هل نحن أمام خصخصة صامتة
د هشام خياط : لابدّ من قانون , وشفافية كاملة .ونقاش برلماني على الصفقات الكبرى واستفتاء شعبي حول القطاعات الحساسة من مياه وصحة
مرحلة جديدة من الترقب والتحديات
رؤية محتلفة لمقاربة موضوع الخصخصة في سوريا
واقع قطاع الأعمال والخصخصة في سوريا: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم تصفية للثروة الوطنية؟
سيرياستيبس - خاص
شهدت سوريا بعد تحولات ديسمبر 2024 نقطة انعطاف اقتصادية تحمل في طياتها
الأمل والقلق معاً. دخل قطاع الأعمال السوري مرحلة تحضيرية جديدة، عكستها
عدة خطوات رسمية منها تشكيل مجلس المصدرين السوريين بموجب القرار رقم 73 في
أبريل 2026، وإحداث سجل وطني متخصص لتصنيف الشركات المصدرة حسب القطاعات
الاقتصادية. كما أطلقت وزارة الاقتصاد خطة "انعطافة التعافي" الموعودة،
التي تستهدف إعادة توازن الميزان التجاري من خلال ما أسمته "مأسسة عملية
التصدير".
لكن خلف هذه الخطوات
الشكلية تكمن حقائق اقتصادية قاسية. فالصادرات السورية في عام 2025 لم
تتجاوز 500 مليون يورو "أي حوالي 580 مليون دولار " وإن كانت تمثل زيادة
نسبية بنسبة 39 في المئة مقارنة بفترة مماثلة من 2024، إلا أنها تبقى
متواضعة جداً مقابل احتياجات الاقتصاد السوري , الأمر الأخطر أن هيكل هذه
الصادرات يعكس ضعفاً بنيوياً عميقاً، حيث تشكل المنتجات الزراعية الخام
وحدها 64 في المئة من إجمالي الصادرات، بينما تحتل الصناعات منخفضة القيمة
المضافة المركز الثاني. هذا يعني أن سوريا لا تزال رهينة اقتصاد الصادرات
البدائية، وليس لديها قدرة على التصدير في القطاعات الصناعية والتكنولوجية
عالية الجودة.
في الوقت ذاته، تستمر
الواردات في استنزاف الموارد النقدية للدولة بلا رحمة، مما يؤدي إلى عجز
مستمر في الميزان التجاري، وهو ما يشكل ضغطاً شديداً على الاحتياطيات
الأجنبية والسيولة الحكومية.
الخصخصة: من الحلم إلى الواقع المرّ
هل الخصخصة أصبحت واقعاً فعلياً؟
لا يمكن الإجابة بـ "نعم"
أو "لا" بشكل مباشر. الحقيقة أكثر تعقيداً وأكثر إثارة للقلق. ما يحدث في
سوريا اليوم ليس خصخصة منظمة وفقاً لمعايير اقتصادية واضحة، بل ما يمكن
تسميته "الخصخصة الصامتة" أو بالأحرى التصفية غير المعلنة للأصول العامة.
تتم هذه العملية بطرق
متعددة ومخفية: يتم التنازل عن المنشآت الحكومية الرابحة تدريجياً عبر عقود
إدارة وتوكيل متنوعة، تبدأ بشراكة محدودة وتنتهي بتحويل كامل الملكية إلى
القطاع الخاص. في الوقت ذاته، تم إصدار قانون الشراكة بين القطاعين العام
والخاص في عام 2025 ليشكل الإطار القانوني "الشرعي" لهذه التحويلات. وأضيفت
إلى ذلك خطوات مؤسسية مثل تصنيف المنشآت بين عام وخاص وإنشاء هياكل إدارية
جديدة، كل ذلك يمهد الطريق لعمليات تحويل ملكية منظمة، لكن غير شفافة.
السؤال الأساسي الذي يطرح
نفسه بقوة هنا: هل هذه خصخصة منظمة وفقاً لخطة اقتصادية واضحة، أم أنها
تصفية عشوائية لأصول الدولة لسد الفجوات المالية الطارئة؟ المؤشرات المتاحة
تجيب بوضوح: إنها الخيار الثاني.
اللغز الاقتصادي: لماذا يتم بيع المصانع والمنشآت الرابحة؟
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة
وأكثر مظاهرها إثارة للجدل. من المنطقي اقتصادياً أن تبيع الدول المصانع
والمنشآت غير المربحة أو الخاسرة، لكن ما يحدث في سوريا يسير في الاتجاه
المعاكس تماماً: يتم استهداف المؤسسات الرابحة والمربحة في عملية يصعب
تبريرها حتى من وجهة نظر اقتصادية نقية.
التبريرات الرسمية
تقدم الحكومة السورية عدة تبريرات لهذه السياسة:
أولاً، جلب رؤوس أموال خاصة لتطوير هذه المنشآت وتحديثها، بحجة أن القطاع الخاص أكثر كفاءة وقدرة على الاستثمار.
ثانياً، تخفيف العبء المالي على الميزانية العامة للدولة من خلال نقل مسؤولية تشغيل وصيانة هذه المنشآت إلى القطاع الخاص.
ثالثاً، تحسين الكفاءة
الإدارية والتشغيلية للمنشآت، بدعوى أن الإدارة الخاصة تتمتع بمرونة وحوافز
أفضل من الإدارة الحكومية البيروقراطية.
الواقع المحتمل والمقلق
لكن وراء هذه التبريرات تكمن حقائق اقتصادية وسياسية أعمق وأكثر قتامة:
نقص السيولة الحكومية
الحاد يبدو هو السبب الأساسي والمباشر. الدولة السورية تواجه عجزاً
ميزانياً حاداً، وتحتاج إلى نقود فورية وعاجلة لتغطية النفقات الجارية
والرواتب والخدمات العامة. بيع الأصول الحكومية هو الطريقة الأسرع والأسهل
لتجميع أموال سريعة، حتى لو كانت على حساب المستقبل الاقتصادي للدولة.
التصفية السريعة للأصول
القيمة قبل أن يتراجع قيمتها أو قبل أن تنقضي فرصة البيع بسعر "مقبول". هذا
منطق قصير الأجل للغاية: بيع "الثمرة الناضجة" الآن وترك الأشجار الجرداء
لاحقاً.
المزايدات السياسية
والمحاباة تلعب دوراً لا يمكن إنكاره. قد يتم بيع منشأة رابحة بأقل من
قيمتها الحقيقية لشخص أو مجموعة لها علاقات سياسية "وثيقة"، وكأنها جائزة
سياسية بدلاً من صفقة اقتصادية عادية.
غياب الرؤية الاستراتيجية
طويلة المدى واضح تماماً في هذه السياسات. الحكومة تركز على الفائدة
الفورية والقصيرة الأجل، دون الاهتمام بتأثير هذه البيوعات على الدخل
الحكومي المستقبلي أو على استقلالية الاقتصاد الوطني
.
المشكلة الجوهرية
هنا تكمن المأساة
الاقتصادية الحقيقية: عندما تبيع الدولة منشأة رابحة، فإنها لا تفقد فقط
الأصل، بل تفقد مصدر دخل دائم ومستمر يمكن أن يدر عليها أرباحاً لعقود
قادمة. بدلاً من ذلك، تصبح الدولة مستأجرة من مواطنيها نفسهم، وتعتمد كلياً
على القطاع الخاص في تقديم الخدمات الأساسية. وما يحدث عادة بعد ذلك أن
أسعار هذه الخدمات ترتفع بشكل حاد لأن الشركات الخاصة تسعى دائماً لتعظيم
أرباحها، مما يرفع الضغط على محفظة المواطن العادي.
هل خصخصة منشآت التعبئة فكرة سيئة حقاً؟
الإجابة أكثر تعقيداً من "نعم" أو "لا". هناك جوانب إيجابية وسلبية
الحجج المؤيدة للخصخصة أو الشراكة
منشآت تعبئة المياه ليست خدمة حتمية مثل شرب الماء من الصنبور. الناس يختارون شراء المياه المعبأة اختياراً
السوق تنافسي نسبياً. وجود عدة منتجين يعني منافسة على السعر والجودة، وليس احتكار لا يرحم.
قطاع إنتاجي صناعي وليس خدمة عامة. المعايير الاقتصادية مختلفة.
القطاع الخاص قد يحسّن الكفاءة والتسويق والوصول إلى أسواق جديدة (التصدير مثلاً).
جلب استثمارات لتحديث المنشآت وزيادة الإنتاج
الحجج المعارضة للخصخصة
منشآت المياه المعبأة رابحة وتدر دخلاً للمؤسسة الأم (المؤسسة العامة للصناعات الغذائية). بيعها يعني خسارة مصدر دخل.
المياه مادة حساسة بيئياً واستراتيجياً حتى لو كانت معبأة. من يسيطر على منشآت تعبئة المياه يؤثر على الموارد المائية الوطنية.
المشترون قد يكونون أجانب ينقلون الأرباح للخارج، بدلاً من أن تبقى الأرباح في الاقتصاد المحلي.
قد يحدث احتكار خاص إذا اشترت شركة واحدة كل المنشآت.
الأسعار قد ترتفع بعد الخصخصة لأن الشركة الخاصة تسعى لتعظيم الأرباح.
السيناريو المتوازن والواقعي
بدلاً من الخصخصة الكاملة أو الرفض المطلق، هناك طريق وسط عملي:
الشراكة بين القطاعين (PPP) كحل أمثل:
الدولة تحتفظ بالملكية الأساسية لمنشآت التعبئة والمياه كمورد استراتيجي.
القطاع الخاص يدخل في عملية التطوير والتسويق والتصدير مع حصة مئوية من الأرباح للدولة.
عقود واضحة وشفافة تحدد مدة الشراكة، حقوق والتزامات كل طرف، توزيع الأرباح.
رقابة حكومية على معايير الجودة والسعر والاستدامة البيئية.
مشاركة في إدارة العمليات لضمان استفادة المواطنين من التحسينات.
شروط أساسية للشراكة:
منع احتكار واحد: إذا كانت هناك شراكة، يجب أن يكون هناك عدة شركاء منافسين في مناطق جغرافية مختلفة.
حد أقصى للأسعار: الدولة تحدد سعراً سقفياً لا تستطيع الشركة تجاوزه.
الأولوية للمشترين المحليين: بيع المنشآت لشركات سورية محلية أفضل من بيعها لأجانب.
معايير بيئية صارمة: استخدام المياه يجب أن يتم بطريقة مستدامة وليس باستنزاف الموارد.
نقل التكنولوجيا والخبرة: يجب أن تستفيد الكوادر المحلية من خبرة الشركاء.
الخلاصة: الموقف الحكيم
خصخصة منشآت تعبئة المياه
ليست خطأ فادحاً كما هو الحال مع شبكات مياه الشرب، لكنها أيضاً ليست الحل
الأمثل إذا تمت بطرق عشوائية وغير شفافة.
البديل الأفضل: شراكة
مدروسة بين القطاعين تحقق المزايا (الاستثمار، التطوير التقني، الوصول
للأسواق) مع الحفاظ على السيطرة الحكومية على الموارد المائية وضمان عدم
استنزاف الثروة المائية.
الشرط الذهبي: أي شراكة أو تحويل ملكية يجب أن يتم بـ شفافية كاملة، عقود واضحة، وموافقة برلمانية
الآثار السلبية الممتدة للخصخصة غير المدروسة
إذا استمرت سياسة الخصخصة العشوائية والعجولة، ستكون النتائج كارثية على عدة جبهات
1. فقدان الثروة الوطنية بشكل دائم
عندما
تبيع الدولة أصلاً منتجاً للدخل، فإنها لا تفقد فقط الأصل نفسه، بل تفقد
سلسلة لا نهائية من الدخل المستقبلي. مصنع يدر 10 ملايين دولار سنوية سيدر
مليارات الدولارات على مدى عقدين أو ثلاثة. عندما تبيعه مقابل 50 مليون
دولار، قد تحقق ربحاً فورياً، لكنك فقدت مليارات الدخل المستقبلي. بعبارة
أخرى، الدولة تصبح مستأجرة من شركاء اقتصاديين بدلاً من أن تكون مالكة
ومستفيدة
.
2. ارتفاع حاد في الأسعار وتسريح عمالي
عندما تنتقل الملكية
إلى القطاع الخاص، تتغير الأولويات بشكل جذري. بدلاً من البحث عن خدمة عامة
وكريمة للشعب، تصبح أولوية الشركة الخاصة هي تعظيم الأرباح. هذا يعني:
• رفع أسعار الخدمات والمنتجات (المياه قد ترتفع 30-50%، الكهرباء والغاز ستتحرك نفس الاتجاه)
• تقليل العمالة وفصل الآلاف من الموظفين لتقليل التكاليف
• تقليل جودة الخدمة في المناطق النائية والفقيرة
• زيادة تركيز الخدمات في المناطق الغنية والتجارية
3. من احتكار عام إلى احتكار خاص (والأسوأ حقاً)
قد يقول البعض: "على الأقل
سنتخلص من احتكار الدولة السيء". لكن هذا تفكير خاطئ. الاحتكار الخاص أسوأ
من الاحتكار العام في كثير من الأحيان، خاصة في القطاعات ذات الطبيعة
الاحتكارية الطبيعية مثل المياه والكهرباء. لا توجد منافسة حقيقية يمكن أن
تخفف سيطرة الشركة الخاصة، لذا تصبح أسيرة لفئة احتكارية خاصة بدلاً من أن
تكون تحت رحمة بيروقراطية عامة.
4. تآكل السيادة الاقتصادية والوطنية
عندما يتحكم الأجانب
أو النخبة المحلية بأصول استراتيجية للدولة (الفوسفات، المياه، الطاقة،
البنية التحتية)، تفقد الدولة مستقلها الاقتصادي. تصبح مسائل حيوية تتعلق
بالأمن الغذائي والمائي والطاقوي رهينة قرارات استثمارية خاصة قد لا تتوافق
مع المصلحة الوطنية.
5. تدهور الخدمات العامة والتمييز الجغرافي
الشركات الخاصة تبحث عن
الربحية، لذا تركز استثماراتها على المناطق والقطاعات الرابحة. المناطق
النائية والريفية والفقيرة ستكون الخاسر الأكبر. ستشهد انقطاعات متكررة
وخدمات منخفضة الجودة، بينما تتمتع العاصمة والمدن الكبرى بخدمات ممتازة.
6. فساد متزايد وصفقات مريبة
في بيئة غير شفافة
وغير منظمة، الخصخصة تصبح ساحة للفساد والمحسوبية. تُباع المنشآت بأقل من
قيمتها الحقيقية لشخصيات لها "معارف". تُوقع عقود مريبة بشروط غير واضحة.
تُخصص حقوق احتكار لفئات معينة. الفساد ليس مشكلة جانبية في الخصخصة غير
المدروسة؛ بل هو عنصر متأصل فيها.
لماذا الشراكة بين القطاعين أفضل من الخصخصة الكاملة؟
إذا كانت الخصخصة الكاملة
محفوفة بالمخاطر، فإن الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) توفر بديلاً
توازناً يحقق مزايا كلا الطرفين دون أخذ مساوئهما كاملة.
المزايا النسبية: مقارنة واضحة
الجانب الخصخصة الكاملة الشراكة (PPP)
من يمتلك الأصل؟ ينتقل للقطاع الخاص بالكامل يبقى تحت ملكية الدولة
من يحدد الأسعار؟ الشركة الخاصة (بحرية كاملة) الدولة (مع حافز الربح المعقول)
توزيع المخاطر منتقلة بالكامل للدولة مشتركة ومتوازنة
الرؤية الزمنية قصيرة المدى (الربح السريع) طويلة المدى (الاستدامة)
الخدمة العامة ثانوية ومتأخرة في الأولويات أساسية وأولية
المرونة والتحديث أعلى (الحوافز الخاصة) متوسطة (توازن بين الأطراف)
متى تكون الشراكة الخيار الأمثل؟
الشراكة بين القطاعين تعمل بشكل ممتاز في الحالات التالية:
مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل الطرق السريعة والموانئ والمطارات، حيث تحتاج إلى استثمارات ضخمة تتجاوز قدرة الدولة وحدها
نقل التكنولوجيا والخبرة الدولية في مجالات مثل الطاقة النظيفة والنقل الحديث ومحطات معالجة المياة
المشاريع التي تحتاج تمويلاً مختلطاً بين القطاعين لتقليل الضغط على الميزانية الحكومية
متى تكون الخصخصة مقبولة (وليست كارثية)؟
هناك قطاعات محدودة حيث الخصخصة ليست كارثة
قطاعات الخدمات غير الاستراتيجية مثل الفنادق والمطاعم والمقاهي والترفيه
الصناعات التجارية التنافسية مثل المنسوجات والملابس والأغذية المصنعة، حيث توجد منافسة حقيقية
الخدمات الاستشارية والمتخصصة التي لا تمس جوهر الأمن الوطني
القطاعات المحرمة على الخصخصة
المياه والصرف الصحي - حق إنساني
الكهرباء والطاقة - أمن قومي
الصحة والتعليم - حقوق أساسية
النقل العام والمواصلات - خدمة حتمية الموارد الطبيعية الاستراتيجية - الفوسفات والمعادن والزراعة
مشكلة الإدارة العامة: هل حُلّت أم تفاقمت؟
قد يقول بعضهم: "لا مشكلة
في الخصخصة إذا كانت الإدارة الحكومية فاشلة حتماً". لكن هذا تفكير خطير
ومختزل. الحقيقة أن ضعف الإدارة العامة في سوريا لم يُحل، بل يبدو أنه
تفاقم.
الأدلة على استمرار الضعف:
البيروقراطية المعقدة لا تزال سيدة الموقف. الإجراءات الحكومية معقدة للغاية وتستغرق أسابيع وأحياناً أشهراً لإنجاز أبسط المعاملات.
التعيينات السياسية لا
تزال المعيار الأول. من يعين في المناصب العليا ليس بالضرورة الشخص الأكثر
كفاءة أو خبرة، بل الشخص الذي له "علاقات" سياسية قوية.
آليات المساءلة ضعيفة ومتغيّبة. عندما يحدث فساد أو خطأ إداري، نادراً ما يُحاسب المسؤول بشكل حقيقي.
الفساد المؤسسي متجذر. صفقات غامضة، عقود مريبة، توظيف لأشخاص غير مؤهلين - كل هذا لا يزال يحدث بانتظام.
الروتين والجمود المؤسسي
يجعلان البيئة الحكومية طاردة للكفاءات والمهنيين الحقيقيين. الموظفون
الجيدون يغادرون البيروقراطية الحكومية بحثاً عن وظائف في القطاع الخاص.
السبب الجذري للمشكلة
المشكلة الأساسية أن
الحكومة اختارت الطريق الأسهل والأسوأ: بدلاً من إصلاح الإدارة العامة من
الداخل (وهو عمل صعب وطويل الأمد)، اختارت بيع المنشآت (طريق سريعة لجلب
أموال فورية). الخصخصة أصبحت بديلاً سهلاً ومريحاً عن مواجهة المشاكل
الحقيقية والعميقة في الإدارة الحكومية.
والأسوأ من هذا أن الإدارة
العليا نفسها ضعيفة: الوزراء والمديرون العامون في كثير من الأحيان ليسوا
خبراء اقتصاديين محترفين، بل هم أشخاص عينتهم الأحزاب والقيادة السياسية،
وقد يكونون استفادوا من الأنظمة السابقة لديهم رؤية محدودة ولا يملكون
استراتيجية واضحة للمستقبل. وفي الوقت ذاته، غابت الكفاءات الشابة والمهنية
التي يمكنها أن تقود تطوراً حقيقياً.
السيناريوهات المحتملة للمستقبل
بناءً على الاتجاهات الحالية والمؤشرات المتاحة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: المسار الأسفل (احتمالية 60%)
هذا السيناريو يتوقع استمرار وتسارع الخصخصة العشوائية:
1. بيع متسارع للمنشآت الرابحة خلال السنوات القليلة القادمة، سعياً لجلب أموال فورية
2. تدهور تدريجي في الخدمات العامة خاصة في المياه والكهرباء والنقل
3. ارتفاع حاد في أسعار الخدمات الأساسية يفوق قدرة معظم المواطنين على التحمل
4. احتجاجات شعبية واسعة في 2026-2027 استجابة للأزمة المعيشية
5. إلغاء عشوائي وفوضوي لبعض عقود الخصخصة دون خطة بديلة واضحة
نتيجة هذا السيناريو: أزمة اقتصادية واجتماعية حادة تشبه التجارب الدولية المُرّة.
السيناريو الثاني: الإصلاح الحقيقي (احتمالية 20%)
سيناريو أفضل لكن أقل احتمالاً:
1. إدارة حكومية محسّنة وحقيقية مع تطبيق معايير الكفاءة والمهنية
2. شراكة مدروسة مع القطاع الخاص في المجالات المحددة فقط (تكنولوجيا، بنية تحتية)
3. بقاء القطاع العام في القطاعات الاستراتيجية والحساسة
4. استثمار حقيقي في تطوير الموارد البشرية والتدريب الإداري
نتيجة هذا السيناريو: نمو اقتصادي مستدام مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي.
السيناريو الثالث: الكارثة الكاملة (احتمالية 20%)
سيناريو أسود الطالع:
1. تصفية شاملة لمعظم المنشآت الحكومية دون خطة أو تدقيق
2. احتكار كامل من القطاع الخاص للخدمات الأساسية
3. انهيار القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة
4. نزوح جماعي للخارج بحثاً عن فرص أفضل
نتيجة هذا السيناريو: انهيار اقتصادي واجتماعي يصعب الخروج منه.
الشرعية الديمقراطية والقانونية: الثغرة الخطيرة
هناك مسألة جوهرية يجب إثارتها: هل من الجائز قانونياً وديمقراطياً تصفية الثروة الوطنية دون وجود مجلس شعب?
الإجابة واضحة: لا، هذا تجاوز خطير.
الأسباب:
الصلاحية الدستورية:
أي تصرف في الثروة الوطنية والأصول الحكومية من نوعية الخصخصة يتطلب موافقة
برلمانية. لا يمكن لحكومة أن تفعل هذا وحدها دون تمثيل الشعب.
الشفافية والعلانية: غياب
مجلس شعب يعني غياب رقابة برلمانية حقيقية على هذه الصفقات. لا أحد يسأل:
كم سعر البيع؟ من المشتري؟ هل السعر عادل؟
المساءلة والمسؤولية: من
المسؤول أمام الشعب إذا حدثت "كارثة" اقتصادية بسبب خصخصة غير موفقة؟ في
الأنظمة الديمقراطية، الحكومة تُحاسب من خلال الانتخابات والبرلمان.
الاستدامة والتغيير
السياسي: قرارات اقتصادية كبرى بدون توافق سياسي واسع عرضة للإلغاء
والتراجع عند تغيير الحكومة. هذا يخلق عدم استقرار اقتصادي وعدم وضوح
للمستثمرين.
الشرعية الأخلاقية: الشعب السوري يستحق أن يصوت على مصيره الاقتصادي. ترك هذا للحكومة وحدها يعني انتزاع حق أساسي من المواطنين
ما الذي يجب أن يحدث؟
لإضفاء شرعية حقيقية على أي عملية خصخصة
:
تشكيل مجلس شعب عاجل
وضع قانون خصخصة واضح يحدد بدقة القطاعات المسموحة والممنوعة
شفافية كاملة في الصفقات (أسعار معلنة، مشترين معروفين، شروط واضحة)
نقاش برلماني حقيقي عن كل صفقة خصخصة كبرى
استفتاء شعبي حول القطاعات الحساسة مثل المياه والصحة
الخلاصة: الطريق الصحيح للخروج
سوريا تقف اليوم أمام
مفترق طرق حاسم. يمكن أن تختار طريقاً يضمن نمواً اقتصادياً مستدام عادل،
أو أن تستمر في الطريق الحالي الذي يقود إلى كارثة اقتصادية واجتماعية.
الخطوات الضرورية والعاجلة
إيقاف فوري للخصخصة العشوائية والبيوعات غير المدروسة
وضع خطة وطنية شاملة توضح رؤية واضحة لكل قطاع
أولوية للشراكة على الخصخصة في جميع المشاريع
حظر مطلق على خصخصة المياه والصحة والتعليم والخدمات الأساسية
🔧 إصلاح جاد وعميق للإدارة العامة بدلاً من الهروب منها
🏛️ تشكيل برلمان حقيقي يصادق على أي خصخصة ويرقبها
الخيار النهائي : أمام دولة سوريا خياران لا ثالث لهما
الخيار الأول: الاستمرار
في بيع الثروة الوطنية لسد عجوزات مالية قصيرة الأجل، مما سيؤدي إلى كوارث
اقتصادية واجتماعية طويلة الأجل لا يمكن استعادتها.
الخيار الثاني: إصلاح حقيقي للقطاع العام + شراكات مدروسة + قيادة اقتصادية مهنية تؤمن بالنمو المستدام والعدالة الاجتماعية.
القرارات التي تُتخذ اليوم
ستحدد مستقبل سوريا الاقتصادي والاجتماعي لعقود قادمة. لا مجال للعشوائية
أو المراهنة على الحظ. الوقت متسارع، والفرصة سريعة الزوال.
هذا التحليل يستند إلى
بيانات من مجلس المصدرين السوريين (2025-2026)، التقارير الاقتصادية
الرسمية عن الصادرات، والدراسات المقارنة للتجارب الدولية في خصخصة الخدمات
العامة.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=205694