لم يكن الظهور الإعلامي لمعظم المسؤولين الحكوميين خلال فترة أزمة الطاقة الأخيرة موفقاً..
فلا هم استطاعوا أن يشرحوا للمواطن أسباب الأزمة بموضوعية وإقناع، ولا هم نجحوا في طمأنة الرأي العام وتبديد مخاوفه.
وباستثناء كلام رئيس مجلس الوزراء الأخير أمام مجلس الشعب، والذي جاء صريحاً وغنياً بالمعلومات والبيانات بشهادة أعضاء المجلس، فإن كل ما تردد على ألسنة المسؤولين الحكوميين في وسائل الإعلام المحلية لم يخرج عن اثنين:
– إما التقليل من حجم الأزمة ومعاناة المواطنين، وهذا كان كفيلاً باستفزاز مشاعر الشارع، وتالياً صبّ جام غضبه على الأداء الحكومي، على حين كان يفترض أن يوجه هذا الغضب نحو الحصار الأمريكي والغربي عموماً، والذي يحول دون وصول إمدادات النفط والغاز إلى الموانئ السورية.
– وإما تقديم الوعود تلو الأخرى بقرب انتهاء الأزمة، وغالباً ما عُبر عن ذلك بكلمة «أيام»، فتمضي تلك الأيام من دون أن يتحقق الانفراج الموعود، لتكون النتيجة مزيداً من التذمر الشعبي، وعدم الثقة بأي تصريح رسمي يصدر لاحقاً.
هذا بغضّ النظر عن الأسباب التي حالت دون تحقيق ذلك الانفراج، سواء كانت ناجمة عن سوء تقدير البعض لاستمرارية الأزمة، أو نتيجة لدخول عوامل جديدة غير متوقعة.
ما يحكم الظهور الإعلامي للمسؤولين الحكوميين في أوقات الأزمات نقطتان أساسيتان: الأولى تتعلق بمضمون الرسالة المراد إيصالها للمواطن أو تعبئة الرأي العام المحلي حولها، والثانية تتمثل في المعلومات المتاحة أو تلك التي يمكن نشرها.
في الأزمة الأخيرة، كانت رسائل الظهور الإعلامي لعدد من المسؤولين غير مفهومة..
فمثلاً، ما الرسالة المراد إيصالها للمواطن من حديث البعض عن حجم الدعم الحكومي المقدم هنا أو هناك، في وقت يصطف المواطنون في طوابير للحصول على أسطوانة غاز، أو يعانون زيادة ساعات التقنين الكهربائي مقارنة بشتاء العام الماضي؟!.
ثم ما طبيعة الرسالة التي يمكن أن تتحقق عندما يدلي مسؤولون بتصريحات تتضمن أرقاماً وبيانات متضاربة..؟!.
وحتى عندما حاول البعض إيصال رسائل موضوعية، تتعلق بأسباب الأزمة وظروفها المحلية والخارجية، فإن الخوف من التعاطي إعلامياً مع المعلومات المتوافرة حال دون تحقيق تلك الرسائل لغاياتها وأهدافها.
فمثلاً، هل كان من الصائب أن يتحدث مسؤولو الحكومة منذ البداية عن حقيقة تأثير الإجراءات الاقتصادية القسرية الغربية في صناعة الأزمة؟ وإلى أي حد كان يمكن الذهاب في الحديث عن ذلك؟ وماذا عن دور المستوردين المحليين وآليات وحلقات التوزيع الداخلية؟ ومن الذي كان يجب أن يقول كل ذلك؟.
في سياق هذه التساؤلات تحضر نقطة ضعف قديمة في صناعة القرار الحكومي، وبات ضعفها اليوم أكثر خطورة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
إذ للأسف ليس هناك أي رصد علمي أو موضوعي لتوجهات الرأي العام ومواقفه حيال أي مسألة، وتالياً فإن كل القرارات، ولاسيما المرتبطة بحالة شعبية، تُتخذ بناء على اجتهادات ورؤى شخصية وتجارب آخرين…!.
وأعتقد أن هذه المهمة كانت من صلب أولويات عمل مديرية دعم القرار عند تأسيسها، لكن عملياً لم تنفذ تلك الأولوية كما هي الحال في دول عربية أخرى!.
إذا كان البعض يعتقد أن ظهوره المتكرر على وسائل الإعلام يكفل له التأثير في الرأي العام، فإن العبرة دائماً هي فيما يقول.. وفيما يقدم من معلومات، وإلا لكان بعض «المحللين» هم الأكثر تأثيراً ونفوذاً في المجتمع!.