بين التعب والجشع
من يلتهم القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية في سوريا





سيرياستيبس 

لم يجنِ معتصم العيسى من موسم القمح هذا العام سوى الخسارة. فالمزارع الذي ينتظر كل عام حصاد أرضه لتسديد ديونه وتأمين نفقات الموسم التالي، وجد نفسه يشاهد مياه فيضان نهر الفرات تغمر حقوله قبل أيام من الحصاد، لتضيع أشهر من العمل في لحظات. أما مصعب البكدالي، فلم يكن أوفر حظاً، إذ لم يتمكن من حصاد سوى أربعة دونمات قبل أن تصل المياه إلى أرضه، بينما بقيت المساحات المتبقية غارقة، في مشهد يلخص واقع آلاف المزارعين في شرقي سوريا.

ورغم أن المزارعين يبيعون ما تبقى من محاصيلهم بأسعار متواضعة، فإن المستهلك لا يلمس أي انخفاض في الأسواق، بل يواجه ارتفاعاً متواصلاً في أسعار المواد الغذائية. وبين الحقل ورفوف المتاجر، تتضاعف الأسعار عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والكلفة، لتنشأ معادلة يبدو فيها الجميع خاسراً؛ المزارع الذي يخسر موسمه، والمستهلك الذي يدفع ثمناً مرتفعاً، في حين تتوزع القيمة المضافة بين حلقات التسويق المختلفة.

خسائر المزارعين تتجاوز المحصول
يقول معتصم العيسى، وهو مزارع من منطقة الريف الغربي لدير الزور، إن الفيضان بدأ بتسرب المياه تدريجياً إلى الأراضي الزراعية قبل أن يغمر مساحات واسعة مزروعة بالقمح ومحاصيل أخرى، ما أدى إلى خسارة الموسم بالكامل في عدد كبير من المواقع. ويضيف أن الأضرار لم تقتصر على الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى الأحياء السكنية والمنشآت القريبة من مجرى النهر، واضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها بعد وصول المياه إليها.

ويشير العيسى لـ موقع " تلفزيون سوريا" إلى أن معظم المزارعين كانوا قد أنفقوا مبالغ كبيرة على البذار والأسمدة والري والمحروقات قبل وقوع الفيضان، لذلك فإن خسارتهم لم تكن في المحصول وحده، بل في كامل رأس المال الذي استثمروه. ويقول: "لا نطالب بتعويض تعبنا، لكن على الأقل نحتاج إلى استرداد كلفة الإنتاج حتى نستطيع العودة إلى الزراعة في الموسم المقبل".


ولا تختلف رواية المزارع مصعب البكدالي من منطقة خشام بريف دير الزور كثيراً، إذ يؤكد أن المشكلة تتجاوز الموسم الحالي، لأن استمرار غمر أجزاء من الأراضي يهدد جاهزيتها للزراعة مستقبلاً. ويضيف أن كثيراً من المزارعين باتوا عاجزين عن تأمين مستلزمات الموسم الجديد، الأمر الذي يجعل التعويضات ضرورة للحفاظ على استمرار النشاط الزراعي، وليس مجرد دعم مالي مؤقت.

القطاع الزراعي السوري.. أرقام تكشف حجم الكارثة 
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع الزراعي. فبحسب لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور، بلغت المساحات التي تعرضت للغمر نحو 22 ألفاً و670 دونماً، معظمها مزروع بمحصولي القمح والشعير، في حين تواصل لجان مختصة حصر الأضرار تمهيداً لرفعها إلى صندوق دعم الأضرار والكوارث. أما بالنسبة لأضرار في الثروة الحيوانية بقيت محدودة بفضل إجراءات الإنذار المبكر، غير أن ضيق الوقت، إذ لم تتلق الجهات المحلية سوى إنذار قبل نحو 48 ساعة من وصول المياه، حدّ من القدرة على حماية الأراضي الزراعية.


وتتطابق هذه التقديرات مع نتائج تقييم سريع أجرته منظمة أوكسفام، أظهر أن 85% من المزارعين فقدوا مصدر دخلهم الزراعي كلياً أو جزئياً، في حين خرجت 85% من شبكات الري الفردية والجماعية عن الخدمة. كما اضطر 43% من الأسر الزراعية إلى بيع جزء من مواشيها أو أصولها الإنتاجية لتأمين احتياجاتها الأساسية، بينما يعتزم ربع المتضررين تقريباً اللجوء إلى الاقتراض لمواصلة الزراعة، في حين أكد أكثر من 63% منهم استعدادهم للعودة إلى زراعة أراضيهم إذا توفرت مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب.

من الحقل إلى السوق: انتقال الأزمة
ولا يقتصر تأثير الكوارث الطبيعية على خسائر المزارعين، بل يمتد سريعاً إلى الأسواق، إذ ينعكس أي تراجع في الإنتاج المحلي على توافر السلع وأسعارها، خصوصاً في ظل اعتماد السوق على الإنتاج الموسمي، وغياب مخزونات كافية تستطيع امتصاص الصدمات.

ويقول مدير التسويق في إحدى شركات المواد الغذائية، عدنان نصري، إن السوق السورية تتأثر مباشرة بأي نقص في المواد الزراعية، سواء كان ناجماً عن الفيضانات أو الحرائق أو موجات الجفاف أو حتى انقطاع سلاسل التوريد بين المحافظات. ويوضح لـ موقع "تلفزيون سوريا" أن انخفاض الكميات المعروضة يخلق حالة من عدم التوازن بين العرض والطلب، فتبدأ الأسعار بالارتفاع تدريجياً حتى قبل وصول النقص إلى المستهلك بشكل مباشر.

ويضيف نصري أن الشركات الغذائية تعتمد في جزء كبير من إنتاجها على المواد الخام المحلية، ولذلك فإن أي تراجع في المحاصيل يرفع كلفة الشراء منذ المصدر، وهو ما ينعكس لاحقاً على كلفة التصنيع والتعبئة والنقل. ويشير إلى أن بعض الصناعات تستطيع اللجوء إلى الاستيراد لتعويض النقص، إلا أن ذلك يفرض كلفة إضافية مرتبطة بالشحن وسعر الصرف والرسوم، ما يجعل المنتج النهائي أكثر كلفة.

ويرى أن المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض الإنتاج، وإنما أيضاً في غياب استقرار الإمدادات، موضحاً أن الأسواق تحتاج إلى تدفق منتظم للمواد الأولية، لأن أي انقطاع أو تأخير في وصولها يربك خطط الإنتاج والتوزيع، ويؤدي في النهاية إلى تقلبات سعرية يشعر بها المستهلك.

زيت الزيتون تحت ضغط الإنتاج
وفي قطاع زيت الزيتون، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. ويقول خالد حمو، مدير شركة متخصصة في إنتاج زيت الزيتون، إن الموسم الحالي واجه سلسلة من التحديات الاستثنائية، موضحاً أن الأشجار تعرضت هذا العام لأمراض أثرت بشكل مباشر في حجم الإنتاج، إلى جانب الظروف المناخية التي انعكست على جودة الثمار وكمياتها.

ويضيف لـ موقع "تلفزيون سوريا" أن قطاع الزيتون لم يعد يتأثر بعامل واحد، بل بمجموعة متراكمة من المخاطر تشمل الأمراض الزراعية والجفاف وارتفاع تكاليف الري والخدمات الزراعية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج مقارنة بالمواسم السابقة. ويشير إلى أن أي تراجع في إنتاج الزيتون ينعكس بصورة مباشرة على أسعار زيت الزيتون، ليس فقط بسبب نقص الكميات، وإنما أيضاً نتيجة ارتفاع كلفة الحصول على المادة الخام.

ويؤكد حمو أن استمرار هذه الظروف قد يدفع عدداً من المنتجين إلى تقليص استثماراتهم في القطاع إذا لم تتوافر برامج دعم حقيقية للمزارعين، تشمل مكافحة الأمراض الزراعية وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، لأن استقرار الأسواق يبدأ من استقرار الإنتاج في الحقول، وليس عند منافذ البيع فقط.

السوق بين العرض والوساطة
وكلما انخفض الإنتاج المحلي نتيجة الحرائق أو الفيضانات أو الجفاف، تراجعت الكميات المعروضة، وارتفعت أسعار السلع الغذائية، في وقت تتحمل فيه سلسلة التوزيع جزءاً كبيراً من الزيادة، سواء بسبب النقل أو التخزين أو تعدد الوسطاء أو تقلبات سعر الصرف.

وفي هذا السياق، يقول أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة إن الارتفاع المستمر في الأسعار يعود إلى تذبذب سعر الصرف وغياب الضوابط الحقيقية على الأسواق، إضافة إلى تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، حيث تمر السلعة من الفلاح إلى التاجر، ثم إلى تاجر الجملة، فبائع المفرق، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار، بينما تبقى أرباح المنتجين، ولا سيما الفلاحين، محدودة جداً.

ويضيف حبزة لـ موقع "تلفزيون سوريا" أن الاقتصاد السوري غير مهيأ حالياً للتطبيق الكامل لسياسة السوق الحرة، مشيراً إلى انتشار ما يسميه التجار "سعر الاحتياط"، حيث يعتمد بعض المستوردين والتجار سعر صرف أعلى من السعر الحقيقي تحسباً لأي تقلبات مستقبلية. ويوضح أن هذه الآلية تؤدي إلى تحميل المستهلك كلفة غير حقيقية، إذ قد تُسعَّر السلع على أساس سعر صرف أعلى بكثير من السعر السائد، ما يخلق هامش ربح إضافياً لا يرتبط بالكلفة الفعلية.

ويرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بسعر الصرف، بل أيضاً بغياب الضوابط المنظمة للأسواق، إذ يقتصر دور الرقابة في كثير من الأحيان على التأكد من وجود بطاقة سعر على السلعة، دون التدقيق في كيفية احتساب هذا السعر أو مدى توافقه مع الكلفة الحقيقية. ويؤكد أن المواد الغذائية الأساسية تحتاج إلى سياسة مختلفة عن السلع الكمالية، تقوم على اعتماد أسعار استرشادية أو وسطية تحد من الغلاء وتحافظ في الوقت ذاته على المنافسة.

ويحذر حبزة من أن استمرار هذه المعادلة يجعل المستهلك الحلقة الأضعف في السوق، داعياً إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، والإسراع في تنفيذ برامج التدخل الإيجابي، مثل إنشاء مراكز بيع تعتمد هوامش ربح منخفضة، وإطلاق تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين متابعة الأسعار الرسمية والوسطية بشكل يومي، بما يعزز الشفافية ويحد من المبالغة في التسعير.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد العكار أن محدودية هامش الربح الذي يحققه المزارعون أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، لأنها تضعف قدرتهم على تحمل المخاطر المتزايدة الناتجة عن الحرائق والجفاف والفيضانات والآفات الزراعية. ويشير إلى أن استمرار خسارة المنتجين قد يدفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة، أو العزوف عن زراعة القمح مستقبلاً، رغم أنه يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في سورية.

ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى البنية التحتية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، ولا سيما صوامع الحبوب ومراكز التخزين، الأمر الذي يضعف قدرة الدولة على استيعاب المحاصيل وتكوين مخزون استراتيجي مستقر. كما أن تراجع الموارد المائية وارتفاع كلفة الإنتاج يزيدان من هشاشة القطاع، ويجعلان أي كارثة طبيعية سبباً مباشراً لاضطراب الأسواق.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة النظر في سلسلة الإنتاج والتسويق كاملة، من خلال تقليص عدد الوسطاء، وتطوير البنية التحتية للتخزين والنقل، وتوفير أدوات حماية للمزارعين ضد الكوارث الطبيعية، إلى جانب سياسات تسعير أكثر توازناً تضمن حصول المنتج على عائد عادل، وتحمي المستهلك من الارتفاعات غير المبررة.

وبين مزارع يخسر موسمه، ومستهلك يدفع أسعاراً متزايدة، تبدو القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية وكأنها تتبخر في الطريق بين الحقل والسوق. وفي ظل استمرار الكوارث الطبيعية وارتفاع كلفة الإنتاج وغياب التنظيم الفعال للأسواق، يبقى إصلاح سلسلة الإنتاج والتوزيع أحد أبرز التحديات أمام تحقيق الأمن الغذائي واستقرار الأسعار في سوريا.




المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=132&id=206363

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc