الماعز التي غابت عن الجبال
كيف خسر الريف السوري ثروة صامتة كان يمكن أن تحمي الغابات وتدعم السلم الأهلي



 
سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد

في الجبال المطلة على الساحل السوري والسفوح المطله على سهل الروج وسهل الغاب وجبل التركمان ، حيث تتشابك غابات السنديان والصنوبر والبلوط مع بساتين الزيتون والليمون والرمان والتفاح واللوز ، كانت تربية الماعز لعقود طويلة جزءاً من الحياة اليومية للقرى الجبلية. لم تكن مجرد نشاط زراعي بسيط، بل كانت منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تسد إحتياجات العائله من الحليب والجبن والجلود وتؤمن دخلاً متواضعاً لكنه مستقر لآلاف الأسر الريفية. ومع تشديد القيود على السوريين سكان القرى الجبليه وتفرغ وزاره الزراعه لملاحقه المربين خلال العقود الماضية بحجة حماية الغابات من الرعي الجائر بدلا من العمل على خطط لحمايتها من الحرائق ،ومع اصدار القانون 39/2023 الخاص بالحراج والذي وضع من قبل وزير الزراعه السابق لخدمه الامانه السوريه للتنميه ووضع قيودا وغرامات على كل شيء يمارسه سكان هذه القرى , تراجعت هذه المهنة التقليدية تدريجياً، لتترك فراغاً اقتصادياً في مناطق تعاني أصلاً من محدودية فرص العمل.
الماعز تنظف الغابات ومنعها كان خدمة لمصالح ضيقة
 
أتت حرائق صيف 2025 على آلاف الهكتارات من الغابات السوريه، ومع استمرار التهديد عاما بعد عام ، يعود النقاش حول هذه السياسات هل كانت القيود المفروضة على تربية الماعز ضرورة بيئية، أم خطيئه أدت إلى خسارة مورد اقتصادي مهم كان يمكن تنظيمه بدلاً من إلغائه؟
يؤكد كثير من خبراء الزراعة أن الماعز هي الحيوان الأنسب للبيئات الجبلية الوعرة مثل جبال الساحل السوري فهي قادرة على العيش في تضاريس صعبة، و بشهيتها النهمة تستفيد من النباتات البرية والأغصان الجافة والأعشاب البرية التي لا تصلح غذاءً لأنواع أخرى من الماشية ،وتنظف الأرض من الوقود الذي يغذي الحرائق كما تستهلك كميات أقل مقارنة بالأبقار والأغنام ولاتحتاج للأعلاف، كما انها تذهب للرعي وتعود دون حاجه لوجود راع ما يجعل تربيتها أكثر ملائمة للقرى الفقيرة ذات الموارد المحدودة .
اعتمدت آلاف العائلات في المناطق الجبلية على الماعز كمصدر دخل يومي عبر بيع الحليب و الجبن البلدي وبيع الجداء, وكان هذا النشاط البسيط يشكّل شبكة أمان اجتماعي غير معلنة، تساعد الأسر على الصمود في مواجهة تقلبات الاقتصاد والمواسم الزراعية
السبب الرئيسي الذي استندت إليه السياسات التي قيّدت تربيه الماعز كان حماية الغابات من الرعي الجائر، غير أن الدراسات الزراعية تشير إلى أن المشكلة ليست في الماعز نفسها، بل في غياب تنظيم الرعي وإدارة المراعي ونقص الدراسات العلميه لدى وزاره الزراعه والإعتماد على شعارات مجهوله المصدرلم يثبت اساس علمي لها فالخطر على الغابات السوريه كان دائما يأتي من الحرائق التي كانت اما بفعل فاعل لوضع اليد عليها أوبسبب الظروف المناخيه في نهايه موسم الصيف وعدم تنفيذ وزاره الزراعه للخطط الموضوعه لإنشاء مايسمى طرق النار وتقليم الأشجار وتجديد الغابات بزرع أشجار صغيره بدلا من الأشجار القديمه اليابسه .
الرعي المُقيد لإدارة الغابات وحمايتها
   
 تعتمد الدول المتقدمة اليوم على الماعز كأداة بيئية لحماية الغابات ففي الولايات المتحدة، خصوصاً في ولاية كاليفورنيا وفي إسبانيا والبرتغال وفرنسا وقبرص واليونان ..... ، تستخدم البلديات قطعان الماعز لتنظيف الأعشاب والشجيرات الجافة التي تشكل وقوداً للحرائق وأصبح ما يُعرف بـالرعي المقيد جزءاً من برامج إدارة الغابات، حيث يتم توظيف السكان المحليين لتوجيه قطعان الماعز إلى مناطق محددة للمساهمه في تنظيف الأعشاب الجافة، وتحسين بنية التربة عبر السماد الطبيعي، مما يدعم جهود إعادة تأهيل الغابات وتقليل خطر الحرائق , فالماعز لا يعد تهديداً بل جزءاً من نظام إدارة بيئية متوازن
.
ومن المفارقات المؤلمه أن سوريا، التي كانت الموطن التاريخي لإحدى أفضل سلالات الماعز في العالم، وهي العنزة الشامية المعروفة بإنتاجها العالي من الحليب وولادتها التوأميه، خسرت تدريجياً ريادتها في تربية هذه السلالة. فقد انتقلت بؤرة الاهتمام بهذه السلالة إلى الأردن، حيث عملت الدوله هناك على تطويرها وتحسينها وراثياً، وأصبحت اليوم جزءاً من قطاع اقتصادي منظم وبات الأردن ينظم مهرجانات ومعارض خاصة بالماعز الشامي ومنتجاته، ويشجع تربيته وتسويقه، حتى أصبح مصدّراً لهذه السلالة ومنتجاتها إلى دول أخرى , هذه المفارقة تعكس كيف يمكن لسياسات التنظيم والدعم أن تحول مورداً محلياً إلى ثروة وطنية، في حين يؤدي غياب التخطيط إلى خسارة الريادة التاريخية في قطاع زراعي مهم .
 

إلى جانب دورها البيئي في حمايه الغابات، يمكن لتربية الماعز أن تشكل رافعة اقتصادية حقيقية للقرى الجبلية الفقيرة. فالسلالات المحلية، تعد من أفضل السلالات في إنتاج الحليب، إذ يمكن للرأس الواحد أن ينتج خمس ليترات يومياً وعند تحويل هذا الإنتاج إلى منتجات غذائية مثل الجبن البلدي واللبنة والقريشة، ترتفع القيمة الاقتصادية للحليب بشكل كبير كما أن الماعز يلد مرتين خلال العام , وفي الدول المتوسطية أصبحت هذه المنتجات جزءاً من اقتصاد ريفي متكامل يربط الزراعة بالصناعات الغذائية الريفية


 خمس رؤوس ماعز .. لمواجهة تكاليف المعيشة

في سوريا يرى خبراء تمت استشارتهم فوائد اقتصادية وبيئية مزدوجة من فكره مشروع صغير مقترح يبدأ ب 5 رؤوس ماعز لكل عائلة في القرى الجبيله. يكلف البدء به (حظيرة بسيطة - ماعز - علف أولي) نحو 10 ملايين ليرة سورية تقريباً، حسب الأسعار الحالية، يغطي جزء مهم من احتياجات العائله ويعود بدخل يومي منتظم من بيع الحليب الطازج والجبنة واللحم في الأسواق المحلية هذا الدخل يساعد الأهالي على تحمل تكاليف المعيشة ، خاصة بعد الخسائر التي خلفتها الحرائق،وهو ما يمنح المجتمعات الجبلية قدرة أكبر على البقاء في أراضيها بدل الهجرة إلى المدن .

لا تقتصر أهمية هذا النشاط على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى دوره في تعزيز الاستقرار الاجتماعي فالاقتصاد الريفي الصغير يخلق روابط تعاون بين العائلات والقرى، ويعزز روح التضامن والتكافل في المجتمعات المحليه فعندما تشارك العائلات في رعاية الماعز وتنظيف المناطق المشتركة مع الغابات، تنمو روح التعاون والمسؤولية المشتركة, ويصبح الجميع شريكاً في حماية سوريا ومواردها، مما يقلل التوترات المجتمعية ويعزز الثقة بين الأهالي والجهات الرسمية ويبني روابط أقوى داخل القرى وتتعزز العلاقات التجاريه مع المدن والبلدات التي تحتاج لمنتجاتها وعندما تتوفر فرص العمل والدخل تقل معدلات النزوح والهجرة، وتزداد قدرة المجتمع المحلي على الحفاظ على توازنه الاجتماعي, ومن هنا يصبح دعم الأنشطة الاقتصادية التقليدية، مثل تربية الماعز وصناعة الألبان والأجبان، جزءاً من سياسة أوسع لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، و يتحول المشروع إلى أداة لترسيخ السلم الأهلي

الماعز كجزء من مستقبل اقتصادي أكثر توازناً في جبالنا  

يقترح خبراء تمت استشارتهم اعتماد مقاربة أكثر توازناً تقوم على تنظيم الرعي وتحديد مناطق مخصصة له بدلاً من سياسة المنع الشامل، إلى جانب دعم الصناعات الغذائية الريفية وتشجيع التعاونيات الزراعية. ويمكن لبرامج بسيطة مثل تحديد مسارات للرعي، ودعم المشاريع المتناهيه الصغر، وتطوير معامل محليه للألبان، أن تحوّل تربية الماعز إلى قطاع اقتصادي حيوي .
فالجبال التي كانت يوماً موطناً لقطعان الماعز ليست فقط جزءاً من الذاكرة الريفية، بل يجب أن تكون أيضاً جزءاً من مستقبل اقتصادي أكثر توازناً وعدالة. وفي زمن يبحث فيه السوريون عن طرق لإعادة بناء اقتصادهم المحلي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، قد يكون من الحكمة إعادة النظر في ثروات صغيرة كانت دائما جزءاً طبيعياً من حياة الجبل والقرية . مشروع صغير في حجمه.. كبير في أثره يحمي الغابات ويخفف أعباء المعيشة ويبني سلما أهلياً مستداماً , والحلول الأقرب إلى الأرض هي الأكثر قدرة على بناء مستقبل أفضل.



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=132&id=205029

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc