مستشار بوزارة الاقتصاد يحسم الجدل: سوريا تتجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
07/06/2026





سيرياستيبس 

أكد المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، د.أسامة قاضي، في تصريح  أن هوية الاقتصاد السوري باتت واضحة، وأنه خلال المرحلة المقبلة، لا بد أن يضع حدّاً للجدل حول دور القطاع الخاص وعلاقته بالدولة.

وأوضح أن الاقتصاد السوري يتجه نحو نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، المشابه للنماذج المعتمدة في ألمانيا والنمسا والدنمارك وكندا، حيث يلعب القطاع الخاص دور المحرّك الأساسي للنمو الاقتصادي، بينما تضطلع الدولة بمهمة التنظيم والرقابة وتقديم الخدمات العامة.

وأشار قاضي إلى أن القطاع الخاص لم يكن يوما عنصراً هامشياً في الاقتصاد السوري، بل شكّّل على مدى عقود قاطرة التنمية الاقتصادية، فثلثا العمالة السورية كانت تعمل لدى القطاع الخاص، سواء في القطاع المنظّم أم غير المنظّم، مقابل ثلث العاملين في القطاع العام. وأكد أن أبرز مزايا القطاع الخاص تكمن في قدرته على خلق فرص العمل وتمتّعه بمرونة عالية تمكّنه من التجدّد والتكيّف مع المتغيرات الاقتصادية بصورة مستمرة.

وشدّد على أن الحكومة لا تسعى إلى الدخول كشريك مباشر في الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، وإنما تركّز على سن التشريعات، وضمان مرونتها وتطبيقها، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الحوكمة الرشيدة.

ويقتصر دور الدولة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، بما في ذلك التعليم المجاني، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والطرق، والحدائق العامة، وتنظيم الحياة العامة.

وأوضح أن التجارب العالمية تثبت أن الحكومات الحديثة لا تعمل عادةً كمنتج مباشر للسلع الصناعية، بل تركّز على الخدمات العامة والإشراف والتنظيم. وضرب مثالاً بالولايات المتحدة الأميركية التي تضم ملايين الموظفين الحكوميين العاملين في قطاعات التعليم والصحة والجمارك والأمن، من دون أن تتولى الدولة إدارة المصانع الإنتاجية بشكل مباشر.

وأكد أن الحديث عن بيع الأصول السيادية أو خصخصة القطاع العام بشكل كامل غير دقيق، موضحًاً أن التوجّه الحالي يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وبيّن أن هذا النموذج هو السائد عالمياً، حيث تعتمد العديد من الدول، بما فيها روسيا والصين وفيتنام، على اقتصاد السوق مع احتفاظ الدولة بدور اجتماعي وتنظيمي فاعل في مجالات التعليم والصحة والخدمات العامة.

وأشار القاضي إلى أن الفساد والمحسوبية والاحتكار في العقود الماضية أعاقت دور القطاع الخاص، مؤكداً أن سوريا كانت من أكثر الدول فساداً على مستوى العالم، إذ احتلت المرتبة 179 من 180 في مؤشر الفساد العالمي، متقدّمة فقط على جنوب السودان، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة أعاقت التنمية الاقتصادية لعقود طويلة.

وأكد أن تحقيق النهضة الاقتصادية يتطلب وجود قطاع خاص شفّاف يعمل في بيئة تنافسية عادلة، بعيداً عن الاحتكار والفساد، وبالاستناد إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة.

واعتبر أن الحوكمة تمثّل شرطاً أساسياً لأي عملية تنموية ناجحة، وأنه لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام من دون مؤسسات فعّالة وقوانين واضحة تطبق على الجميع.

وفيما يتعلّق بالرؤية التنموية المستقبلية لسوريا، أوضح قاضي أنها ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة أولها: التصنيع، والتعليم، والتكنولوجيا.

ويشمل ذلك تطوير الصناعات التقليدية والتصنيع الزراعي، والارتقاء بالتعليم الفني والتقني، وإدخال التكنولوجيا في مختلف القطاعات والمؤسسات، إلى جانب إعطاء أهمية خاصة للقطاع الزراعي والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مثل التجربتين البرازيلية والفيتنامية في تطوير الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي.

كما شدد على أهمية تحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع المحافظات السورية، وعدم تركيز التنمية في مناطق محددة على حساب أخرى، مع الاهتمام بجميع القطاعات الاقتصادية لضمان توزيع أكثر عدالة لفرص النمو والاستثمار.

وأشار إلى أن قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025 تضمن حزمة واسعة من الحوافز الاستثمارية، من بينها إعفاء الأنشطة الزراعية والتعليمية من الضرائب بشكل كامل، ومنح إعفاءات ضريبية كبيرة للمنشآت الصناعية الموجهة للتصدير. كما لا تتجاوز الضريبة العامة 15 بالمئة، إضافة إلى إعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في العملية الإنتاجية من الرسوم والضرائب.

وأوضحت اللائحة التنفيذية للقانون اهتماماً خاصاً بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، والتي تشكل أكثر من 90 بالمئة من النشاط الاقتصادي في سوريا، من خلال توفير خطوط ائتمان وقروض ميسرة، وإنشاء حاضنات ومسرعات أعمال، وتشجيع هذه المشروعات على الوصول إلى الأسواق الخارجية عبر مجالس الأعمال التي تم الإعلان عنها في أكثر من 17 دولة.

ولفت إلى أن القطاعات الأكثر قدرة على قيادة الشراكة بين القطاعين العام والخاص خلال السنوات المقبلة تشمل: الزراعة، والتصنيع الزراعي، والطاقة، والنقل، والبنية التحتية، وإعادة الإعمار. و أن سوريا تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة لم يُستثمر منها سوى نسبة محدودة، سواء على مستوى الموارد الطبيعية أو الطاقات البشرية أو الموقع الجيوسياسي، مشيراً إلى أن آلاف الطائرات تعبر الأجواء السورية سنوياً، وهو ما يحقق إيرادات مباشرة للموازنة العامة للدولة.

وأشار إلى أن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص يتطلب أعلى درجات الشفافية في العقود والاتفاقيات، والالتزام بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. كما شدد على أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد لم يعد خياراً ترفيهياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية تسهم في خفض تكاليف الإنتاج على المدى الطويل وتعزيز قدرة المنتجات السورية على المنافسة في الأسواق العالمية.

وختم القاضي بالتأكيد على أن النموذج الاقتصادي الذي تتبناه سوريا اليوم لا يقوم على ما يُعرف بـ”الرأسمالية المتوحشة”، بل على اقتصاد سوق اجتماعي يوازن بين حرية النشاط الاقتصادي ودور الدولة الاجتماعي.

وأوضح أن التجارب العالمية الحديثة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، أثبتت أهمية تدخل الدولة عند الأزمات الكبرى لدعم الاقتصاد وحماية القطاعات الإنتاجية.

وأضاف إن الهدف الاستراتيجي لسوريا بحلول عام 2035 يتمثل في بناء طبقة وسطى قوية تمثل ما لا يقل عن 70 بالمئة من المجتمع، باعتبارها الضمانة الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة.


الوطن



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205928

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc