هل يكون خبز القمح الكامل بديلاً يوازن بين الكلفة والصحة؟
22/06/2026





سيرياستيبس 

بعد التعديلات الأخيرة التي طاولت مواصفات ربطة الخبز، من حيث تخفيض عدد الأرغفة إلى ثمانية بدلاً من عشرة، مع تحديد قطر الرغيف بما لا يقل عن 31 سنتيمتراً، تجدد النقاش حول مستقبل سياسة الأمن الغذائي وآليات إدارة موارد القمح. وبينما أوضحت وزارة الاقتصاد والصناعة أن هذه الإجراءات تأتي استجابة للارتفاع الملحوظ في تكاليف الإنتاج، لا سيما أسعار المحروقات والطاقة المستخدمة في تشغيل المخابز، تساءل خبراء حول إمكانية البحث عن بدائل تعزز كفاءة استخدام القمح بدلاً من الاقتصار على ضبط الكميات.

وفي هذا السياق، يبرز الخبز الكامل كأحد الخيارات التي تستقطب اهتمام خبراء الاقتصاد والتغذية، نظراً لما يوفره من قيمة غذائية أعلى وإمكانية الاستفادة من كامل حبة القمح، ما يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول قدرة هذا النموذج على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الغذائي وتحسين جودة الغذاء وكفاءة استخدام الموارد.

ورغيف الحبة الكاملة هو خبز يُحضّر من دقيق القمح الكامل الذي تُطحن فيه الحبة بكامل مكوناتها (النخالة، السويداء، والجنين). ويتميّز بقيمته الغذائية المرتفعة، ما يجعله خياراً صحياً مفضلاً، إذ يسهم في تحسين عملية الهضم، والوقاية من الإمساك، وتقليل الشهية وكميات الطعام المتناولة، إلى جانب المساعدة في تنظيم مستويات سكر الدم، ودعم صحة القلب والأوعية الدموية.

وفي تجارب مشابهة، بادرت تونس مؤخراً إلى تطبيق نموذج عملي في هذا المجال، من خلال رفع نسبة استخراج الدقيق المستخدم في إنتاج الخبز المدعوم من 78 بالمئة إلى 85 بالمئة، مع الإبقاء على سعر الرغيف دون تغيير.

وجاء القرار بعد سلسلة من التجارب الميدانية شملت نحو 50 مخبزاً في العاصمة، إلى جانب بدء الإنتاج الفعلي لهذا النوع من الخبز في محافظة قفصة، حيث تم اعتماده تدريجياً بديلاً للخبز الأبيض المدعوم.

واستهدفت هذه الخطوة الحد من هدر الحبوب وتعزيز المخزون الاستراتيجي للبلاد، فضلاً عن رفع القيمة الغذائية للخبز من خلال زيادة محتواه من الألياف.

ورغم ذلك، أثار تغير لون الرغيف ومذاقه المعتاد لدى المستهلكين جدلاً في الشارع التونسي، ما دفع الجهات الحكومية وخبراء التغذية إلى إطلاق حملات توعوية متواصلة للتعريف بفوائده الصحية وأهميته الاقتصادية.

ورأى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن التحول نحو الخبز الكامل خيار غذائي يندرج ضمن سياسة اقتصادية شاملة يمكن أن تعيد تشكيل جزء من منظومة الدعم والإنتاج والاستهلاك.

وأوضح الدبس لصحيفة “الثورة السورية” أن الاعتماد على الخبز الأبيض المكرر لعقود طويلة أسهم في ترسيخ أنماط غذائية غير متوازنة ترتبط بارتفاع استهلاك الكربوهيدرات سريعة الامتصاص، في حين يوفر الخبز الكامل قيمة غذائية أعلى بفضل احتوائه على الألياف والعناصر الأساسية الموجودة في حبة القمح الكاملة.

وأضاف أن التحول إلى الخبز الكامل قد يحقق كفاءة أعلى في استخدام القمح عبر الاستفادة من كامل الحبة، بدلاً من عمليات التكرير التي تؤدي إلى فقدان جزء من قيمتها الغذائية، مشيراً إلى أن هذا التوجه قد ينعكس أيضاً على تقليل الهدر في سلاسل الإنتاج، سواء في الاستخدام البشري أو في تحويل جزء من المواد الثانوية إلى أعلاف.

ومن الناحية الاقتصادية، ربط الدبس بين تحسين النمط الغذائي وانعكاساته المستقبلية على خفض كلفة الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسمنة، بما قد يخفف من الأعباء على القطاع الصحي العام، ويرفع في المقابل من إنتاجية المجتمع على المدى الطويل.

لكنه أكد أن نجاح أي تحول من هذا النوع لا يرتبط بالقرار الحكومي وحده، بل يتطلب تغييراً في سلوك المستهلك، وهو التحدي الأصعب، إذ إن العادات الغذائية ترتبط بعوامل الطعم والسعر والتقاليد أكثر من ارتباطها بالاعتبارات الصحية أو الاقتصادية.

ولمعرفة مدى إمكانية تطبيق هذا النموذج في سوريا وتبني سياسة تشجع على الخبز الكامل، تواصلت الصحيفة مع وزارة الاقتصاد والصناعة، إلا أن الوزارة اعتذرت عن عدم الرد، قائلة: “لا يوجد إجابة”.

من زاوية صحية، أشار خبير التغذية ناصر العلبي، إلى أن إدخال الخبز الكامل في النظام الغذائي يمثل خطوة وقائية مهمة، خصوصاً في ظل الانتشار المتزايد للأمراض غير السارية المرتبطة بالغذاء.

وأكد العلبي لصحيفة “الثورة السورية” أن الخبز الكامل يحتفظ بمكونات حبة القمح كاملة، بما فيها النخالة، ما يجعله غنياً بالألياف الغذائية والفيتامينات والمعادن مقارنة بالخبز الأبيض، مبيناً أن هذه التركيبة تسهم في تحسين صحة الجهاز الهضمي، وتعزيز الإحساس بالشبع، والمساعدة في ضبط مستويات السكر في الدم، وهو ما ينعكس إيجابياً على تقليل مخاطر السمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب.

ولفت إلى أن النمط الغذائي القائم على الحبوب المكررة ارتبط في دراسات غذائية متعددة بزيادة مخاطر اضطرابات التمثيل الغذائي، في حين أن الاعتماد على الحبوب الكاملة ضمن نظام غذائي متوازن يسهم في تحسين المؤشرات الصحية العامة على المدى الطويل.

وبحسب الخبير، يعزز الخبز الكامل جودة النظام الغذائي عبر تقليل الاعتماد على الأغذية عالية المعالجة، لكنه في الوقت نفسه يتطلب التزاماً صارماً بمعايير التصنيع والتخزين، لأن دقيق الحبة الكاملة أكثر حساسية للرطوبة والتلف إذا لم تتم معالجته وحفظه بشكل صحيح، ما يجعل الرقابة الصحية جزءاً أساسياً من نجاح هذا التحول.

وشدد على أن التحول نحو الخبز الكامل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التوعية الغذائية، وضبط الجودة، وضمان توفره بأسعار مناسبة لضمان قبوله مجتمعياً واستدامة استهلاكه.

الثورة السورية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206159

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc