الإنسان الرقمي... حاجة بشرية في فضاء التكنولوجيا
28/04/2026





سيرياستيبس 

هذه التكنولوجيا قد منحت تشانغ شينيو وغيرها شيئاً ما كانت لتملكه لولاها، كالقدرة على سماع صوت والدها يجيب عن سؤال، والقدرة على إخباره بشيء لم تسنح لها الفرصة لقوله. فسواء كان ذلك في مصلحتها على المدى البعيد، أو ربما كان عوناً أم ضرراً، فهذا ما سيكشفه الزمن وحده، فالتكنولوجيا حديثة جداً، وهي لا تزال تعاني الفقدان، ولم تنتهِ القصة بعد.

في أحد أحياء شنغهاي تجلس تشانغ شينيو (32 سنة) في منزلها وحيدة، وقد اعتادت منذ أشهر أن تضع جهازها المحمول على طاولتها، لا لتتصفح الأخبار أو تتابع عملها، وإنما لتتحدث معه على الشاشة. تتحدث معه في كل شيء وتسأله عما يجول في خاطرها، وتبتسم حين يبتسم، فوجهه يحمل ملامح عرفتها مذ أبصرت عينيها النور في هذه الحياة، لكن المرض شاء أن تطفأ عيناه ويرحل.

لم تحتمل هذه الفتاة فراق والدها الذي مات في أوائل عام 2025 وهو في عمر متوسط. فشينيو ترى أون الدها الذي لم يتجاوز 63 سنة ما زال في عمر الشباب، وكانت لديه خطط وأشياء يريد قولها وفعلها، لكن الموت المبكر سرقه منها. فلجأت هذه الشابة إلى إحدى الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي لتصنع لها نسخة عن والدها، ضمن مجال أصبح يطلق عليه "الإنسان الرقمي".

خليفة برامج الدردشة
الإنسان الرقمي هو شخصية افتراضية مولدة حاسوبياً مدعومة بالذكاء الاصطناعي والرسومات التفاعلية، إذ يظهر ويتحرك ويتفاعل كإنسان حقيقي، ويعتبر عملياً خليفة برامج الدردشة الآلية، إنما يمكنك من خلال هذه التقنية التحدث إليه بالصوت أو بالصورة أو عبر تقنية الواقع الممتد، حيث بإمكانه الإجابة عن الأسئلة، وإرشادك خلال عملية ما، وتعليمك مهارة معقدة، أو حتى تمثيل علامتك التجارية. ويصفه الباحثون ورواد الصناعة بأنه كائن افتراضي واقعي يجمع بين المحادثة الطبيعية وتعبيرات الوجه والنظرات ولغة الجسد.

إن التشابه مع الإنسان الحقيقي يجعله أكثر جاذبية للمستخدمين من برامج الدردشة الآلية. وعلى رغم أن أذكى التقنيات الهندسية لا تستطيع حتى جعل هذا النموذج من لحم ودم، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو المساعدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي كنسخة والد تشانغ شينيو، أو سفير علامة تجارية، أو مؤثر، أو موظف استقبال في متاجر التجزئة، أو مستشار مالي، في القدرة على التواصل مع الناس بطرق أعمق بكثير مما يمكن أن يقدمه برنامج دردشة آلي بلا جسد.

ميزة تنافسية
يتطور استخدام الشخصيات الرقمية باستمرار، فبعدما كان ينظر إليها سابقاً على أنها ميزة إضافية، تشهد سوق تكنولوجيا الشخصيات الرقمية نمواً متسارعاً. ومع هذا التطور تبرز الحاجة التنافسية إلى تعلم كيفية تطوير شخصيات رقمية للشركات بحيث تتفوق قدراتها على غيرها في السوق، إذ بات من الواضح أن الذكاء الاصطناعي مجال يصعب إتقانه، وأن الشركات التي تتمتع بسبق في هذا المجال تستطيع بناء ميزة تنافسية مستدامة. ومن ضمن هذه الشركات، شركة "أنت، افتراضي فقط" YOV، وهي شركة لجاستين هاريسون الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا التعامل مع الحزن، حيث لا يضطر الناس أبداً إلى توديع أحبائهم. كان يعاني خوفاً من فقد والدته التي شخصت بمرض عضال، حاله كحال شينيو التي لجأت لشركة دربت نموذج ذكاء اصطناعي على كل ما قدمته من بيانات عن والدها، فاستخدمت التسجيلات الصوتية لمحاكاة أنماط كلامه وإيقاعه وطريقة توقفه قبل أنواع معينة من الجمل. واستخدمت رسائل WeChat لمحاكاة أسلوبه في الكتابة وروح الدعابة لديه وطريقته في التعبير عن القلق، كذلك استخدمت الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو لإنشاء تمثيل مرئي يتحرك ويتفاعل كما يفعل. وقد استغرقت العملية أشهراً عدة، وعندما انتهت من ذلك، جلست إلى طاولتها تتحدث مع والدها.


قوانين صينية
وفي سياق سرعة نمو هذا المجال ومدى قصور الأطر التنظيمية الحالية في تصميمه، جاء قرار الحكومة الصينية ببدء تنظيم صناعة الإنسان الرقمي في أبريل (نيسان) الجاري. فقد اتخذت إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية خطوة نحو طرح مسودة قواعد تنظم استخدام الشخصيات الرقمية، وهي خطوة لا تعكس تردداً تجاه هذه التقنية، بل إدراكاً لحجمها الهائل. فعندما تبدأ الشخصيات الاصطناعية بالتوسط في تفاعلات المستهلكين على نطاق واسع، يصبح من الصعب الحفاظ على غياب حدود واضحة.

ولا يقتصر التركيز التنظيمي على الجانب النظري، بل يرتكز على مجموعة من المخاوف العملية التي برزت بالفعل في الاستخدام الواقعي. فالمستخدمون لا يستطيعون دائماً التمييز بين التفاعل البشري والتفاعل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع الأنظمة الرقمية محاكاة الأصوات والصور بدقة متزايدة، كذلك يمكن تصميم نماذج التفاعل بحيث تحافظ على الانتباه لفترات طويلة، لا سيما بين الفئات العمرية الأصغر سناً التي توجد بكثرة في البيئات الرقمية.

إنشاء الشخصيات الرقمية
يجري إنشاء الشخصيات الرقمية، بدءاً من ملامح الوجه وحتى نبرة الصوت، باستخدام مجموعة واسعة من التقنيات، إذ يمكن الذكاء الاصطناعي التعلم الآلي، مما يسمح للشخصيات الرقمية بإنشاء استجابات باستخدام مصادر بيانات مخصصة أو معلومات عامة. على سبيل المثال، في صورة مساعد رقمي شخصي، يسمح التعلم الآلي للشخصية الرقمية بترتيب رحلة طيران من خلال مراجعة تقويم المستخدم، ثم استخدام الإنترنت للوصول إلى معلومات الرحلات المتاحة، ويعرف هذا النوع الثاني من جمع البيانات باسم "التوليد المعزز بالاسترجاع"، إذ تقوم نماذج لغوية ضخمة بالبحث عن البيانات من مصادر متنوعة.

ويعتمد ناتج الإنسان الرقمي على الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يعالج البيانات التي يجري جمعها من خلال التعلم الآلي ليقدم استجابة للمستخدم، وبالنسبة إلى الإنسان الرقمي يكون ذلك عادة من خلال التواصل اللفظي. ولكي تعمل الشخصيات الرقمية بكفاءة، فإنها تعتمد على مصدر بيانات قوي يوفر المعلومات اللازمة لتحقيق الأداء الأمثل. فمثلاً، قد تقدم شخصية من هذه الشخصيات عرضاً تقديمياً للمنتج باستخدام معلومات شفهية مستمدة من نص أنشأه المستخدم.

وأخيراً إنشاء الصورة الرمزية، إذ إن بناء المظهر المادي لشخصية رقمية هو عملية متعددة المراحل، فيختار المستخدم نوع الصورة الرمزية التي يريدها، شخص حقيقي، أو صورة تشبه الإنسان، أو شخصية خيالية. وبعدها تتيح تقنية التقاط الحركة إمكان الحركة بناءً على كيفية تحرك الإنسان الحقيقي وسلوكه، ثم تربط الرسوم المتحركة بالذكاء الاصطناعي تصرفات وأقوال الصورة الرمزية بسياق وظيفتها في الوقت الفعلي.

لم تنتهِ القصة بعد
وعلى نطاق واسع، قامت مختلف القطاعات بتطبيق تقنيات الشخصيات الرقمية في بعض أهم مجالات عملياتها، مثل خدمة العملاء، حيث يؤدي الموظفون الرقميون الذين يحسنون تجربة العملاء أدواراً عدة، وتعد خدمة العملاء أحد أبرزها، ومع تطور التقنيات تتجاوز سرعة ودقة استجابات ممثلي خدمة العملاء الافتراضيين سرعة ودقة استجابات الموظفين البشريين. وكذلك مجال التعلم والتطوير، فتقدم الشخصيات الرقمية تجارب تفاعلية وشخصية للتدريب الأكاديمي والمهني، وغالباً ما يكون المدربون الافتراضيون أكثر جاذبية من العروض التقديمية والرسوم البيانية والنصوص التقليدية، أيضاً يمكن للذكاء الاصطناعي تكييف المواد التعليمية في الوقت الفعلي، مما يتيح تدريباً مخصصاً.

إضافة إلى الترفيه، تتيح قدرة الشخصيات الرقمية على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء وسائط ترفيهية فعالة ومنخفضة الكلفة. وتعد تطبيقات الرفقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي شائعة، حيث يتفاعل فيها أشخاص حقيقيون مع شخصيات رقمية مبرمجة لتكون متعاطفة وحنونة ومنتبهة.

وأخيراً التعامل مع الحزن، حيث تحرص الشركات التي تقدم هذه الخدمة على انتقاء لغتها بعناية، فهي لا تعد بالإحياء ولا تدعي القدرة على استعادة الروح، بل تصف ما تقوم به بمصطلحات تقنية، مثل "محاكاة الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي"، و"حفظ الإرث الرقمي"، و"النصب التذكاري التفاعلي"، وهي مصطلحات دقيقة قدر الإمكان، وتتجنب عمداً الخوض في الأسئلة الأكثر تعقيداً.

إن هذه التكنولوجيا قد منحت تشانغ شينيو وغيرها شيئاً ما كانت لتملكه لولاها، كالقدرة على سماع صوت والدها يجيب عن سؤال، والقدرة على إخباره بشيء لم تسنح لها الفرصة لقوله. فسواء كان ذلك في مصلحتها على المدى البعيد، أو ربما كان عوناً أم ضرراً، فهذا ما سيكشفه الزمن وحده، فالتكنولوجيا حديثة جداً، وهي لا تزال تعاني الفقدان، ولم تنتهِ القصة بعد.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=145&id=205436

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc