كيف يحدد الطب الشرعي وقت الوفاة؟
04/07/2026
سيرياستيبس
يُعدّ تحديد وقت الوفاة فناً وعلماً في آنٍ واحد، ويتطلب من الطبيب الشرعي استخدام تقنيات وملاحظات متعددة للوصول إلى تقديره. وكقاعدة عامة، كلما جرى فحص الجثة في وقت أقرب بعد الوفاة، كان هذا التقدير أكثر دقة.
عندما عُثر على جثة ويتني هيوستن في فندق بيفرلي هيلتون بعد ظهر الـ11 من فبراير (شباط) 2012، كانت لا تزال قد توفيت حديثاً. لذا كان من المفروض أن يكون من السهل على الطبيب الشرعي تحديد وقت وفاتها، لو لم تكن قد غمرت في حوض الاستحمام، مما زاد الأمور تعقيداً. بالنسبة للمحققين الذين يعثرون على جثة حديثة، من أهم مهامهم عند وصولهم إلى مسرح الجريمة تضييق نطاق وقت الوفاة قدر الإمكان، وبهذه الطريقة يمكن للمحققين البدء بالتحقيق الجاد في الجريمة نفسها.
لذا، يُعدّ تحديد وقت الوفاة فناً وعلماً في آنٍ واحد، ويتطلب من الطبيب الشرعي استخدام تقنيات وملاحظات متعددة للوصول إلى تقديره. وكقاعدة عامة، كلما جرى فحص الجثة في وقت أقرب بعد الوفاة، كان هذا التقدير أكثر دقة.
3 أوقات مختلفة
هناك أوقات متعددة للوفاة، ويبدو مصطلح "وقت الوفاة" بسيطاً ومباشراً، ويعني بوضوح اللحظة التي لفظ فيها الضحية أنفاسه الأخيرة. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ففي الواقع هناك ثلاثة أوقات مختلفة للوفاة، وهو الوقت الفيزيولوجي للوفاة، أي عندما تتوقف الوظائف الحيوية للضحية فعلياً، والوقت القانوني للوفاة، أي الوقت المسجل في شهادة الوفاة، والوقت المقدر للوفاة، وهو الوقت الذي يقدره الطبيب الشرعي لحدوث الوفاة.
ومن المهم ملاحظة أن الوقت المقدر للوفاة يمكن أن يختلف اختلافاً كبيراً عن الوقت القانوني للوفاة والوقت الفيزيولوجي للوفاة. فمثلاً، إذا قتل ضحية في يوليو (تموز)، ولكن لم تُكتشف الجثة إلا في أكتوبر (تشرين الأول)، فإن الوفاة الجسدية حدثت في يوليو، ولكن الوفاة القانونية سُجلت في أكتوبر، لأن هذا هو تاريخ اكتشاف الجثة وتوثيق الوفاة قانونياً. وربما يقدّر الطبيب الشرعي أن وقت الوفاة قد يكون في يوليو أو يونيو (حزيران) أو أغسطس (آب). فهذا مجرد تقدير، وقد تتضافر عوامل عدة لتؤثر على هذا التحديد.
لذا فإنّ التحديد الدقيق لوقت الوفاة هو الحالة النادرة التي يتوفى فيها شخص بحضور طبيب أو أخصائي طبي مؤهل. ولكن غالب الوفيات لا يشهدها أحد، إذ قد تحدث الوفاة الطبيعية أثناء النوم، وتحدث الوفيات العرضية والانتحارية عندما يكون الضحية وحيدا. وفي جرائم القتل يكون الجاني عادة الشاهد الوحيد ونادراً ما ينظر إلى ساعته، وحتى لو فعل، فمن غير المرجح أن يتحدث عن ذلك. وهذا يعني أنه عندما يتعين على الطبيب الشرعي تحديد وقت الوفاة، لا يمكنه إلا تقدير الوقت التقريبي.
قصة الجسد
يحكي الجسد دائماً قصة، بخاصة عند توقف القلب عن النبض، فهناك عملية يمكن التنبؤ بها عموماً، وتتضمن توقف وظائف الجسم وانخفاض درجة حرارته وتحلله، ويمكن الاستدلال بها على وقت الوفاة التقريبي، سواء أكان ذلك قبل ساعات أو أيام أو أعوام. وفي بعض الحالات قد يتطلب الأمر فحصاً أولياً للجثة في موقع الحادثة، وفي حالات أخرى، يجب نقلها إلى المختبر لإجراء تحليل جنائي أكثر تفصيلاً.
ووفقاً للورانس كوبيلينسكي، عالم الطب الشرعي والأستاذ في كلية جون جاي للعدالة الجنائية، يمكن تحديد وقت الوفاة على جثة حديثة بصورة أفضل من خلال قياس درجة حرارة الجسم الأساسية. ولكي تعمل هذه المعادلة بأفضل صورة، تُقاس درجة حرارة الجسم المكتشف حديثاً عن طريق المستقيم. فخلال الساعات الأولى بعد توقف القلب عن النبض، تنخفض درجة حرارة الجسم الداخلية تدريجياً نحو درجة حرارة الجو المحيط (أي درجة حرارة الغرفة، إذا كان الشخص في مكان مغلق)، وتفترض المعادلة أن الجسم يفقد 1.5 درجة فهرنهايت في الساعة، لذا تُطرح درجة حرارة المستقيم من درجة حرارة الجسم الطبيعية البالغة 98 درجة، ويُقسم الفرق بين القيمتين على 1.5، ويُستخدم الناتج لتقدير الوقت منذ لحظة الوفاة.
برودة الجثة
لكن هذه المعادلة البسيطة لا تنجح إلا بافتراض ثبات عوامل عدة، كأن تكون درجة الحرارة المحيطة لم تتغير منذ الوفاة، أو أن يكون الضحية قد عُثر عليه مرتدياً ملابسه وفي الهواء الطلق، وليس في حوض استحمام ممتلئ بالماء مثلاً. لكن بحسب ناثان لينتس، عالم الأحياء الشرعي وزميل كوبيلينسكي في جامعة جون جاي، فإن الأمور نادراً ما تكون بهذه البساطة. وعن هذا يقول "مع وجود جثة في الميدان، نادراً ما يحالفك الحظ، لدرجة أن تبقى الحرارة متساوية طوال اليوم والليل".
ففي بيئة مُتحكَّم في مناخها، يستغرق الجسم ست أو سبع ساعات للوصول إلى درجة حرارة المحيط، وتُسهم الأدلة البيولوجية الإضافية، إضافة إلى قياس درجة حرارة الجسم الداخلية، في تكوين صورة أوضح. وكمثال، فقد شكّل استخدام برودة الجثة دليلاً حاسماً في تحديد وقت الوفاة في قضية نافا بيكر، الطفلة البالغة من العمر ثلاث سنوات، التي توفيت نتيجة سوء المعاملة. إذ عند وصول المسعفين إلى مكان الوفاة، وجدوا جلد نافا بارداً عند اللمس، مما يشير إلى أنها كانت متوفاة منذ ساعات عدة، وادعى صديق الأم أنه كان يُجري الإنعاش القلبي الرئوي للطفلة قبل وصول المسعفين مباشرة، إلا أن انخفاض درجة حرارة جسم الفتاة ساعد في إثبات كذب أقواله، وفي نهاية المطاف، أُلقي القبض على كل من صديقها ووالدتها بتهمة القتل.
طرق أخرى
بعد نحو ثلاث إلى ست ساعات من الوفاة، يبدأ التيبس الرمي بالتأثير على الجثة، فتتصلب العضلات في مكانها، بدءاً بالعضلات الصغيرة في الرأس والجفون والفك، ثم تنتقل إلى أطراف الأصابع والرقبة، ثم العضلات الأكبر. ويستمر التيبس الرمي من 18 إلى 36 ساعة قبل أن يزول. ويحدث التيبس نتيجة لتغيرات كيميائية في أنسجة العضلات، ويمكن أن تساعد المحققين على تقدير الفترة الزمنية التي انقضت منذ الوفاة.
كذلك يمكن أن يوفر التزرق الرمي أو تجمع الدم في الأجزاء السفلية من الجسم بعد الوفاة، معلومات مفيدة. إذ يشير مظهر التزرق الرمي وثباته إلى ما إذا كانت الجثة قد نُقلت بعد الوفاة، مما يساعد خبراء الطب الشرعي على إعادة بناء الأحداث المحيطة بالوفاة. ومن ضمن التفاصيل أيضاً، يُعدّ السائل الزجاجي الموجود داخل مقلة العين مصدراً قيماً آخر لتحديد وقت الوفاة، إذ يُمكن من تحليل مستويات البوتاسيوم فيه أن يُقدّم تسلسلاً زمنياً للتغيرات التي تطرأ على الجسم بعد الوفاة.
وتوجد طرق أخرى تساعد المحقق على تحديد وقت الوفاة، فإذا كان شخص ما يعاني من عدوى وقت وفاته، على سبيل المثال، فقد تكون درجة حرارة جسمه الداخلية أعلى من المعتاد بعدة درجات بسبب الحمى. وتعني هذه الحالة أن الجسم يجب أن تنخفض درجة حرارته أكثر قبل أن تصل إلى درجة حرارة البيئة المحيطة، مما يطيل فترة برودة الجثة.
إضافة إلى ذلك، يمكن للملابس السميكة التي يرتديها الشخص عند وفاته أن تعمل كعازل للجسم، مما يطيل الوقت اللازم لانخفاض درجة حرارته الداخلية. في المقابل، إذا كان الجسم عارياً أو يرتدي ملابس خفيفة، فإن انخفاض درجة الحرارة غالباً ما يكون أسرع في الساعات التي تلي الوفاة.
كائنات حية
يقول العالم ناثان لينتس، "من 10 إلى 50 ساعة بعد الوفاة، يكون الأمر مجرد تخمين"، ولهذا السبب يُعدّ علماء الحشرات الجنائية، الذين يدرسون الحشرات المصاحبة للتحلل في غاية الأهمية. فبعد الساعات الأولى، تبدأ الجثث بالتحلل بمعدلات متفاوتة، تبعاً لعوامل مختلفة عدة، منها الحالة الصحية السابقة للضحية. ويدرس علماء الحشرات الجنائية أنواع الحشرات التي تغذت على الجثث، ومدة تغذيتها، وإذا تمكنوا من تحديد وقت استيطان الحشرات للجثث، فسيساعدهم ذلك في استنتاج وقت الوفاة.
ثم يأتي الانتفاخ، وبمجرد أن يصل الجسم إلى مرحلة الانتفاخ، تتغير الكائنات الحية التي تتغذى على الجسم مرة أخرى. وعن هذا يقول لينتس "يستغرق ذلك من أربعة إلى خمسة أيام في فترة الصيف الدافئة"، ويضيف "حينها، يصبح هامش الخطأ ضئيلاً للغاية، بل قد يصل إلى يومين". إذ ينتفخ الجسم نتيجة لنشاط البكتيريا في الأعضاء، مما يؤدي إلى تراكم الغازات. لذا يبحث لينتس في كيفية مساعدة قياس بكتيريا الجلد للمحققين في تحديد فترات زمنية محددة بعد أسابيع من الوفاة. بينما يركز باحثون آخرون على البكتيريا الموجودة في الأمعاء الدقيقة. ويقول "استخدمتُ البكتيريا لتحديد فترة زمنية تتراوح بين يومين وستة أسابيع تقريباً. وعند هذه المرحلة، تكون الجثة قد تحللت بصورة كبيرة". وحتى الآن، لم تصل دراسة البكتيريا المرتبطة بالانتفاخ إلى مرحلة متقدمة بما يكفي لاستخدامها في التحقيقات، لكن لينتس متفائل بأن هذا سيتغير قريباً.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=144&id=206333