عوامل تضغط على سوق المشتقات على رغم استقرار سوق النفط الخام
31/07/2026



اندبندنت عربية on X:

سيرياستيبس

لا يتوقف تذبذب أسعار النفط في السوق العالمية مع كل خبر عن تطور في الحرب الأميركية على إيران، وتحتل أخبار النفط عناوين الأخبار كل يوم تقريباً. ومع ذلك، فإن معادلة العرض والطلب في سوق النفط مستقرة إلى حد كبير على رغم كل المشكلات، ولم تشهد صدمات قوية نتيجة توافر فائض إنتاج لدى دول تحالف "أوبك+" ودول خارج التحالف، يكفي لسد أي نقص محتمل في المعروض الذي يلبي حاجة الطلب العالمي.

إنما تتحرك سوق العقود الآجلة للنفط الخام على أساس التوقعات، وما يسمى في الأسواق "العامل النفسي"، الذي يدفع باتجاه المضاربات، إذ تسهم تلك المضاربات في اضطراب السوق، لكنها لا تعكس وضع الأساسات من عرض وطلب.

يبقى السؤال الأهم الذي يدور في أذهان مئات ملايين المستهلكين حول العالم هو حين تنخفض أسعار النفط بنحو 30 دولاراً للبرميل، كما حدث قبل أسابيع، لماذا لا تنخفض أسعار الوقود في محطات البنزين؟ على رغم أن جزءاً كبيراً من سعر الوقود عبارة عن ضرائب ورسوم حكومية لا تتغير بتغير أسعار النفط الخام، إلا أن السبب وراء استمرار أسعار الوقود مرتفعة أن سوق المشتقات البترولية هي الأكثر تضرراً في الأشهر الأخيرة لأسباب عدة.
تضرر سوق المشتقات

بدأت شركات بيانات واستشارات الطاقة، من "غلوبال إنرجي" إلى "أرغوس"، إصدار تقارير وتحليلات حول أزمة سوق المشتقات البترولية وصناعة التكرير المتفاقمة منذ أشهر، وعدت معظمها أن قطاع التكرير هو الأزمة الحقيقية في مجال الطاقة العالمي، وليس إمدادات النفط على رغم التوترات الجيوسياسية التي تضر بالشحن البحري عبر مضيق هرمز.

ومع أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط الخام في العالم بنحو 13 مليون برميل يومياً، إلا أن قطاع التكرير فيها يعاني منذ عقود عدم دخول مصاف جديدة إلى السوق، على رغم قدم عمر المصافي الموجودة، التي بالكاد تكفي الاستهلاك المحلي، بل وتضطر واشنطن لاستيراد مشتقات مكررة من الخارج.

تُعد روسيا تقليدياً من أكبر دول العالم إنتاجاً للمشتقات البترولية، تليها دول الخليج العربية، ثم الصين، وأخيراً الهند وغيرها.

وتبقى روسيا والخليج والصين هي الأسس الأهم لسوق المشتقات العالمية من وقود الديزل والبنزين ووقود الطائرات وزيت التدفئة وغيرها.

وخلص تقرير لشركة "كبلر" إلى أن هناك ثلاثة عوامل أساس وراء أزمة قطاع المشتقات البترولية وصناعة التكرير العالمية.

العامل الأحدث هو تضرر قطاع التكرير وتصدير المشتقات في روسيا نتيجة الهجمات الأوكرانية المتكررة على مصافي النفط وموانئ التحميل الروسية. وطبعاً هناك عامل تضرر الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى نقص صادرات المشتقات البترولية من الدول المطلة على الخليج، التي تمثل صناعة التكرير فيها مكوناً في غاية الأهمية لسوق المشتقات العالمية.

أما العامل الثالث فهو السياسات الحكومية، مثل حظر روسيا تصدير المشتقات لضمان تلبية الطلب المحلي، وكذلك تشديد الصين القيود التصديرية على المنتجات المكررة.

يُضاف إلى تلك العوامل الثلاثة ما ذكرته شركة "أموندي" عن الهبوط الهائل في مستويات المخزونات من المشتقات، خصوصاً البنزين والديزل ووقود الطائرات، إلى أدنى معدل لها منذ أعوام.

كذلك لم تعد هناك سعة طاقة إنتاج إضافية في قطاعات التكرير المختلفة لتلبية أي نقص في المعروض من المشتقات في السوق العالمية، على رغم ارتفاع الأسعار باستمرار، بالتالي زيادة هامش الربح للمصافي.
المصافي تعمل بطاقتها القصوى

تحاول المصافي في بعض الدول الأخرى، غير المصادر التقليدية الثلاثة الأكبر للعرض في سوق المشتقات العالمية (روسيا، الخليج، الصين)، تعويض السوق لتلبية الطلب المتزايد والاستفادة من ارتفاع الأسعار وهامش الربح الكبير.

إلا أن تلك المصافي، ومعظمها في دول آسيوية تتقدمها الهند، وعلى رغم توافر النفط الخام، تواجه أيضاً سياسات حكومية تحد من قدرتها على التصدير والاستفادة من هامش الربح المرتفع نتيجة زيادة أسعار المشتقات، أو أنها تعمل بأقصى طاقتها من دون وجود سعة إضافية لزيادة الإنتاج والتصدير.

نتيجة تلك الضغوط ارتفعت أسعار المشتقات بصورة غير مسبوقة في السوق العالمية، بحسب تقرير لموقع "أويل برايس دوت كوم".

فمع إعلان روسيا حظر تصدير البنزين والديزل ارتفعت أسعار الديزل في أوروبا فوق 60 دولاراً للبرميل. وعلى رغم أن أوروبا حظرت الاستيراد من روسيا، فإنها تستورد مشتقات من نفوط روسية عبر مصاف في تركيا والهند وجورجيا.

كذلك ارتفعت أسعار البنزين لتصل إلى 41 دولاراً إضافية لسعر البرميل فوق سعر خام "برنت"، وهو مستوى لم تصل إليه منذ صيف عام 2022 بعد بداية حرب أوكرانيا. أما في الولايات المتحدة فوصلت أسعار عقود المشتقات في بورصة نايمكس إلى نحو 64 دولاراً في منتصف يوليو (تموز) الجاري، وارتفعت أسعار عقود الديزل المستقبلية بنسبة 26 في المئة.

كل ذلك نتيجة عدم قدرة المصافي على زيادة إنتاجها أكثر من سعة التشغيل الحالية، وانخفاض مخزونات المشتقات بمعدلات عالية.

ومن شأن خضوع بعض المصافي لعمليات الصيانة الدورية أن يؤدي أيضاً إلى مزيد من الضغط على سوق المشتقات وارتفاع أسعارها أكثر، بغض النظر عن وضع سوق النفط الخام. وفي ورقة تحليلية الأسبوع الماضي، كتب كبير محللي شؤون النفط في شركة "اسبرطة كوموديتيز" جون غوه أن "المصافي في آسيا (باستثناء الصين) تعمل حالياً بأقصى طاقتها بنسبة تشغيل عند أكثر من 80 في المئة". كما أن المصافي في الولايات المتحدة تعمل بطاقة تشغيل عند نسبة 95 في المئة.
السياسات والقيود الحكومية

على رغم أن الصين لا تواجه مشكلة سعة الإنتاج الإضافية في قطاع التكرير، فإن قرارات الحكومة بوضع سقف للتصدير تعني حرمان السوق العالمية من المنتجات الصينية لسد حاجة الطلب العالمي المتزايدة. ونتيجة سقف التصدير، لا تتمكن المصافي الصينية من الاستفادة من ارتفاع أسعار المشتقات عالمياً والفوز بهامش الربح المرتفع باطراد.

أما بالنسبة إلى روسيا، التي تحولت من أكبر مصدر للمشتقات إلى مستورد للديزل وغيره من الهند وغيرها، فإن الاستهداف المتكرر للمصافي ومرافئ التصدير بهجمات أوكرانية أدى إلى انخفاض معدلات تحميل شحنات المشتقات البترولية بنسبة 21 في المئة خلال يوليو الجاري.

ونتيجة تضرر قطاع التكرير الروسي، بدأت المصافي في التخلص مما لديها من النفط الخام ونقله إلى مواقع أخرى، فأصبحت مرافئ تصدير المشتقات تحمل النفط الخام بدلاً من المنتجات المكررة.

يتوقع غالب المحللين والمعلقين والمتعاملين في قطاع الطاقة أن يستمر الاختناق في قطاع المشتقات البترولية لفترة، بغض النظر عما يمكن أن يحدث في سوق النفط الخام العالمية. وهنا تأتي أهمية قطاع التكرير في دول الخليج العربية، التي لديها سعة إنتاج إضافية يمكن أن تسد قدراً كبيراً من الطلب العالمي في حال هدوء التوترات الجيوسياسية في المنطقة. ويمكن لذلك أن يخفف الضغط الذي تعانيه أوروبا، وبخاصة في الديزل ووقود الطائرات.

مع كفاية الإنتاج للأسواق المحلية وزيادته، فإن دول المنطقة، على عكس روسيا والصين، ليست لديها سياسات ولا قيود حكومية على التصدير، إنما يبقى الأمر متوقفاً على تطورات الحرب في الخليج، مع أخطار استهداف منشآت البنية التحتية لقطاع الطاقة.

خلاصة كل التقارير والتحليلات أن أزمة قطاع الطاقة العالمي ربما ليست في سوق النفط الخام، إنما في قطاع التكرير وسوق المشتقات (Downstream)، الذي يواجه ضغوطاً متصاعدة منذ أشهر تدفع نحو ارتفاع الأسعار نتيجة نقص المعروض.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=206724

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc