كوليت خوري تودع الزمن السوري وتلامس الشمس
11/04/2026
سيرياستيبس
توفيت الأديبة والكاتبة السورية البارزة كوليت خوري (مواليد عام 1931) اليوم الجمعة في مدينة دمشق، عن عمر ناهز 95 سنة.
ونعى الوسط الأدبي والثقافي السوري والعربي خوري، التي تعد من رائدات الرواية السورية الحديثة، وهي حفيدة رئيس الوزراء السابق فارس الخوري، وكتبت باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية وكانت صوتاً للتمرد النسوي، وعبرت عن هموم المرأة العربية منذ منتصف القرن الماضي وحتى وقت قريب من خلال إبداعاتها المتوهجة في الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالة الصحافية.
وتداول مؤثرون على صفحات التواصل الاجتماعي عبارات النعي للكاتبة الراحلة، و"كأن قطعة من وجه دمشق قد انطفأت، وكأن المدينة فقدت إحدى حارسات ذاكرتها الذهبية"، كما كتب أحدهم، فيما دونت أخرى "كانت الراحلة صوتاً أدبياً جريئاً ومختلفاً، لم تكن مجرد كاتبة، بل شاهدة على زمن، وناطقة بتناقضاته، ورافعةً لأسئلة الإنسان في مواجهة التحولات الكبرى".
بدأت كوليت خوري نشر مقالاتها في سن مبكرة، إذ صدرت لها باكورة كتاباتها عام 1957 تحت عنوان "عشرون عاماً". وأصدرت عدداً من الأعمال الأدبية التي تناولت موضوعات وطنية وإنسانية وأنثوية، من بينها "دمشق بيتي الكبير" و"دعوة إلى القنيطرة"، إضافة إلى مؤلفات تناولت سيرة جدها فارس الخوري أبرزها "أوراق فارس الخوري"، إضافة إلى "ومر الصيف".
ومن أبرز أعمالها أيضاً مجموعات قصصية مثل "امرأة" و"طويلة قصصي القصيرة" و"صفحات من الذاكرة"، إلى جانب سلسلة "ستلمس أصابعي الشمس" التي صدرت عام 1962.
حال أدبية خاصة
وكوليت خوري حال أدبية خاصة في الثقافة السورية، امرأة كتبت ذاتها بجرأة وواجهت المجتمع بالكلمة وفتحت باباً واسعاً أمام الأدب النسوي السوري والعربي، ليكون أكثر صدقاً وحرية. وصنعت من الكتابة مساحة للاحتجاج ومن الأدب وسيلة لتحرير الصوت الأنثوي، لتبقى واحدة من أبرز الأسماء التي أثرت في مسار الرواية العربية الحديثة.
لم تكن نشأتها عادية، فهي حفيدة السياسي والمفكر فارس الخوري أحد أبرز رجالات الاستقلال السوري، وهو ما منحها منذ الطفولة تماساً مبكراً مع عالم الفكر والنقاش العام.
وداخل منزلها، لم تكن الكتب مجرد زينة بل جزءاً من الحياة اليومية، تُفتح كما تفتح النوافذ على العالم. هذه البيئة الغنية دفعتها إلى الكتابة بوصفها حاجة داخلية مبكرة.
وكانت، كما روت عبر أحاديثها ومقابلاتها، تلجأ إلى الورق لتقول ما لا تستطيع قوله بصوت مرتفع، وهكذا بدأت علاقتها باللغة، لا كأداة تعبير فحسب بل كملاذ شخصي ومساحة للتمرد الصامت.
في مطلع شبابها، اختارت أن تدرس الحقوق والأدب الفرنسي متنقلة بين دمشق وبيروت، مما أتاح لها الاطلاع على ثقافتين مختلفتين هما العربية بعمقها التقليدي والغربية بأسئلتها الحديثة.
هذا التداخل الثقافي ظهر لاحقاً بوضوح في كتاباتها، التي جمعت بين الحس الرومانسي الأوروبي والقلق الاجتماعي الشرقي.
عندما نشرت أول أعمالها في عشرينيات عمرها بعنوان "عشرون عاماً" لم تمر مروراً عادياً، فكان صوتها مختلفاً وجريئاً، بل وصادماً أحياناً.
فخلال زمن كانت فيه الكتابة النسوية محكومة بسقف منخفض من الجرأة، جاءت كوليت خوري لتكتب عن الحب والرغبة والحرية من داخل التجربة الأنثوية نفسها، لا من خارجها. ولم تكن تكتب عن المرأة بوصفها موضوعاً بل بوصفها ذاتاً كاملة، تفكر وتشعر وتختار.
شكلت روايتها الأشهر "أيام معه" علامة فارقة في مسيرتها، إذ قدمت نموذجاً لعلاقة عاطفية تُروى بلسان امرأة تعي ذاتها وتدافع عن حقها في الحب من دون اعتذار.
هذا الطرح أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام جيل كامل من الكاتبات لكسر الصمت.
ومع توالي الأعوام، لم تحصر نفسها في جنس أدبي واحد، إذ كتبت الرواية كما كتبت القصة القصيرة، وخاضت تجربة الشعر والمقالة، وامتدت إلى الكتابة المسرحية والدراسات التاريخية. وتجاوز إنتاجها الأدبي الـ30 كتاباً، توزعت بين نصوص ذاتية الطابع وأخرى تنشغل بالهم العام.
وعملت الأديبة الراحلة أيضاً في الصحافة، فكانت مقالاتها امتداداً لصوتها الأدبي، تحمل الروح ذاتها من جرأة في الطرح ووضوح في الموقف واهتمام خاص بقضايا المرأة والمجتمع. وعملت في التدريس الجامعي، مما أتاح لها الاحتكاك بجيل جديد من القراء والكتاب، وأسهم في ترسيخ حضورها الثقافي.
قريباً من السياسة
ولم تبتعد كوليت خوري من الشأن العام، إذ دخلت الحياة السياسية لفترة وانتُخبت عضواً في مجلس الشعب السوري خلال تسعينيات القرن الماضي. هذا الحضور لم يكن منفصلاً عن كتابتها، فالمرأة التي دافعت عن حرية الفرد في نصوصها، سعت أيضاً للتعبير عن هذه القيم في الفضاء العام.
ما يميز تجربة كوليت خوري لغتها الشفافة التي تميل إلى البساطة من دون أن تفقد عمقها، وتغلب عليها نبرة وجدانية صادقة، وكتبت كما لو أنها تهمس للقارئ، لكنها في الوقت نفسه طرحت أسئلة كبيرة حول الحب والحرية والقيود الاجتماعية.
على امتداد مسيرتها، بقيت خوري وفية لفكرة أساس مفادها أن الكتابة فعل حرية، فلم تسع إلى إرضاء المجتمع بقدر ما سعت إلى مواجهته، ولم تحاول التخفف من جرأتها بمرور الزمن بل حافظت على صوتها صريحاً وشخصياً ومشاكساً.
في عام 1990، رشحت نفسها لمجلس الشعب وفازت على مدى دورتين متتاليتين، قدمت خلالهما خدمات كثيرة للشارع السوري على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، لتكون نموذجاً مدهشاً لـ"المثقف الفعلي" الذي يتفاعل مع قضايا وهموم مجتمعه ولا يكتفي بالبقاء في مقعد المتفرج و"التنظير".
سيدة دمشقية، عاشقة وأديبة، تغنت بدمشق وأبدعت أدباً لطيفاً سلساً قريباً من القلب. تقول "ما استطعت يوماً أن أنسلخ عن بيئتي ومدينتي والوطن. ما استطعت يوماً أن أغني إذا ارتفع في ذلك اليوم صراخ من بيت مجاور، ما استطعت يوماً أن أضحك إذا كنت في ذلك اليوم قد رأيت وجهاً أعرفه يبكي، أنا إنسانة مختلطة بذرات هذه المدينة، لطالما بكيت ورقصت معها، ولطالما اغتربت معها وفيها، فلا تسلني ما هي الحدود بين تجربتي وكتاباتي، أنا جزء من هذه المدينة ومن هذا الوطن، وحين أكتب عن أي شيء في العالم، مهما كان بعيداً، يظل قلبي يزرع بين الأحرف والسطور آهاتي الشخصية وابتساماتي التي هي انعكاسات لهذه المدينة".
برحيل كوليت خوري، تخسر الثقافة السورية اسماً ترك أثراً واضحاً في الرواية والشعر والسرد النسوي، وإرثاً أدبياً سيبقى جزءاً من الذاكرة الثقافية السورية، وشاهداً على مسيرتها، وعلى روح لا تزال حاضرة في وجدان القراء ومحبي الأدب.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=205192