تراجع الليرة السورية يفاقم الضغوط المعيشية
ارتفاع الدولار إلى 14 ألف ليرة يعكس اختلالات اقتصادية مزمنة وتدني التدفقات الخارجية





سيرياستيبس :

تواصل الليرة السورية تراجعها أمام الدولار لتصل إلى 14 ألف ليرة، مدفوعة بضعف الحوالات وتراجع الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد. ويرى محللون أن الأزمة تعكس اختلالات بنيوية في الاقتصاد، مع تأثير محدود للعقوبات وتراجع الاحتياط، مما يفاقم الضغوط المعيشية ويهدد بمزيد من التضخم والركود الاقتصادي.


تسجل الليرة السورية تراجعاً جديداً أمام الدولار، محققة مستويات قياسية بعدما لامس سعر الدولار 14 ألف ليرة، مما يعكس حال اللايقين السائدة مع استمرار الظروف الجيوسياسية في المنطقة واضطراب سلاسل التوريد وتعطلها، ولجوء المستوردين إلى اتخاذ أقصى درجات التحوط للحفاظ على تمويل مستورداتهم، مما انعكس أيضاً في حدوث ارتفاع كبير في أسعار السلع محلياً راوح ما بين 20 و35 في المئة.

ويؤكد اقتصاديون سوريون أن بلادهم تعاني شحاً في النقد الأجنبي وأن تراجع الليرة يعكس اختلالات مزمنة في بنية الاقتصاد المحلي تتعلق بضعف الإنتاج المحلي، واتساع الاعتماد على الاستيراد واستمرار الضغوط النقدية في ظل تراجع الاحتياط من النقد الأجنبي، لكن الأكثر تأثراً كان في تدني الحوالات الخارجية نتيجة الحرب والتخوف من قرارات "المركزي" بتسليم الحوالات بالليرة وبسعر أقل من السعر الموازي، مشيرين إلى أن العقوبات وعلى رغم إلغاء "قانون قيصر"، لا تزال تشكل عائقاً مهماً أمام تدفق التحويلات إلى سوريا بالصورة المطلوبة، مما يؤخر دخول الاستثمارات.

الليرة تفقد 3.12 في المئة من قيمتها خلال أسبوع

وفقدت الليرة السورية خلال الأيام الـ30 الأخيرة، بحسب موقع "الليرة اليوم"، 6.92 في المئة من قيمتها و3.12 في المئة خلال الأسبوع الجاري، ويراوح سعرها حالياً ما بين 13900 و14000 ليرة قديمة للدولار الواحد، وسط مخاوف من حدوث مزيد من الارتفاع.

ويأتي هذا التراجع في قيمة الليرة السورية في وقت تعيش السوق ذروة موسم الحوالات الخارجية مع اقتراب عيد الأضحى، وهي التدفقات التي من المفترض أن تزيد من معروض النقد الأجنبي وتسهم في خفض سعر الصرف أو في الأقل كبح جماح صعوده.

ويرجع اقتصاديون تراجع الليرة إلى تزايد الفجوة بين العرض والطلب، وتراجع القوة الكمية للحوالات مقارنة بحجم التضخم الناجم عن استمرار الظروف الجيوسياسية في المنطقة والتصعيد العسكري الإقليمي والفشل في إنهاء أزمة مضيق هرمز.

ثلث الحوالات التي تتلقاها سوريا تأتي من أوروبا

وتراجع الحوالات حدث من المصادر الرئيسة لها، أي من الخليج وأوروبا، في حين تشير معلومات إلى تراجعها أيضاً من العراق وكردستان العراق ولبنان، حيث يوجد عشرات آلاف العمال السوريين.

المتخصص في السياسات الاقتصادية المقيم في برلين إبراهيم محمد أكد لـ"اندبندنت عربية" أن المعطيات الرسمية السورية والأوروبية الأولية تشير إلى استمرار تراجع حوالات المغتربين السوريين من أوروبا إلى سوريا بسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض قدرتهم الشرائية، إضافة إلى أن ألمانيا التي تُعد المصدر الرئيس للتحويلات، بدأت باستبدال المساعدات النقدية ببطاقات وقسائم لشراء حاجاتهم الأساسية. محمد تحدث أيضاً عن تبعات الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران التي أدت إلى مزيد من التضخم وتقليص قدرة كثير من المغتربين على تحويل المال إلى ذويهم.

ويقدر حجم التحويلات السنوية للمغتربين إلى سوريا بنحو 4 مليارات دولار أميركي، يأتي نحو ثلثها من أوروبا، وتقدر التحويلات السنوية من ألمانيا بأكثر من 400 مليون دولار أميركي، أما نسبة التراجع منذ العام الماضي فتقدر، بحسب مكاتب تحويل ومصادر غير رسمية، بنحو 25 إلى 30 في المئة.

وعلى ضوء الانكماش الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأخرى بسبب استمرار مناخ الحرب وإغلاق مضيق هرمز، لا يتوقع تدفق مزيد من التحويلات المالية في المدى المنظور.

هذا على صعيد تدفقات المغتربين، أما على صعيد التدفقات الرسمية فإن الوضع يسير على غير ذلك، بحسب المتخصص السوري الذي كشف عن أنه خلال مؤتمر بروكسل للمانحين في مارس (آذار) عام 2025 تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 2.5 مليار يورو (2.8 مليار دولار أميركي) خلال عامي 2025 و2026، لكن ليست هناك معطيات عن مبالغ جرى تحويلها فعلياً حتى الآن.

أما بخصوص حزم الدعم المالي الأخرى لأسباب إنسانية، فإن المبالغ التي قُدمت حتى الآن من قبل الاتحاد الأوروبي تتحدث عن 175 مليون يورو (196 مليون دولار) خلال 2025. وبالنسبة إلى العام الحالي فجرى تخصيص 210 ملايين يورو (235 مليون دولار) كمساعدات إنسانية طارئة. وهناك حزمة مالية بقيمة 620 مليون يورو (694 مليون دولار) خصصت لعامي 2026 و2027 من أجل التعافي السياسي والاقتصادي.

ثلث السكان يعتمدون على الحوالات لدعم إنفاقهم

الارتفاع المستمر في سعر الصرف يشير إلى حدوث تراجع في حجم التحويلات كمياً وعجزها عن إحداث التوازن في سوق القطع، وبعد أن تمكنت سوريا من جذب 4 مليارات دولار عام 2025، وفقاً للتقديرات الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي لعام 2024، سجلت الحوالات التي يعتمد عليها أكثر من ثلث السكان تدنياً واضحاً خلال العام الحالي حتى في فترة الأعياد.

من وجهة نظر المحلل الاقتصادي عبدالحميد سليمان، فإن انخفاض الليرة يعود لعوامل داخلية وخارجية.

فعلى المستوى الخارجي يمكن الحديث بصورة رئيسة عن تراجع التحويلات من المغتربين السوريين، خصوصاً من المصادر الرئيسة كدول الخليج، نتيجة تأثر بعض القطاعات بالحرب مثل قطاعي السياحة والخدمات، وما رافق ذلك من توقف للأعمال وتراجع في الدخل وارتفاع أسعار السلع، وفي أحيان كثيرة فقدان العمل، مما أدى إلى خفض المغتربين للمبالغ التي يرسلونها إلى أهاليهم وأحياناً توقيفها، مشيراً إلى أن الحوالات تراجعت بعد الـ28 من فبراير (شباط) الماضي وبدأ معها هبوط الليرة.

سليمان أوضح أن التقديرات تشير إلى أن ثلث السوريين يعتمدون في معيشتهم وإنفاقهم على الحوالات، وإن كان من الصعب جداً تقدير حجم حوالات السوريين، على رغم أن التقديرات شبه الرسمية كانت تفيد بأن المتوسط اليومي ما بين 5 و7 ملايين دولار، ترتفع خلال الأعياد إلى ما بين 13 و15 مليون دولار يومياً، لكن اتساع عدد السوريين في الخارج وكيفية توزعهم وإرسال كثير من الحوالات خارج القنوات الرسمية تجعل من الصعب وضع تقديرات حول إجمال الحوالات.


ووصف سليمان الهبوط في قيمة الليرة بأنه وصل إلى المرحلة التي بدأ معها بالضغط على معيشة السوريين، مشيراً إلى أن السياسات النقدية الأخيرة للمصرف المركزي لم تنجح في احتواء تراجع سعر الصرف، خصوصاً بعد إلزام شركات الحوالات اعتماد سعر صرف رسمي يقل عن سعر السوق الموازية، مما نشط التحويلات نحو السوق غير الرسمية. وأكد أن تحسن الليرة والاقتصاد والمعيشة مرتبط بالتركيز على الإنتاج بشقيه الزراعي والصناعي، متمنياً عدم الانحياز إلى الاستثمارات الريعية وحسب، بما يعنيه ذلك من تبعية للاستيراد واستنزاف القطع الأجنبي، بالتالي استمرار انهيار الليرة وتراجع معيشة السوريين. ولفت إلى أهمية دعم مدخلات الإنتاج التي أتاحها قانون الجمارك الجديد، مما قد يساعد في إحلال المستوردات والدخول في دورات إنتاج تؤمن حاجات السوق من السلع عوضاً عن المستوردات، إضافة إلى توسيع الصادرات، ولكن هذا يحتاج إلى وقت.

ارتفاع الدولار... ظلال قاتمة على معيشة السوريين

وحذر المصرفي السوري محمد باشا من أن بلوغ سعر الدولار عتبة 14000 ليرة سيلقي بظلاله القاتمة على الواقع المعيشي للسكان، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، كما أنه سيعوّق دوران عجلة الإنتاج ويؤدي إلى ركود تضخمي في الأسواق. وأضاف أن ارتفاع سعر الدولار، ومعه الأسعار في عز موسم الحوالات، يمثلان جرس إنذار يتطلب تدخل الحكومة لوقف تدهور الليرة، ويستلزم أيضاً قيام البنك المركزي بمراجعة سريعة لأدواته النقدية ولسياساته في إدارة سوق الصرف ومراقبتها، وإلا سنكون أمام زيادات متتالية وغير قابلة للضبط. ولم يستبعد باشا حدوث مزيد من الارتفاع في سعر الدولار أمام الليرة السورية، بخاصة مع محدودية، وحتى تراجع، الاحتياط النقدي الكافي لدى "المركزي" الذي يمكنه من التدخل بفاعلية في سوق الصرف.

وما يزيد من صعوبة الأمر الاختلال الكبير في الميزان التجاري لمصلحة المستوردات، فيلفت إلى أن موسم شراء القمح سيؤثر أيضاً في سوق الصرف، محذراً من تنامي ظاهرة "الدولرة" وإمعان السوريين في اللجوء إلى الدولار كملاذ آمن.

باشا أوضح أنه على رغم الحديث عن فرص تحسن بعد رفع بعض العقوبات الغربية، فإن إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالثقة والشفافية والامتثال المالي، مما يحد من تدفق الاستثمارات والتحويلات الخارجية، مشيراً إلى أن سعر الصرف لن يتحسن ما لم تترافق المرحلة المقبلة مع إصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد بناء القاعدة الإنتاجية.

تجفيف السيولة المستمر منذ أعوام

ومع تزاحم الأسباب المؤثرة في سعر صرف الليرة السورية، فإن سياسة تجفيف السيولة وتقييد السحب المستمرة منذ أعوام لا تزال ترخي بظلالها على الليرة السورية وتمنع تسعيرها الحقيقي.

ورأى المحلل الاقتصادي ومستشار وزير الاقتصاد والصناعة السابق جورج خزام أن أية محاولة لتجفيف السيولة وتقييد السحب بهدف إخفاء سعر صرف الدولار الحقيقي الذي يعبر عن حقيقة القوة الشرائية المنخفضة لليرة، لن تنجح، والسبب أن الأسعار لا تستجيب لتجفيف السيولة، وإنما الأسعار المرتفعة تفضح حقيقة السعر الحقيقي المخفي العالي للدولار، وهو أعلى مما هو عليه اليوم، مما يفسر صعود الأسعار في الأسواق، على رغم الثبات الوهمي أو على رغم الزيادة البطيئة الحقيقية للدولار.

خزام أوضح في منشور له على "فيسبوك" أن مفهوم تجفيف السيولة بالليرة ليس وحسب منع المواطنين من الوصول إلى إيداعاتهم في المصارف، لأن رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والخبز والضرائب هو أحد أساليب تجفيف السيولة عن طريق خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الجباية المالية، والنتيجة تحصيل أموال أكثر وإنفاق أموال أقل، ومعه تراجع كمية الليرة المتداولة مقارنة بكمية الدولار والبضائع الوطنية المعروضة للبيع.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205772

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc