العطور المركبة في سوريا.. من دليفيري الروائح إلى بديل ينافس الماركات العالمية
19/06/2026




سيرياستيبس 

لم تعد رفوف العطور الأصلية التي تحمل أسماء الماركات العالمية مساحةً متاحةً لغالبية السوريين، بعدما تجاوزت أسعار بعضها حاجز الألف دولار، لتدفع الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية باتجاه سوق موازية تتوسع بسرعة: العطور المركبة وإعادة إنتاج الروائح العالمية بأسعار منخفضة، بالتزامن مع انتشار خدمات "دليفيري العطور" إلى المنازل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا التحول لم يقتصر على محال تركيب العطور التقليدية، بل امتد إلى الأسواق الشعبية والبسطات والمتاجر الإلكترونية، حيث بات المستهلك يجد عبوات تحاكي إلى حد كبير التصاميم الأصلية، لكن بأسعار قد تبدأ من خمسة دولارات فقط.

من 300 دولار إلى مشروع يضم 200 صنف
في حي الزاهرة الجديدة بدمشق، يجلس مالك الكلاس خلف طاولة صغيرة تحولت خلال سنوات قليلة إلى مشروع متكامل. شاب سوري عاد من مصر بعد عمله في مجال العطور لمدة عامين، حاملاً فكرة لم تكن تتجاوز بضع زيوت عطرية وصفحة على "إنستغرام".

يقول الكلاس إن انطلاقته كانت برأسمال لا يتجاوز 300 دولار فقط، اشترى بها أول دفعة من الزيوت وبعض العبوات البسيطة، وبدأ بتسويق منتجاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يفتتح محله بعد عام من العمل.

يضيف أن مشروعه بدأ بـ30 صنفاً فقط، لكنه اليوم يضم نحو 200 نوع من العطور المركبة، تعتمد على زيوت عطرية فرنسية وسويسرية لإعادة إنتاج روائح أشهر العلامات العالمية، مع تركيز على محاكاة الرائحة الأصلية.


لكن ما يميز التجربة، بحسب الكلاس، لم يكن المنتج وحده، بل طريقة التوزيع. إذ يعتمد المشروع على خدمة توصيل مجانية داخل دمشق، تشمل إيصال الطلبات إلى المنازل مع صندوق عينات يتيح للزبون تجربة عدة روائح قبل اتخاذ قرار الشراء.

ويشرح أن هذه الآلية تحولت إلى أداة تسويق مباشرة، حيث يكتشف الزبون عطوراً جديدة عند الاستلام، ما يزيد من احتمالات الشراء ويعزز الثقة بالمنتج بعيداً عن أساليب البيع التقليدية.

 ويشير إلى أن الطلب على العطور المركبة ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار العطور الأصلية التي قد تصل إلى 1000 أو حتى 1500 دولار للعبوة الواحدة،

في حين يمكن الحصول على رائحة مشابهة بنسبة تصل إلى 98% مقابل جزء بسيط من التكلفة.

أما عن الأسعار، فتبدأ من نحو 40 ألف ليرة سورية، وتصل إلى 300 ألف ليرة لبعض العبوات الكبيرة، بينما تتراوح التركيبات الخاصة بحجم 100 مليليلتر بين 400 ألف و700 ألف ليرة، بحسب نوع الزيت وتركيزه.

ويشرح الكلاس أن نجاح العطر المركب لا يعتمد فقط على نوع الزيت، بل على نسب الخلط بين الزيت والكحول، إذ إن أي خلل في النسبة ينعكس مباشرة على الرائحة أو ثباتها، ما يجعل عملية التركيب تحتاج إلى خبرة ودقة للوصول إلى نتيجة قريبة من العطر الأصلي.

ويضيف أن هامش الربح في هذا القطاع داخل سوريا يتراوح بين 50 و100% بحسب نوع العطر وجودة الزيوت، وهو أقل بكثير مما كان يحققه العاملون في المجال داخل السوق المصرية، حيث قد تصل الأرباح في بعض الحالات إلى 500 أو 700% نتيجة اختلاف حجم السوق وتكاليف التشغيل.

تحديات ارتفاع التكاليف
ورغم تنامي الطلب، يواجه أصحاب هذه المشاريع تحديات متزايدة. ويقول الكلاس إن تكاليف الإنتاج ارتفعت بعد فرض رسوم بنسبة 20% على الزيوت العطرية، إضافة إلى تقلبات سعر الصرف، موضحاً أن قيمة مخزونه ارتفعت بنحو 1000 دولار خلال فترة قصيرة مع انتقال سعر الدولار من نحو 10 آلاف ليرة إلى 15 ألف ليرة، ما يجبر أصحاب المشاريع الصغيرة على الاختيار بين رفع الأسعار أو تقليص هامش الأرباح للحفاظ على الزبائن.

كما يشير إلى أن ارتفاع إيجارات المحال في الأسواق التجارية يدفع كثيراً من العاملين في هذا القطاع إلى الاعتماد على البازارات والمهرجانات وخدمات التوصيل والتسويق الإلكتروني للوصول إلى المستهلكين بتكاليف أقل.

سوق تتوسع خارج المحال التقليدية
مع اتساع الطلب، لم يعد سوق العطور المركبة محصوراً داخل المحال المتخصصة، بل خرج إلى الشوارع والأسواق الشعبية، حيث تنتشر بسطات تعرض عبوات تحاكي أشهر الماركات العالمية، لكنها تباع بأسعار زهيدة لا تتجاوز أحياناً 5 دولارات.

في هذا المشهد المتغير، يظهر محمد الباشا، وهو تاجر عطور في سوق الحميدية بدمشق، ليصف التحول الذي طرأ على السوق خلال السنوات الأخيرة، قائلاً إن المستهلك السوري بات أكثر اهتماماً بـ"الرائحة والثبات" من العلامة التجارية نفسها.

ويضيف أن جزءاً كبيراً من السوق يعتمد على استيراد زيوت عطرية من مصانع في فرنسا والإمارات ودول خليجية، ثم إعادة تركيبها لتقليد روائح عالمية معروفة، قبل طرحها في الأسواق بأسعار أقل بكثير من الأصلية، مؤكداً أن أغلب المنتجات المتداولة اليوم باتت تعتمد على هذا النموذج، حيث لم يعد الفرق يُلاحظ إلا في السعر وفي مدى ثبات الرائحة.

 ويشير إلى أن الزيوت الفرنسية ما تزال الأعلى جودة من حيث الثبات والانتشار (الفوح)، لكنها الأعلى سعراً أيضاً، في حين تلقى الزيوت الخليجية رواجاً متزايداً بسبب أسعارها الأقل، رغم أنها – بحسب وصفه – لا تضاهي الجودة الفرنسية.

ويضيف أن جزءاً من السوق لم يعد يقتصر على العطور المركبة أو محاكاة الروائح فقط، بل وصل إلى انتشار عبوات مقلدة تحمل التصاميم والأسماء ذاتها للماركات العالمية، بحيث يصعب على المستهلك العادي تمييزها عن الأصلية من حيث الشكل الخارجي. وتُباع هذه العطور المقلدة بأسعار تتراوح غالباً بين 10 و25 دولاراً للعبوة الواحدة، ما يجعلها خياراً مغرياً لفئة تبحث عن المظهر الفاخر بسعر منخفض، رغم أن ثباتها وجودتها تبقى أقل بكثير من المنتج الأصلي.

المستهلك بين السعر والرائحة
هذا التحول في السوق لا يظهر فقط في جانب الإنتاج، بل أيضاً في سلوك المستهلك نفسه. فبين ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل، باتت العطور المركبة خياراً عملياً لشريحة واسعة من السوريين.

يقول معين اليوسف، وهو شاب في الثلاثين من عمره، إنه لم يعد قادراً على شراء العطور الأصلية، لكنه في الوقت نفسه لا يريد التخلي عن استخدامها، لذلك يلجأ إلى العطور المركبة التي تمنحه الرائحة نفسها تقريباً بسعر أقل بكثير.

ويشير إلى أن العطور باتت اليوم من الكماليات في ظل الغلاء المعيشي، إذ بات رب الأسرة يفضل تأمين الأولويات من طعام وشراب ودواء وفواتير كهرباء وأجور منزل، على حساب الإنفاق على السلع الكمالية.

وتشارك لما النعسان الرأي ذاته، معتبرة أن الفرق بين العطر الأصلي والمركب لم يعد مهماً بالنسبة لها، طالما أن الرائحة ثابتة وتناسب ميزانيتها المحدودة، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية الأخرى.


الأزمة تعيد تشكيل سوق الكماليات
وبين ارتفاع أسعار العطور الأصلية واتساع سوق البدائل المركبة، تبدو صناعة العطور في سوريا اليوم أكثر من مجرد تجارة، إنها انعكاس مباشر لتحولات الاقتصاد وسلوك المستهلك، حيث لم تعد الرائحة مجرد رفاهية، بل خيار يُعاد تصميمه بما يتناسب مع القدرة الشرائية.

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم الحسين أن انتشار العطور المركبة في سوريا يعكس تحولاً أعمق في سلوك المستهلك، نتيجة تراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع المستوردة.

ويضيف أن ما يجري في سوق العطور ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط أوسع من "إعادة تشكيل سوق الكماليات"، حيث يبحث المستهلك عن القيمة مقابل السعر بدلاً من العلامة التجارية.

كما يشير إلى أن توسع التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل أسهم في خفض تكاليف التشغيل وفتح المجال أمام مشاريع صغيرة للنمو بسرعة، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويؤكد أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيعزز هذا الاتجاه، خصوصاً في السلع غير الأساسية، ما يجعل من سوق العطور المركبة نموذجاً واضحاً على كيفية تكيف الاقتصاد السوري مع الواقع الحالي.

سوق العطور في سوريا
لا تقتصر ملامح سوق العطور في سوريا على العطور المركبة وإعادة إنتاج الروائح فقط، بل تمتد إلى ظاهرة أكثر حساسية تتمثل في الغش والتقليد الكامل لمنتجات الماركات العالمية، ليس في الرائحة فحسب، بل في الشكل الخارجي أيضاً. إذ تنتشر في الأسواق الشعبية وبعض البسطات وحتى عبر منصات البيع الإلكتروني عبوات مقلدة تحاكي بدقة تصميم العبوة الأصلية، من حيث اللون والشعار وطريقة التغليف، إلى درجة تجعل التمييز بينها وبين المنتج الأصلي أمراً صعباً على المستهلك العادي.

ويشير عاملون في هذا القطاع إلى أن هذا النوع من المنتجات يعتمد غالباً على استيراد عبوات جاهزة أو إعادة تصنيعها محلياً بمواد أقل كلفة، ثم تعبئتها بتركيبات عطرية مشابهة أو أقل جودة، بهدف تقديم منتج “يشبه الأصلي” في الشكل ويقترب منه في الرائحة، لكنه يختلف جذرياً في الجودة والثبات ومكونات التركيز.

وتكمن جاذبية هذه المنتجات في السعر بالدرجة الأولى، إذ تُعرض العطور المقلدة بأسعار تتراوح غالباً بين 10 و25 دولاراً للعبوة الواحدة، وقد تكون أقل في بعض البسطات، في حين يصل سعر العطر الأصلي نفسه إلى مئات الدولارات وقد يتجاوز ألف دولار للعبوة الواحدة في بعض الماركات العالمية. هذا الفارق الكبير في السعر يجعل هذه المنتجات خياراً واسع الانتشار بين فئات من المستهلكين الذين يبحثون عن “تجربة شكلية” قريبة من الفخامة دون القدرة على تحمل التكلفة الحقيقية.

لكن رغم هذا الانتشار، يقر كثير من الباعة والمستهلكين بأن الفارق يظهر سريعاً عند الاستخدام، سواء من حيث ثبات الرائحة أو تطورها على الجلد أو مدة بقائها، إذ تتلاشى العطور المقلدة 

عادة خلال وقت أقصر بكثير مقارنة بالمنتج الأصلي، ما يعيد طرح سؤال الجودة مقابل السعر في سوق باتت تحكمه الاعتبارات الاقتصادية أكثر من أي وقت مضى.


تلفزيون سوريا 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=128&id=206106

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc