لا يمين ولا يسار... جيل زد يصنع أيديولوجيته الخاصة
22/06/2026





سيرياستيبس 

تنامي نفوذ جيل زد لم يعد رقمياً فقط، وإنما صعوده للمناصب القيادية بات واضحاً ومؤثراً، وفي حين تبدو فكرة اعتناق الأيديولوجية أمراً محورياً بالنسبة إلى الأجيال السابقة، فإن أبناء هذا الجيل يعرفون هويتهم بصورة مختلفة تماماً، وهذا لا يعني أنهم أقل وعياً بل هم أكثر مرونة.

يوماً بعد يوم تزداد قبضة جيل زد على الوظائف الكبرى والمناصب الرفيعة، إذ بات حضورهم أقوى حتى في عالم السياسة وعلى مستوى دوائر الحكم، فهذا الجيل الذي يقترب أكبر فرد ينتمي إليه من عامه الـ 30، إذ إن التسمية تطلق على من ولدوا بين عامي 1997 و2012، وقد تشكلت هويته الفكرية بالطبع ولم يعودوا مجرد مراهقين متخبطين، يبحثون عن ذواتهم أو يبنون شخصياتهم، مثلما هو الحال مع جيل "ألفا" على مثلاً، الذي يضم مواليد عام 2013 وحتى 2023 تقريباً، لكن هل تجاوز هذا الجيل سن النضج والسيطرة على مقاليد حياته، وتحكمه في سياسات مالية واقتصادية في شركات كبرى، يعني أنهم اختار أيديولوجيته الخاصة؟

الأيديولوجية، بصورة عامة، هي نسق من الرؤى والأفكار والمعتقدات التي يتبناها الأفراد، وتكون موجهاً لمساراتهم، ويفسرون من خلالها القضايا ويحللون ما يجري، وتحرك قراراتهم مواقفهم كذلك، وكأنها مرشح أو عدسة تعبر من خلالها السلوكيات والحوادث لتتخذ إطاراً محدداً، وكثيراً ما كانت هي البوصلة وراء سلوكيات واختيارات الشباب، في مثل هذه المرحلة العمرية، خلال الأجيال الماضية، إذ كانت الجامعات مرتعاً للمناظرات الفكرية ذات الإطار السياسي بين أصحاب التيارات المختلفة، وقد كانت تشيع مصطلحات مثل القومية والاشتراكية والرأسمالية والليبرالية والشيوعية، وحتى الأيديولوجيات المحافظة كان لها مكان، إذ تعبّر تلك المصطلحات عن منظومات فكرية متكاملة في السياسة والاقتصاد، اللذين ينعكسان على كل مناحي الحياة.

 

وقد يكون ربط جيل زد بأي نوع من الأيديولوجيات الثابتة والمحددة الملامح أمراً صعباً، ولا يمكن القطع به، فيبدو هذا الجيل وكأنه يُعيد تعريف فكرة الأيديولوجية في حد ذاتها، بما يتوافق مع سماته النوعية كجيل رقمي، يتعاطى مع القضايا عبر اللمس بالشاشات أولاً ومن ثم الواقع.

بعضهم كان يتصور أن عدم وجود أيديولوجية بملامحها الكلاسيكية، ينتقص من الشخصية ويجعلها بلا ملامح، ويشير إلى أن صاحبها بلا مرجعية، ومن ثم تتبدل آراؤه وفقاً للمصلحة لا من أجل معان كبرى، لكن الأمر على ما يبدو مختلف تماماً مع جيل الشباب العشريني حالياً، إذ تتبنى خديجة شكري التي تعمل في الموارد البشرية بمؤسسة دولية، معايير مختلفة، فهي تقول إن لديها نسقاً من الأفكار بالفعل، لكنه بلا مسمى تقليدي من المسميات التي ربما قابلتها أثناء القراءة الحرة، أو الدراسة، أو حتى متابعة السينما، فهي تبحث عن فكرة العدالة بمعناها الواسع، ولهذا لا تهتم كثيراً بفكرة الأحزاب السياسية أو الجماعة ذات المرجعية ثابتة، أو التحالفات الاقتصادية ذات المسميات الواضحة.

وتضيف الفتاة التي درست القانون، أنها تهتم بالقضايا ذات الطابع العام والهم الاجتماعي والإنساني العادل، موضحة أنها قد تتبنى أفكاراً لشخص ذي هوية سياسية معينة بعض الوقت، لمجرد أنه تحدث في قضية بطريقة أعجبتها، مثل محاربة الفقر أو توفير الرعاية الصحية للأطفال العرب في المخيمات، ومشددة على أنها لم تتذكر أنها دخلت في أي نقاش ذي طابع أيديولوجي، مع أي من الزملاء، سواء في الدراسة أو العمل ، على رغم متابعتها بصورة جيدة لما يجري.

ضد القولبة والرؤى الجاهزة
يفسّر أستاذ علم الاجتماع، الدكتور وليد رشاد، والذي يعمل حالياً على ورقة بحثية تتحدث في جانب منها عن سمات جيل زد في التعامل مع القضايا، وسرّ هذا التوجه، لافتاً إلى أن التعميم ليس مستحباً هنا، لكن الصفات الغالبة في طبيعة هذا الجيل هي أنه يتجاوز فكرة الأيديولوجيات ويتعداها، مشيراً إلى أنهم أكثر مرونة وبعيدون من الجمود، مضيفاً أن "جيل زد أكثر تقبلاً وقدرة على مناقشة أية فكرة، بسبب الاطلاع الواسع لما يحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا فليس كونهم ضد القولبة الأيديولوجية بصورة عامة أنهم بلا وعي، بل على العكس، هم أكثر انفتاحاً على الثقافة العامة، ويعلمون كيف ومتى يشاركون وكيف يديرون الأزمات، لكنهم يملكون سلوكا مختلفاً في التعامل مع القضايا الكبرى، ولهذا فأي اتهام لهم بالاغتراب والانفصال عن الواقع يمثل نوعاً من الحكم الظالم".

وينفي رشاد الذي يركز على قضايا الاتصال والنظرية الاجتماعية، عزوف هذا الجيل عن الإدلاء بآرائهم بصورة عامة، لافتاً إلى أنهم يشاركون بطريقتهم الخاصة، حتى لو كان الأمر يبدأ أولاً بصورة افتراضية، لكن في حال تطلب الموقف أية تحركات إضافية، فهم يبتكرون مسارهم الواقعي أيضاً، وفقاً لاهتماماتهم، سواء كانت رياضية أو ترفيهية أو اجتماعية أو سياسية.

 

أما في الأجيال التي تربت على زخم فترة الستينيات والسبعينيات، وحتى أوائل الألفية، فكان من السهل جداً أن نجد نقاشات حادة ومناظرات في التجمعات، بين أصحاب الأيديولوجيات المتناقضة، وكانت تعتبر علامة على الثقافة والنضج الفكري وعمق الثقافة، وكل فريق كان يستميت في الدفاع عن موقفه الذي تترتب عليها خياراته السياسية والشخصية والحياتية كذلك، وقد تحدث قطيعة اجتماعية بين المعارف بسبب هذا التنافر.

لكن المفارقة أنه حالياً وحتى في قسم العلوم السياسية بإحدى الجامعات الخاصة، نجد أن الطلاب يميلون أيضاً إلى تبني أفكار منفصلة، ولا يتشبثون بأيديولوجيات مقولبة أبداً، على رغم أن طبيعة الدراسة تجعلهم أكثر اطلاعاً على هذه الرؤى، وكنا نجد في أجيال سابقة أن المنتمين إلى هذه النوعية من الكليات هم من الأكثر حدة في اعتناق الأيديولوجيات، التي تعبر عن هويتهم، وتعتبر عنواناً عريضاً لشخصياتهم، وتشكل حتى مساراتهم المهنية.

المرونة والتقبل
بالحديث مع نحو 12 طالباً يدرسون نظريات السياسة، في واحدة من أشهر الجامعات بمصر، لم يتحمس أحد منهم لفكرة الأيديولوجية، وإنما شرحوا تمسكهم بأفكار عامة تتعلق بمحاولة تحقيق المكاسب السياسية بطرق أكثر مرونة، من أجل مستقبل أفضل للمجتمعات الواقع عليها ظلم، وضربوا المثل بالوضع في فلسطين وسوريا، حيث لم يكن أحد منهم مع أي طرف سياسي على الإطلاق، وإنما التعاطف الكامل مع المدنيين، وتحدثوا عن طرق للحلول بعيداً من الاستقطاب الأيديولوجي.

وأشار الطلاب إلى أنهم تعلموا عدم التمسك بالرؤى الجاهزة التي ثبت خطأ كثير منها، لافتين إلى أن تعميم أية أيديولوجية على كل المجتمعات، من دون مراعاة الفوارق الجوهرية بين الأنظمة وديموغرافية السكان، سيضمن الفشل السياسي أو الاقتصادي غالباً، واللافت أن عدم الانضمام إلى التوجه الأيديولوجي هنا، ليس له علاقة بالتوجس من فكرة ممارسة السياسة، وفقاً لآراء الطلاب، وإنما اقتناع تام بضرورة تغيير وسائل التعامل، وفقاً لمعطيات الساحة.


ومع ذلك لا يزال بعضهم يتمسّك بالأيديولوجية بمعناها القديم في المرحلة العمرية نفسها، وإن كان عددهم أقل بكثير، فقد تحدث طالبان من بين مجموعة طلابية تدرس الإعلام في إحدى الجامعات الحكومية، عن أيديولوجية سياسية ذات طابع ديني واضح، بينما تأتي نقاشاتهم مع زملائهم على استحياء، ولا يفضلون الإفصاح عنها، وإنما يكتفون بالتلميح ومحاولة إقناع الطرف الآخر بالرؤى، من دون أن يحسبوا أنفسهم في صورة حاسمة على تلك التيارات.

ولهذا ترى أستاذ العلوم السياسية المساعد في "المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية"، الدكتورة حنان أبو سكين، أنه لا يمكن وضع هذا الجيل كله في كتلة واحدة، فهناك شرائح عدة، وبالطبع البيئة التي نشأ فيها الفرد، والتجارب التي تعرض لها، تؤثر كثيراً في توجهه، وهناك فئة تلقت تعليماً عالياً، وأخرى تسربت من التعليم، وفئة اكتفت بالتعليم المتوسط، لكن مع ذلك هناك مشتركات شبه سائدة بين أبناء جيل زد، تؤثر في طريقة تعاطيهم مع الأفكار الكبرى ونظرتهم للأيديولوجية بعامة.

ضد السلطة الوالدية
وتوضح الأكاديمية حنان أبو سكين، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في النظم السياسية المقارنة، ولديها مؤلفات حول الديمقراطية الاشتراكية والمواطنة، أن جميع أطياف جيل زد مرتبطون بالتكنولوجيا، ولديهم إحساس قوي بالقدرة على التعلم الذاتي، في ما يتعلق بشتى المعارف، ولهذا يعتقدون أنهم لا يحتاجون بصورة ملحة إلى خبرات الجيل الأكبر، ويرفضون تماماً السلطة الوالدية، ولديهم شعور ملاحظ بالاستقلالية.

 

وتضيف أبو سكين أن "هناك سمات عامة في الشباب، من أي جيل، وهي التمرد والرغبة في الاختلاف، والسعي إلى الشعور بالتقدير ورفض التنميط، ولهذا تبدو أية منظمة أيديولوجية غير مرحب بها في سجلهم الفكري، أو في الأقل لدى معظمهم، وهذا لا يعني أنهم غير مباليين، بل على العكس، فالمشاركة في الشأن العام وتنمية مبادئ المواطنة والانتماء موجودة لديهم، ولكنها ليست معان صماء، فهم يعبرون عنها بطريقته في السعي إلى بناء مستقبلهم، والاهتمامات السياسية والقضايا المجتمعية لديهم منبعها إنساني وليست أيديولوجية جافة ضيقة الإطار، فهم يعتنقون مبادئ العدالة والمساوة والتقبل، حتى لو كانت هناك سلبية وعزوف لدى بعضهم، ولكن الجزء الأكبر يختار أساليب مشاركة تتلاءم مع طبيعتهم كجيل، وليس شرطاً أن تتطابق مع القوالب المعلبة"،

وضربت أبو سكين مثلاً بالحراك الذي أظهره هذا الجيل إبان الحرب الإسرائيلية على غزة، فاتخذ غالبية أفراده مواقف حاسمة، على رغم عدم تبنيهم أيديولوجيات بعينها، ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بشباب العالم العربي، وإنما بشباب العالم كله.


اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206156

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc