كيف تحول نظام الطيبات إلى مصدر لـ الخبائث بعد شهرين من وفاة ضياء العوضي؟
10/06/2026
سيرياستيبس
من الأسس الطبية السائدة أن التعميم آفة لا تُغتفر، فوفقاً للأطباء لكل حالة وضعها الخاص الذي يتم متابعته بالأشعة والتحاليل للوقوف على مدى التحسن ومدى ملاءمة العلاج المتبع، على الجانب الآخر كان يتشبث العوضي في نظامه بالتعميم الذي يطبقه على الجميع رافضاً اللجوء إلى الأشعة والتحاليل، ويمنحهم أحكاماً مطلقة متطابقة تقريباً مهما كانت الشكوى، وكما تظهر الشهادات فكان يسخر من ارتفاع معدلات السكر التي تظهرها الفحوصات، بل ويعتبر أن هذا علامة على التعافي، وفي حال حدث ألم أو متاعب إضافية كان يصرخ في المترددين على عيادته ويتهمهم بأنهم لم يتبعوا النظام بدقة، ليثبت الأطباء والمتخصصون في ما بعد أن هذا التدهور جاء بسبب اتباع النظام وليس العكس.
مر نحو 7 أسابيع على وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي، في المقابل انتشر نظامه الغذائي بما يشبه الهوس لدى بعض الفئات، وبشكل مضاعف مقارنة بما كان عليه وهو على قيد الحياة، إذ أسهمت ظروف وفاته وحيداً بعيداً من بلاده في نسج المزيد من الخيالات ونظريات المؤامرة، وفي ظل فوضى مواقع التواصل الاجتماعي وعشرات المجموعات التي تفسر وتحلل بلا سند، ليعبر نظام "الطيبات" الغذائي الحدود وسط تحذيرات طبية، بل وصيحات تحذيرية من المتخصصين، لكن من يسمع؟
عبر "فيسبوك" على وجه التحديد يمكن رصد تعليقات متكررة بعبارات متطابقة تتحدث عن اقتناع أتباعه بـ"عملية اغتيال"، وتدعو إلى اعتناق نظامه الذي عليه عشرات المآخذ، فيما تتشعب المجموعات الداعمة لنظرياته في العالم بين الأردن وتونس والجزائر والعراق والمغرب، وأخيراً أيضاً حذرت وزارة الصحة السعودية من اتباع الأنظمة الغذائية غير المثبتة علمياً كبديل عن الأدوية الموصوفة، وحددت بالاسم نظام "الطيبات" الذي يعرض متبعيه للخطر.
كان يتوقع البعض أن يغلق الملف وأن تهدأ الأمور تدريجاً بعد اختفاء العوضي، وبعد استغاثات أطباء أقسام الرعاية المركزة بالمستشفيات يومياً من تزايد حالات دخول الطوارئ سواء بسبب جلطات أو ارتفاع سكر الدم أو تفاقم مشكلات الكلى من قبل أناس يلتزمون حرفياً بقائمة المأكولات المفضلة لطبيب التخدير الذي أُوقف عن ممارسة عمله من قبل نقابة الأطباء المصرية قبيل وفاته.
النظام المليء بالثغرات التي تخاصم العلم، ويتضمن قائمة موازية أيضاً بممنوعات ابتكرها الراحل، ومن بينها الفواكه والمياه، إذ يتم الاحتفاء بالعصائر غير الطبيعية والمأكولات المصنعة التي تحتوي على كميات هائلة من الزيوت النباتية والسكر، والتدخين مقابل اعتبار البطيخ والبيض والألبان من المصائب!
وعلى رغم أن تلك بديهيات تعارض المنهج العلمي الطبي الغذائي وحتى الأفكار الشعبية المتداولة حول أن الفواكه والخضروات الطازجة أكثر صحية من نظيرتها التي تخضع لعمليات التكرير، إلا أن المرضى الباحثين عن أمل بسبب معاناتهم الصحية المزمنة يتمسكون بتعليمات العوضي، متشبثين بالتحسن السريع الوهمي الذي يخفي وراءه تدهوراً صامتاً يترجم في ما بعد على هيئة خلل لا يكون قابلاً للإصلاح على الأغلب.
"عقيدة الطيبات"
لا عيب في النظم الغذائية المستندة إلى أسس، بل هي وسيلة مكملة تسهم في تحسن الصحة، ولكن لا يمكن استبدالها أبداً بالعلاجات المثبتة علمياً، ووفقاً لما تقوله طبيبة التغذية الدكتورة آمال فتحي، استشاري علاج السمنة والنحافة، فإنه لا يمكن تعميم نظام غذائي إطلاقاً على كل حالة، فلكل فرد طريقة التعامل الغذائية التي تناسب تاريخه المرضي، إذ تصف نظام "الطيبات" الغذائي بأنه نظام "خبائث"، وترى الترويج له أشبه بعملية إجرامية، إذ يسهم الالتزام به وترك الأدوية في تداعيات شديدة الخطورة تصل إلى الوفاة.
كان طبيب التخدير المصري الذي توفي قبل أقل من شهر في الإمارات العربية المتحدة قد منع من مزاولة مهنته وشطب من السجلات وأُغلقت عيادته بسبب ترويجه لنظام يفتقر إلى الأسس العلمية، وذلك قبل نحو شهر من وفاته، إذ كان يدعي علاج الأمراض عن طريق هذا النظام الذي يساوي بين جميع المرضى مهما تباينت حالاتهم، زاعماً أن تقليل شرب المياه والامتناع عن تناول السلطة الطازجة مفيد للصحة، مع الدعوة إلى تناول ربع كيلو سكر يومياً حتى لمرضى السكري، ولا ضير لديه من التدخين الشره، وكان هو نفسه نموذجاً في هذا الأمر، وذلك حتى لمرضى السكري والسرطان والذئبة الحمراء، وعقب وفاته بدأ تداول فيديوهاته المثيرة للجدل التي يتحدث فيها بعصبية ويتهم معارضيه بالجهل، مبشراً بنظامه الغذائي، بكثرة.
هذا الانتشار تضاعف على رغم أن المجلس الأعلى للإعلام في مصر قد حظر تداول أي مواد للعوضي تروج لهذا النظام بسبب تحذيرات وزارة الصحة من أخطاره على الصحة العامة، ولم يتوقف الأمر عند حدود مريديه في مصر، بل وصل إلى مجموعات كبيرة في عدد من الدول العربية وحتى الجاليات العربية بالخارج، حيث ينشط المقتنعون بـ"الطيبات" في الدفاع باستماتة عن مبادئه وكأنه أمر أشبه بالعقيدة الإيمانية.
الاتجار بالأمل الكاذب
لكن الطبيبة آمال فتحي، استشاري التغذية العلاجية وأمراض السمنة والنحافة، تشكك في تلقائية آراء مجموعة الضغط هذه، مشيرة إلى أن أغلبها منشورات مطولة منسوخة ينشرها المستفيدون تحت أي أنباء عن العوضي أو حتى تحت أي تدوينات طبية بشكل عام، وتضيف استشاري التغذية العلاجية: "يكررون نغمة أن الرجل تعرض للاغتيال من دون أي دليل على رغم أن حالته الصحية المتدهورة نتيجة النظام الضار كانت واضحة للجميع، ويكررون نغمة التحسن على رغم حالات الوفاة، وعلى رغم أن آخرين كادوا يفقدون حياتهم وتضررت أعضاؤهم بشدة. والحقيقة أن هناك مضللين كثراً تم فضحهم بعد أن ادعوا الشفاء على هذا النظام وتبين خضوعهم للعلاج الدوائي، وآخرون حولوا الأمر إلى بيزنس وتجارة عن طريق افتتاح مطاعم ومنافذ لبيع وجبات "الطيبات" المزعومة".
بالفعل تنتشر فكرة بيع وجبات "الطيبات" في المطاعم المصرية وعبر صفحات الـ"سوشيال ميديا" التي تعطي أملاً للمرضى بأنهم على موعد مع الشفاء القريب فقط بالمواظبة على شراء تلك الوجبة، وهو ما جعل النائب البرلماني أشرف أمين يتقدم بطلب إحاطة لوزارة الصحة ورئاسة مجلس الوزراء والهيئة القومية لسلامة الغذاء بالبحث عن حلول لانتشار تلك الثقافة التي حذرت منها وزارة الصحة.
بوفاة ضياء العوضي أصبح لنظام "الطيبات" ملايين من ضياء العوضي يتحدثون باسمه، وذلك وفقاً لأعداد المجموعات التي تتبنى أفكاره، ووفقاً حتى للملاحظات اليومية العادية، إذ تخلو أرفف المتاجر من الخبز الأسمر الذي يعتمد عليه هذا النظام بعيداً من الأبيض، في دلالة على انتشار المؤمنين به، على رغم أن هذا النوع من الخبز كان بعيداً من الثقافة الغذائية لغالبية الطبقات في مصر.
استغاثات أقسام الطوارئ
لهذا أصبح هناك قلق من العاملين بالقطاعات الصحية من استمرار تفشي ظاهرة "الطيبات" التي تترجم مباشرة في تنامي أعداد المترددين على أقسام الطوارئ الذين يتم حجزهم في ما بعد في غرف العناية المركزة، ولا تُكتب لكثيرين منهم النجاة، إذ يتحدث أحد الناقمين على هذا النظام لـ"اندبندنت عربية"، لافتاً إلى أنه فقد صديق عمره قبل أيام وهو لا يزال شاباً، إذ قرر هذا الصديق الذي يعمل بمجال الهندسة التوقف عن أدوية الضغط والسكر تماماً متبعاً قائمة الطعام المتداولة عبر مجموعات مريدي "الطيبات"، وكانت النتيجة أن الحالة تدهورت خلال أقل من أسبوعين، وبعد أن مكث صديقه في الرعاية المركزة فارق الحياة خلال ساعات.
في الفترة نفسها أظهرت التقارير وفاة شاب في محافظة المنوفية بطريقة مشابهة، إذ اختار "الطيبات" التي يقول عنها صاحبها الراحل إنها نظام كامل لبناء صحة الإنسان وخلاص حقيقي من مسببات الالتهاب، أملاً في أن يتوقف عن حقن نفسه بالأنسولين نتيجة مرض السكري، ولكن بعد وقت قصير تدهورت حالته تماماً وفارق الحياة، في الوقت نفسه تحدثت تقارير صحافية في المغرب عن تزايد حالات غرف الرعاية المركزة المرتبطة بالنظام نفسه.
فيما لا تتوقف طواقم التمريض وكذلك الأطباء في المستشفيات الحكومية والخاصة في مصر عن التنبيه والتحذير، إذ بات من الطبيعي يومياً استقبال حالتين أو أكثر بالوضع نفسه، وجميعهم يتغنون بـ"الطيبات" فيما ذووهم يشكون أنهم فشلوا في إقناعهم، السؤال: لماذا يحدث تحسن أولي في غالبية تلك الحالات يوهمهم بأنهم على الطريق الصحيح؟
يشرح الطبيب أحمد دياب، أستاذ التغذية العلاجية، آلية عمل هذا الأسلوب الغذائي الذي يجعل البعض يسير وراءه: "بداية يجب التأكيد أن منع بعض الأطعمة بخاصة من الخضروات والفاكهة الطبيعية على حساب أخرى فكرة خاطئة تماماً، فكل نوع منها يحتوي على فيتامينات ومعادن ليست في غيره، وفي ما يتعلق بنظام "الطيبات" فهو يتوجه إلى ثلاث فئات، الأولى هم الأصحاء تماماً، وهؤلاء لن يتضرروا بل على الأرجح قد يفقدون الوزن ويشعرون بتحسن حينما يستغنون عن الدقيق الأبيض، بخاصة في البلدان العربية التي تعتمد على الخبز في الوجبات الثلاث، وعلى رغم أنهم قد يتضررون على المدى البعيد بسبب التراكم، واستبدال اللبن والبيض بالجبن المطبوخ وغيره من قواعد 'الطيبات' التي تحرم الجسم من أنواع غذائية كثيرة، أما القسم الثاني فهم من يعانون من أمراض نتيجة مشكلات التغذية، كالنساء اللاتي لديهن تكيسات مبايض على سبيل المثال، فالنظام أيضاً قد يفيد في تلك الحالة بشدة".
أما الجزء الأكثر خطورة هنا فهو مخاطبة مشاعر المرضى بحالات خطرة، فهم في رأي الطبيب أحمد دياب، استشاري علاج السمنة والنحافة، يتعلقون بقشة، ويشرح: "أي شخص يعاني من حالة مزمنة صعبة سوف يرغب في تصديق أن هناك خلاصاً، فمريض الكلى الذي طُلب منه الصيام وعدم غسيل الكلى بالطبع إذا لم ينقذ نفسه سيموت، وكذلك مريض السكري من النوع الأول المعتمد على الأنسولين، يرغب في التخلص من الحقن، ولكنه يعرض حياته للخطر، وكذلك توقف علاجات مرضى الأورام، بل إن اعتماد نظام غذائي مشبع بالدهون يعتبر كارثة، وأيضاً إيقاف الكورتيزون لمرضى الأمراض المناعية سيعرضهم لهجمات شرسة ومن ثم الهلاك".
التحسن الكاذب
هذا ما تؤكده الطبيبة آمال فتحي التي تشير إلى أن التضليل المتعمد والخلط وانتشار التجارب الإيجابية لأناس لم تكن لديهم معاناة من الأساس أدى إلى تدهور حالات أخرى، إذ تسمي التحسن النسبي الأولي في بداية النظام بالراحة الكاذبة، وسببها أن منع النشويات بشكل عام يشعر المريض المعتاد عليها بالخفة، مشددة على أن ما يسمى نظام "الطيبات" مبني على الخلط المتعمد والخبيث بين بعض المعلومات الصحيحة طبياً وتسعين في المئة من المعلومات والأسس الخاطئة والمدمرة.
من الأسس الطبية السائدة أن التعميم آفة لا تُغتفر، فوفقاً للأطباء لكل حالة وضعها الخاص الذي تتم متابعته بالأشعة والتحاليل للوقوف على مدى التحسن ومدى ملاءمة العلاج المتبع، على الجانب الآخر كان يتشبث العوضي في نظامه بالتعميم الذي يطبقه على الجميع، رافضاً اللجوء إلى الأشعة والتحاليل، ويمنحهم أحكاماً مطلقة متطابقة تقريباً مهما كانت الشكوى. وكما تظهر الشهادات فكان يسخر من ارتفاع معدلات السكر التي تظهرها الفحوصات، بل ويعتبر أن هذا علامة على التعافي، وفي حال حدث ألم أو متاعب إضافية كان يصرخ في المترددين على عيادته ويتهمهم بأنهم لم يتبعوا النظام بدقة، ليثبت الأطباء والمتخصصون في ما بعد أن هذا التدهور جاء بسبب اتباع النظام وليس العكس.
فما هو المنهج الذي كان يعتمد عليه العوضي والذي أوجد تلك القاعدة الواسعة المقلقة من المقتنعين؟ تتابع الدكتورة آمال فتحي، أستاذة التغذية: "لا يوجد أي منهج طبي في هذا النظام، وإنما يعتمد صاحبه على منهج نفسي في التلاعب بالغير، عن طريق التعامل بنرجسية وتعالٍ مما يوهم من أمامه أنه علامة في مجاله، إضافة إلى ادعائه أن نظامه مستمد من الدين، ليوسع دائرة المؤيدين ممن ينجذبون إلى أي خطاب يدعي ارتباطه بالدين، فتقليل الماء والتدخين والاعتماد على السكريات أسباب تزيد من لزوجة الدم فتؤدي إلى الجلطات، لا سيما لمن يعانون من حالات مرضية من الأساس، فأي منهج طبي في هذا؟".
وتعتبر فتحي أن مثل هذه الدعوات الشريرة هي استغلال لجهل الناس وتحقيق الشهرة والشعور بالأهمية على حساب حياتهم، وهي هنا تقصد بالجهل، بخلاف الأمية، قلة الثقافة الطبية، لا سيما وأن كثيراً من الحالات التي تعتمد على نظامه لديهم شهادات علمية مرموقة، إذ تفسر طبيبة التغذية تنامي ظاهرة "الطيبات" في مصر والدول العربية بين فئات على قدر كبير من التعليم بأن هذا النظام يخاطب بلا مسؤولية نقاط الضعف الإنسانية، وهي تتمثل لدى ذوي الأمراض المزمنة في رغبتهم الشديدة في التخلص من الالتزام اليومي بالدواء والتحاليل الدورية ومصاريف المتابعة.
هذا التوجه هو بالتحديد ما يجعل خانة التعليقات لدى الأطباء الذين يحاولون توعية المرضى مليئة باتهامات بأنهم مأجورون ويغارون من انتشار الالتزام، بل ويخشون من أن يجلسوا في منازلهم وانتهاء عملهم نظراً لأن نظام "الطيبات" يعتبر بديلاً لكل العلاجات.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=144&id=205960