البحار الأربع.. رؤية غربية لتحويل سوريا إلى عقدة جديدة للطاقة بين الشرق والغرب
09/06/2026
سيرياستيبس
تطرح دراسة جديدة صادرة عن معهد "New Lines" رؤية جيوسياسية واقتصادية طموحة تقوم على تحويل سوريا وتركيا إلى مركز رئيسي لإعادة توزيع الطاقة في القرن الحادي والعشرين، عبر مشروع "مبادرة البحار الأربع"، والذي يربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود ضمن شبكة متكاملة من خطوط النفط والغاز والبنية التحتية العابرة للحدود.
وترى الدراسة أن سقوط نظام الأسد المخلوع نهاية عام 2024 أنشأ فرصة نادرة لإعادة رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأوروبا، وتحويل سوريا من ساحة صراعات إقليمية إلى ممر استراتيجي للطاقة يربط المنتجين في الخليج وآسيا الوسطى بالمستهلكين الأوروبيين.
لماذا سوريا الآن؟
اعتبرت الدراسة أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط الأسد يمثل أهم إعادة اصطفاف جيوسياسي في الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث أظهرت الحكومة السورية الجديدة استعداداً للتعاون في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا، وهو ما لم يكن ممكناً خلال العقود السابقة.
وتشير الدراسة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية لدعم هذا التحول، شملت تخفيف العقوبات، وإعادة ربط البنك المركزي السوري بالنظام المالي العالمي، إضافة إلى توقيع اتفاقيات طاقة واستثمارات كبيرة مع شركات أميركية وخليجية.
وأعاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، إحياء فكرة "البحار الأربع" خلال مؤتمر عقد في واشنطن في آذار 2026، معتبراً سوريا بديلاً استراتيجياً للممرات البحرية المهددة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وترى الدراسة أن التوترات المستمرة في مضيق هرمز وباب المندب تجعل خطوط الأنابيب البرية عبر سوريا وتركيا خياراً استراتيجياً ملحاً وليس مجرد مشروع طويل الأجل.
شبكة طاقة تربط أربع بحار
ويقوم المشروع على إعادة إحياء واستثمار الموقع الجغرافي السوري باعتباره نقطة التقاء طبيعية بين الخليج وأوروبا.
وتقترح الدراسة إنشاء أربعة ممرات رئيسية للطاقة:
ممر الخليج - المتوسط لنقل النفط من السعودية والكويت والإمارات عبر الأردن وسوريا إلى ميناء بانياس.
ممر العراق - سوريا عبر إعادة تأهيل خط كركوك - بانياس وتوسيع طاقته.
ممر بحر قزوين - الأناضول عبر ربط الشبكات السورية بخطوط الغاز القادمة من أذربيجان وتركمانستان عبر تركيا.
تحديث خط الغاز العربي الممتد من مصر مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا والأسواق الأوروبية.
وتؤكد الدراسة أن سوريا تمتلك أساساً بنية تحتية يمكن البناء عليها، إذ كانت تشغل قبل الحرب أكثر من 6300 كيلومتر من خطوط النفط والغاز، ما يجعل إعادة التأهيل أقل كلفة من إنشاء شبكات جديدة بالكامل.
مكاسب اقتصادية ضخمة لسوريا
تؤكد الدراسة أن المشروع لا يقوم فقط على رسوم العبور، بل على إعادة بناء قطاع الطاقة السوري نفسه.
فبعد أن كانت سوريا تنتج نحو 380 ألف برميل نفط يومياً قبل الحرب، تراجع الإنتاج إلى نحو 110 آلاف برميل مطلع 2026، إلا أن المؤسسة السورية للنفط تستهدف رفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً قبل نهاية العام، وصولاً إلى 800 ألف برميل بحلول 2029.
وتُقدر الاحتياطات القابلة للاستخراج بنحو 2.5 مليار برميل، مع عائدات سنوية محتملة تتراوح بين 4.6 و6.1 مليارات دولار، فضلاً عن فرص استكشاف بحرية جديدة في شرق المتوسط بدأت شركات كبرى مثل "شيفرون" بإبداء اهتمام بها.
كما تتوقع الدراسة أن تحقق سوريا مستقبلاً ما بين 3 و6 مليارات دولار سنوياً من رسوم عبور النفط والغاز، لترتفع الإيرادات الإجمالية للطاقة إلى ما بين 8 و12 مليار دولار سنوياً مطلع العقد المقبل، وهو ما قد يوفر مورداً أساسياً لتمويل إعادة الإعمار والخدمات العامة.
معركة نفوذ عالمية
لا تنظر الدراسة إلى المشروع باعتباره اقتصادياً فقط، بل تعتبره جزءاً من صراع جيوسياسي أوسع بين الغرب والصين وروسيا.
فأوروبا تسعى إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، بينما ترى واشنطن في المشروع فرصة لترسيخ نفوذ الشركات الأميركية في قطاع الطاقة الإقليمي وتعزيز موقع حلفائها.
وتعتبر الدراسة أن مبادرة "البحار الأربع" تمثل الرد الغربي على تمدد مبادرة "الحزام والطريق" الصينية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وتقترح الدراسة تأسيس صندوق استثماري ضخم باسم "اتحاد البنية التحتية للبحار الأربع" برأسمال أولي يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، مع إمكانية جذب استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار خلال عقد واحد، بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصناديق الثروة الخليجية وشركات الطاقة الدولية.
وتخلص الدراسة أن السؤال لم يعد ما إذا كانت سوريا ستتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بل من سيصمم هذا المركز ومن سيموله ومن سيحكم قواعده، مشيرة إلى أن نجاح المشروع قد يؤدي إلى ولادة أول شبكة طاقة قارية متكاملة تمتد من الخليج العربي حتى أوروبا الشرقية، وتعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للمنطقة لعقود مقبلة.
أولوية استراتيجية وخارطة طريق أميركية أوروبية
وخلصت دراسة معهد "New Lines" بمجموعة من التوصيات الملموسة والمحددة زمنياً والموجهة إلى كل من الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية، والتي تم تنظيمها حول السنوات الثلاث التي يجب اتخاذ القرارات الأساسية خلالها.
إجراءات عاجلة خلال عام 2026
تصنيف "مبادرة البحار الأربع" رسمياً كأولوية استراتيجية أميركية في مجال البنية التحتية والطاقة، مع تخصيص تمويل أولي بقيمة 500 مليون دولار عبر مؤسسة تمويل التنمية الأميركية لدعم مشاريع المبادرة.
إدراج الممر البري السوري - التركي ضمن قائمة "المشاريع ذات الاهتمام المشترك" للاتحاد الأوروبي، بما يتيح له الحصول على تمويل من بنك الاستثمار الأوروبي وصناديق البنية التحتية الأوروبية.
عقد المنتدى الوزاري التأسيسي لمبادرة البحار الأربع في إسطنبول قبل نهاية عام 2026، بمشاركة وزراء الطاقة في الدول المعنية، وإنشاء "اتحاد البنية التحتية للبحار الأربع" ككيان قانوني متعدد الأطراف.
إطلاق برنامج دعم فني لإعداد قانون طاقة سوري جديد ينظم عقود الإنتاج ورسوم العبور والاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترة لا تتجاوز 12 شهراً.
إجراءات متوسطة المدى (2027 – 2028)
عقد أول منتدى أعمال لمبادرة البحار الأربع بمشاركة شركات الطاقة والمستثمرين الدوليين لتحديد المشاريع القابلة للتمويل والتنفيذ، مع إعطاء الأولوية لممر الخليج - المتوسط وخط العراق - سوريا.
تأمين الإغلاق المالي الأول للمشروع عبر حشد استثمارات أولية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، بمشاركة صناديق الثروة السيادية الخليجية وشركات النفط العالمية.
بدء تنفيذ مشاريع خطوط الأنابيب الرئيسية، ولا سيما المقطع الأردني - السوري من ممر الخليج - المتوسط، وخط كركوك - دير الزور ضمن ممر العراق - سوريا.
إصدار إعلان أميركي - أوروبي مشترك لأمن الطاقة يحدد قواعد الحوكمة والضمانات الأمنية ومعايير الإصلاح السياسي والقانوني المرتبطة بتمويل المشروع.
الأهداف بعيدة المدى (2029 – 2035)
تشغيل الممرات الأربعة بكامل طاقتها لنقل ما بين 3 و4 ملايين برميل نفط يومياً، إضافة إلى 40 - 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً نحو أسواق المتوسط وأوروبا.
تحقيق سوريا إيرادات سنوية تتراوح بين 8 و12 مليار دولار من إنتاج الطاقة ورسوم العبور، بما يوفر قاعدة مالية مستدامة لتمويل إعادة الإعمار والخدمات العامة.
ربط مشروع البحار الأربع بشبكات "مبادرة البحار الثلاث" في أوروبا الشرقية، لتشكيل أول شبكة طاقة متكاملة تمتد من الخليج العربي إلى بحر البلطيق.
عقد قمة دورية لقادة الدول المشاركة في المبادرة لتثبيت المشروع كجزء دائم من منظومة أمن الطاقة عبر الأطلسي، على غرار اجتماعات وزراء الطاقة في مجموعة السبع.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205950