نزيف الخزانات السحيقة.. دراسة ترصد أبعاد أزمة المياه الجوفية في سوريا
04/08/2026
سيرياستيبس
حذّرت دراسة من تفاقم أزمة المياه الجوفية في سوريا، في ظل ارتفاع معدلات السحب، وانتشار الآبار غير المرخصة، وتراجع مخزون السدود، واستمرار القطاع الزراعي في استهلاك النسبة الأكبر من الموارد المتاحة.
وتناولت دراسة أعدّها المهندس الزراعي المختص بالتربة الزراعية والمحاصيل الحقلية مراد قره مصطفى، موقع البلاد على مؤشرات الإجهاد المائي العالمية، وحجم مواردها الداخلية والخارجية المتجددة، وتوزع الاستهلاك بين القطاعات، إضافة إلى أثر تراجع المياه السطحية في الخزانات الجوفية.
واستندت الدراسة التي حملت عنوان "نزيف الخزانات السحيقة: الجغرافيا السياسية والاقتصادية لأزمة المياه الجوفية في سوريا" إلى بيانات معهد الموارد العالمية "WRI" ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، إلى جانب دراسات اعتمدت تقنيات الأقمار الصناعية لرصد تغيرات المياه الجوفية في حوض العاصي.
وخلص إلى أن الأزمة لم تعد قضية بيئية منفصلة، بل باتت مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والاستقرار الاقتصادي وقدرة السكان على الاستمرار في مناطقهم.
سوريا في النطاق الأحمر للإجهاد المائي
أظهرت الدراسة أن سوريا تقع ضمن النطاق الأحمر القاتم على مؤشرات الإجهاد المائي العالمية، بما يعكس ارتفاع حجم المياه المسحوبة مقارنة بالموارد القابلة للتجدد سنوياً.
وبحسب بيانات معهد الموارد العالمية التي أوردهتها الدراسة، سجلت سوريا 4.44 نقاط من أصل خمس في مؤشر الإجهاد المائي المرتفع للغاية، وفق تصنيف "Aqueduct" الصادر عام 2015.
ويقيس المؤشر حجم المياه التي تُسحب سنوياً مقارنة بالموارد المائية المتجددة المتاحة. وكلما اقتربت النتيجة من خمس نقاط، دل ذلك على ارتفاع الضغط على الموارد وصعوبة تعويض الكميات المستهلكة طبيعياً.
ووضعت هذه النتيجة سوريا في المرتبة الـ25 عالمياً بين الدول الأكثر عرضة للأزمات المائية واستنزاف مواردها خلال العقود المقبلة.
وأشار معد الدراسة إلى أن سوريا تقع كذلك في الثلث الأخير عالمياً من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه العذبة المتجددة، إذ تقل الحصة عن خط الفقر المائي العالمي المحدد بألف متر مكعب للفرد سنوياً.
موارد داخلية محدودة واعتماد كبير على الخارج
قسّمت الدراسة الموارد المائية المتجددة في سوريا إلى قسمين، يشمل أولهما المياه المتولدة داخل البلاد من الأمطار والثلوج، في حين يضم الثاني التدفقات القادمة عبر الأنهار والأحواض المشتركة مع دول الجوار.
وبحسب قاعدة بيانات "AQUASTAT" التابعة لمنظمة "فاو"، تبلغ الموارد المائية الداخلية المتجددة في سوريا نحو سبعة مليارات متر مكعب سنوياً.
وتتكون هذه الموارد من مياه الأمطار والثلوج التي تغذي الأنهار وتتسرب عبر طبقات الأرض إلى الأحواض الجوفية. وتمثل الكمية المتجددة داخلياً المورد الذي يمكن الاعتماد عليه من دون زيادة الضغط على البنية الهيدرولوجية للخزانات.
أما الموارد الخارجية المتجددة، فتقدر في حالتها الطبيعية بنحو 19.3 مليار متر مكعب سنوياً. وتشمل المياه الواردة عبر الأنهار والأحواض الممتدة بين سوريا ودول الجوار، وفي مقدمتها نهرا الفرات ودجلة من تركيا، إلى جانب المياه الجوفية العابرة من لبنان عبر أحواض السلسلة الغربية.
وأشارت الدراسة إلى أن إجمالي الموارد المائية المتجددة يصل، وفق بيانات "فاو"، إلى نحو 26.3 مليار متر مكعب سنوياً. لكن هذا الرقم يمثل القيمة الطبيعية للموارد ولا يعني أن الكمية كاملة متاحة فعلياً داخل البلاد، نتيجة لتأثر التدفقات بالسحب في دول المنبع وعوامل أخرى.
وتبلغ نسبة اعتماد سوريا على المياه العابرة للحدود 80.3 في المئة، ما يجعل أمنها المائي مرتبطاً بدرجة كبيرة بحجم التدفقات القادمة من خارج أراضيها.
وترى الدراسة أن الطلب المحلي يفوق قدرة الموارد المتاحة على التجدد الطبيعي، ما يخلق عجزاً تراكمياً يظهر في الانخفاض المستمر لمناسيب الآبار والخزانات الجوفية.
الزراعة تستهلك 88 في المئة من المياه
عزت الدراسة جانباً أساسياً من الأزمة إلى اختلال توزيع الاستهلاك بين القطاعات، إذ لا يأتي الضغط الأكبر على الموارد الجوفية من الاستخدام المنزلي، بل من القطاع الزراعي.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الدراسة، يستهلك القطاع الزراعي نحو 88 في المئة من إجمالي المياه المستخدمة في سوريا، نتيجة للاعتماد على الري بالغمر وزراعة محاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وفي مقدمتها القطن والقمح.
في المقابل، تذهب نحو 9 في المئة من المياه إلى المنازل لتلبية احتياجات الشرب والاستخدامات اليومية، في حين لا تتجاوز حصة القطاع الصناعي 3 في المئة، وسط محدودية استخدام تقنيات معالجة المياه وإعادة تدويرها.
ويظهر هذا التوزيع، وفق الدراسة، أن خفض الاستهلاك المنزلي وحده لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة، ما لم يترافق مع تغيير أساليب الري ومراجعة نوعية المحاصيل وكميات المياه المخصصة للزراعة.
الآبار غير المرخصة تستنزف الخزانات
توقفت الدراسة عند انتشار الآبار غير المرخصة، وعدّتها أحد أبرز أسباب استنزاف المياه الجوفية في سوريا.
ومع تراجع كفاءة شبكات المياه الحكومية وتواتر سنوات الجفاف، اتجه عدد كبير من المزارعين إلى حفر الآبار لتأمين احتياجات أراضيهم. لكن غياب الرقابة على عمليات الحفر والضخ أدى إلى سحب كميات من المياه من دون تحديد سقوف سنوية تراعي قدرة الخزانات على التجدد.
وأوردت الدراسة تقديرات محلية تشير إلى وجود عشرات الآلاف من الآبار غير القانونية في حوض اليرموك ومحافظة درعا وحدهما.
ولا تقتصر آثار الضخ الجائر على انخفاض المياه داخل الآبار، بل تمتد إلى الينابيع والبحيرات السطحية المرتبطة بالخزانات الجوفية نفسها.
واستشهدت الدراسة بالجفاف الكامل الذي أصاب نبع وبحيرة المزيريب في ريف درعا، بعدما شكّلا طوال قرون مورداً مائياً مهماً للمنطقة وسكانها وأنشطتهم الزراعية.
السدود تقترب من "المستوى الميت"
ربطت الدراسة بين تراجع المياه السطحية واستنزاف الخزانات الجوفية، موضحاً أن الأنهار والبحيرات والسدود تسهم في تغذية طبقات الأرض من خلال تسرب المياه إلى باطنها.
وبذلك، لا يؤدي انخفاض تخزين السدود إلى تقليص المياه المتاحة للري والشرب فقط، بل يحد أيضاً من قدرة الأحواض الجوفية على تعويض الكميات المسحوبة منها.
وبحسب تقارير وزارة الموارد المائية والمنظمات الإنسانية التي استندت إليها الدراسة، وصلت مستويات التخزين في عدد من السدود الحيوية إلى ما يعرف بـ"المستوى الميت"، وهي المرحلة التي تصبح عندها المياه المخزنة غير قابلة للاستخدام بصورة طبيعية أو اقتصادية.
وفي ريف دمشق، انخفض تخزين سدود حوضي بردى والأعوج إلى نحو 1 في المئة، بالتزامن مع تراجع مناسيب المياه في غوطة دمشق وتأثر بساتينها.
أما في محافظة درعا، فتشير الأرقام إلى وصول التخزين إلى مستوى يقارب الصفر، ما يحد من قدرة المحافظة على تأمين احتياجاتها الزراعية.
وفي محافظة الحسكة، لم تتجاوز نسبة التخزين نحو 10 في المئة، ما يزيد الضغط على الخزانات الجوفية في منطقة الجزيرة التي يعتمد عليها ملايين السكان.

فيضانات الفرات لا تعني انتهاء الأزمة
تناولت الدراسة أيضاً الارتفاع الاستثنائي الذي شهده منسوب نهر الفرات في أيار 2026، نتيجة لتدفقات أعقبت فتح السدود التركية بعد تساقطات غزيرة، ما أدى إلى وصول منسوب النهر إلى نحو ثلاثة أضعاف مستواه السابق.
لكن الدراسة أشارت إلى أن هذه الفيضانات تمثل ظاهرة موسمية واستثنائية، ولا تعكس تحسناً طويل الأمد في بنية الموارد المائية السورية.
ورأى أن هذه التطورات تعيد إظهار مدى ارتباط الوضع المائي في سوريا بالتدفقات العابرة للحدود، ولا سيما مع اعتماد البلاد بنسبة 80.3 في المئة على الموارد الخارجية، وفق البيانات التي استند إليها.
تعافٍ جزئي في حوض العاصي
في مقابل المؤشرات السلبية المسجلة في مناطق سورية عدة، رصدت أبحاث علمية تعافياً جزئياً في مناسيب المياه الجوفية بأجزاء من حوض العاصي شمال غربي البلاد.
واستعرضت الدراسة نتائج بحث أعده سعيد مهنا وزملاؤه في جامعة نوشاتيل السويسرية، بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية وتقنيتي "InSAR" و"GRACE" لمراقبة التغيرات في سطح الأرض وكميات المياه المخزنة تحتها.
وأظهرت النتائج ارتفاعاً طفيفاً في سطح التربة ببعض المناطق، نتيجة لتمدد الخزانات الجوفية وامتلاء جزء من الفراغات تحت الأرض، إلى جانب عودة بعض الينابيع التي كانت جافة منذ تسعينيات القرن الماضي.
وأوضح معد الدراسة أن هذا التعافي لم ينتج عن خطط بيئية مستدامة، بل جاء أثراً غير مباشر لظروف الصراع، بعدما توقفت مئات المشاريع الزراعية التي كانت تستهلك كميات كبيرة من المياه، وتضررت مضخات الديزل وشبكات الري، وتراجعت الأنشطة الزراعية نتيجة للنزوح وترك مساحات من الأراضي من دون استثمار.
وسمح انخفاض السحب للخزانات الجوفية باستعادة جزء من مخزونها، إلا أن الدراسة حذرت من أن هذا التحسن يبقى مؤقتاً وهشاً.
وأكد معد الدراسة، قره مصطفى، أن العودة المتسرعة إلى الأنشطة الزراعية بالأساليب السابقة، ولا سيما الضخ العشوائي والري بالغمر، يمكن أن تبدد هذا التعافي خلال مواسم قليلة.
[توضع هنا خريطة الأقمار الصناعية أو الصورة التوضيحية لتعافي المياه الجوفية في حوض العاصي]
أربعة مسارات لمواجهة الأزمة
اقترح قره مصطفى في ختام دراسته خارطة طريق تقوم على أربعة مسارات تنظيمية وتقنية وسياسية، بهدف الحد من استنزاف المياه الجوفية وضمان استدامة الموارد المتاحة.
ويبدأ المسار الأول بحصر الآبار غير المرخصة وتنظيمها، وتركيب عدادات ذكية لقياس الكميات المسحوبة، ثم تحديد سقوف سنوية تتناسب مع قدرة كل حوض جوفي على التجدد.
أما المسار الثاني، فيقوم على الحد من الري بالغمر والتوسع في استخدام الري بالتنقيط، بالتوازي مع اعتماد محاصيل وممارسات زراعية أكثر قدرة على التكيف مع الجفاف ونقص المياه.
ويتعلق المسار الثالث بتفعيل الدبلوماسية المائية والاتفاقيات مع دول الجوار، ولا سيما تركيا ولبنان، بهدف ضمان تدفقات عادلة ومستقرة للمياه العابرة للحدود.

ويشمل المسار الرابع الاستثمار في محطات معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها ضمن أنشطة زراعية محددة، بما يخفف الضغط على المياه العذبة والخزانات الجوفية.
وخلصت الدراسة إلى أن حماية المياه الجوفية تتطلب الانتقال من معالجة النقص بصورة مؤقتة إلى إدارة طويلة الأمد توازن بين الاحتياجات الحالية وقدرة الموارد على التجدد.
وبحسب قره مصطفى، تمثل المياه الجوفية مخزوناً استراتيجياً للأجيال المقبلة، في حين يرتبط استمرار استنزافها باتساع الأزمات الزراعية والاقتصادية وتحول بعض المناطق إلى بيئات طاردة للسكان.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206774