباء في هذا الموضوع؟

مدينة ملوثة

تعد مدينة بانياس أولى المدن الساحلية إن لم نقل السورية تلوثاً في الهواء الذي يعدّ من أعقد المشكلات التي يعاني منها السكان التي تهدد حياتهم وبيئتهم المحيطة بهم إذ يدخل إلى رئة الإنسان كما أشارت الدراسات يومياً حوالى /15/ كغ من الهواء وهذا الهواء محمل بهباب الفحم الذي نتنفسه على مدار الساعة، إضافة إلى ما تسببه من أمطار حامضية واندثار طبقة الأوزون.

وما يطرح من ملوثات في بانياس نتيجة احتراق الفيول والذي يحتوي ثلاثة ملوثات وهي أكاسيد الكبريت- أكاسيد الآزوت- الرماد الصناعي هذه الغازات تنطلق في الجو لتشكل (أحماضاً وأملاحاً) والتي تسقط على النبات ليمتصها النبات وتصبح جزءاً منه ومن ثم يتناولها الإنسان وهنا تكمن الخطورة.

أين الحلول؟

عبر كل من التقيناهم في مدينة بانياس عن فقدان الأمل في إيجاد حل قريب لمشكلة التلوث فيقول السيد أبو غسان مصطفى: منذ عشرات السنين ونحن نناشد الجهات المعنية لتخليصنا من التلوث وخاصة التلوث الناتج عن المحطة الحرارية وقد قرأت الكثير من المقالات في الصحف وحضرت عدداً من الندوات التخصصية في المركز الثقافي في بانياس جميعها بحثت في الأسباب وطالبت بالإسراع في الإجراءات ولكن لا حياة لمن تنادي والتلوث مستمر بل زاد هذا الصيف كثيراً واليوم أقول: يمكن أن يكون الصمت أجدى من الكلام مادامت الصرخات والمناشدات لن تجدي سابقاً، وأنا كجيل لم يعد لدي أمل في المعالجة ولكن أتمنى أن يعيش أولادي وأحفادي في بيئة نظيفة والتي لم أستطع أن أعيش بها.

وأضاف: علينا العمل للمحافظة على أجيالنا القادمة من التلوث الذي يزداد يوماً بعد يوم ولم نتوصل إلى حل بعد الكثير من الصرخات المدوية التي أطلقناها منذ سنوات للوصول إلى الحلول المناسبة ومازلنا ننتظر على أمل أن نصل متأخرين خير من أن لا نصل أبداً.

المهندس أحمد أضاف: لا نريد أن نتحدث بالتخمين والتكهنات، اليوم نريد أرقاماً وقياسات دقيقة عن كمية التلوث في مدينة بانياس وتساءل: هل توجد أرقام دقيقة تدل على حجم التلوث وأنواع الملوثات ومن ثم تحديد مخاطرها على صحة الإنسان والنبات لأن سكان المدينة والريف في بانياس لديهم القناعة الكاملة بأن الأمراض التي تصيبهم أغلبها ناجم عن الثلوث وخاصة الأمراض السرطانية والقلبية.

السيد خالد من سكان مدينة بانياس قال: إن ما تنفثه المحطة الحرارية من هباب الفحم فعل فعله على كل شيء على المنازل والأثاث والملابس حيث يمكن أن تراه بالعين المجردة والأخطر من هذا ما يعكسه هذا التلوث من مخاطر على الصحة، ربما يقول قائل: للصناعة ضرائب يجب أن تدفع وهذا صحيح إلا أن من تكبد ويتكبد في كل لحظة المخاطر على حياته وحياة أولاده يجب أن نعترف له بذلك بادئ الأمر وأن نسعى لتعويضه لا بشكل شخصي بل بسلة من المشاريع الدائمة للحد من تلوث الهواء وغيرها من أنواع التلوث وأقول إن الأوكسجين حق لأنه مرتبط بالحياة.

أبو هادي من سكان قرية حريصون قال:لقد توجهنا منذ عشرات السنين إلى الزراعات المحمية لأن الزراعات الأرضية لم تعد تعطي الإنتاج الجيد والوفير وذلك بسبب الغازات والملوثات التي أثرت على البشر والتربة فلوثت التربة الأمطار الحامضية وهباب الفحم الذي يتساقط علينا كالمطر طوال أيام السنة.

مخاطر كبيرة على الصحة

الدكتور محمد نيوف وهو من المهتمين بالبيئة قال: إن التلوث الحاصل في مدينة بانياس كبير فكيفما تدير وجهك ترى الدخان الأسود المنبعث من المحطة الحرارية والمصفاة إضافة إلى روائح الغازات الكريهة جداً والتي تؤثر أغلب أيام السنة على القرى القريبة من المدينة وهي بارمايا الزللو- فارش- طيرو- المنزلة- ابتلة- دير البشل ولا ننسى حريصون هذه القرية التي تعيش مأساة حقيقة من جراء الروائح وتساقط هباب الفحم فوق أراضيها.

وأضاف: ان أكاسيد الكبريت المنبعثة مع دخان المصانع وكما هو مذكور في الدراسات الطبية تؤدي إلى تخريش في الطرق التنفسية العليا وهذا يؤدي إلى حدوث التهاب حنجرة أو رغامى أو التهاب قصبات بشكل قد يكون حاداً أحياناً.

وفي حال التعرض المزمن والشديد لهذه الأكاسيد يتأثر حس الذوق وحاسة الشم ويحدث تلف رئة أو التهاب قصبات مزمن، كما يمكن أن تسبب هذه الأكاسيد تهيج الغشاء المخاطي للعيون وتهيج الجلد وغالباً ما تكون تأثيراتها طويلة الأمد وصعبة العلاج.

وقد يتشكل الضباب الدخاني أحياناً في بعض المدن المجاورة للمصانع وهو يحتوي بعض الأكاسيد مثل أكاسيد الآزوت مع مركبات هيدرو كربونية غير محترقة مع بعض الحبيبات الدقيقة العالقة في الهواء... وهذا يؤدي إلى تلوث شديد في الهواء ومن ثم التهاب وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وتليف الرئة وربما أورام الرئة أحياناً.

سرطان الجهاز العصبي يحتل المرتبة الأولى من الإصابات الخبيثة في طرطوس

 

وإن أكاسيد الآزوت هي مواد مخرشة للطرق التنفسية وخاصة السفلية أو العميقة كالقصبات والأسناخ الرئوية وهي صعبة الانحلال بالمقارنة مع أكاسيد الكبريت لذلك تصل إلى الطرق التنفسية السفلى، ولها تأثيرات سلبية وأحياناً سمية على بعض عناصر الدم كالكريات البيض والحمر.

الدكتورة أحلام اختصاص عصبية أضافت: إن زيادة معدلات التلوث لها تأثير كبير على الجملة العصبية عند الإنسان بسبب إحداث الأكاسيد تغيرات في الدوران الدماغي ونقص أوكسجين الدماغ أحياناً.

وإن غاز كبريت الهدروجين قد يؤدي لإصابات في بعض الأعصاب القحفية ومن بينها العصب البصري، كما يمكن أن يصيب مناطق معينة في قشر الدماغ ويمكن أن يحدث التهاب أعصاب.

حرق 3 آلاف طن من الفيول يومياً.

المهندس محمد غانم مدير عام محطة توليد بانياس قال: إن المحطة تعمل بالطاقة القصوى والتي تصل إلى توليد /510/ ميغا واط كل لحظة حيث يحرق حوالى /3/ آلاف إلى /3100/ طن من الفيول يومياً وإن احتراق الفيول من الطبيعي أن ينتج عنه هباب الفحم الذي يتم طرحه.

لا حلول في المدى المنظور

في الهواء مباشرة والحل الوحيد هو تشغيل المحطة على الغاز بدلاً من الفيول، وقد عملنا سابقاً على المجموعتين الأولى والثانية لتحويلها للعمل على الغاز من خلال التعاقد مع شركة إيرانية وأصبحت تجهيزات حرق الغاز مركبة في هاتين المجموعتين إلا أن نظام التشغيل بالمرجل غير مستكمل حتى اليوم من قبل الشركة الإيرانية واليوم نحن بحاجة لإجراءات لاتباعها لتشغيل المرجل ونحن غير قادرين على تنفيذها حالياً لعدم الحصول على كلمة السر للدخول إلى البرنامج في المجموعتين 1-2 وذلك بسبب انتهاء الصلاحية لإمكانية الدخول للبرنامج وتعديله حيث انتهت الصلاحية في 31/12/2010 علماً بأنه تم استقدام خبير روماني استطاع التوصل لحل ولكن الكتاب الذي جاءنا من AAB بانتهاء مدة الصلاحية للتعديل أوقف العمل وما على السكان في مدينة بانياس وجوارها إلا التحمل والصبر على المدى المنظور على أمل التوصل إلى حلول في المستقبل..

أجهزة قياس التلوث غير متوافرة

المهندس حسام ديوب مدير البيئة بطرطوس أكد لتشرين أنه حتى الآن لا توجد معدات لقياس نسب التلوث الهواء في مركز المدينة ولكن توجد أجهزة لقياس التلوث ضمن المصدر الملوث ومؤخراً تمت الموافقة على شراء تجهيزات لقياس تلوث الهواء في خطة 2013.

وأضاف ديوب: إن الحل الجذري لمشكلة تلوث الهواء في مدينة بانياس موجود وهو تشغيل المحطة الحرارية على الغاز بدلاً من الفيول وقد عملت الجهات المعنية في الدولة لإنشاء خط لنقل الغاز وقد وصل إلى مدينة بانياس والذي سيكون الحل لإنهاء المشكلة في حال تشغيله إلا أنه ولأسباب موضوعية تأخر المشروع إلا أن الجهات المعنية تعمل للوصول إلى بيئة نظيفة لمدينة بانياس وما حولها حين ملائمة الظروف وحل المشكلات العالقة في هذا المجال.   

الأمراض ضمن الحدود

أكد من جانبه الدكتور عبد الله عثمان حمود رئيس دائرة السرطان في مديرية صحة طرطوس أن السرطان مشكلة صحية وطنية وعالمية وقد يلاحظ ازدياد الإصابات به، من هنا تأتي أهمية البرامج الوطنية لمكافحته وإنقاص معدلات الإصابة به والوفيات وذلك بالكشف المبكر عنه مؤكداً أن نسبة الإصابة بالسرطانات في محافظة طرطوس غير مرتفعة وضمن الحدود الطبيعية رغم تعدد مصادر التلوث في المحافظة إذا ما قورنت بالمحافظات الأخرى وإذا وجدنا ارتفاع الأرقام عن المحافظات الأخرى فهذا ليس مقياساً بأن المحافظات الأخرى أقل منا بعدد الإصابات وإنما هذا دليل على المتابعة الحثيثة من قبل الصحة والوعي الذي يتمتع به المواطنون في هذه المحافظة فهم يراجعون المختصين مباشرة في حال الشك بأي مرض وهذا الفرق بيننا وبين بعض المحافظات.

688 إصابة سرطانية في طرطوس

وبالنسبة لعدد الإصابات فقد بلغت خلال العام الماضي 2011 في طرطوس 668 إصابة توزعت بين 334 للرجال و324 للنساء وكانت إصابات الجهاز الهضمي /150/ إصابة تلاها الثدي 98 إصابة والجلد 83 إصابة ثم الجهاز البولي 78 إصابة ثم الجهاز التناسلي عند الجنسين 96 إصابة ثم ابيضاضات الدم المختلفة 57 إصابة ثم اللمفاومات 48 إصابة- الجهاز التنفسي 46 إصابة- العظام والنسج الرخوة 19 إصابة ثم الغدد الصم 10 إصابات- الجهاز العصبي المركزي 7 وأخيراً منطقة الرأس والعنق 3 إصابات.

أما إصابات النصف الأول من العام الحالي 2012 فبلغت 198 إصابة توزعت 108 للرجال و90 للنساء أعلاها إصابات الجهاز الهضمي 65 إصابة وأقلها الجهاز العصبي المركزي.

من هنا ونتيجة تزايد الأمراض السرطانية في الجهاز الهضمي وهي تحتل المرتبة الأولى في الإصابات السرطانية في المحافظة وهذا دليل على تلوث التربة والمياه الجوفية.

وأشار د.حمود إلى أن عدد الإصابات الصدرية ضمن المعدل السنوي المعتاد، أما بالنسبة لتلوث الهواء من المصادر المختلفة فمن الجدير ذكره أن معمل الاسمنت ورصيف الإسفلت في مدينة طرطوس ومصفاة بانياس والمحطة الحرارية كلها تؤدي إلى تلوث الهواء ولا ننسى التلوث الناتج عن وسائل النقل واحتراق القمامة ومكبات النفايات العشوائية وازدياد أعداد المدخنين... كل هذا يمكن أن يؤدي إلى ازدياد الإصابة بسرطان الجهاز التنفسي وسرطان الجلد وتزداد سرطانات المعدة في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الزنك والكروم في تربتها وتزداد إصابة الأمعاء السرطانية عندما ترتفع نسبة الكروم في التربة إلا أن العامل الوراثي مهم جداً في الإصابة بسرطان الثدي والمبيض والكولون.

أخيراً

إن نظافة البيئة هي الضمانة الأساسية لاستمرار الوجود الإنساني أو لنقل الحياة على الأرض من هنا يجدد سكان مدينة بانياس والقرى المحيطة بها مناشدتهم للجهات المعنية تخليصهم من التلوث الذي جعلهم يشعرون بحالة من اليأس والإحباط من كثر الصيحات التي أطلقوها والوعود التي تلقوها دون أن يلمسوا أي شيء على أرض الواقع وهم اليوم يتسلحون بالصبر والانتظار لعل المستقبل القريب يحمل لهم ما حلموا وطالبوا به منذ عشرات السنين فإن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً.

سيرياستيبس- تشرين



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=93368

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc