الحسكة السورية... أقسى من الجفاف الغرق
28/03/2026
سيرياستيبس
تشهد مناطق الحسكة وريفها منذ منتصف مارس (آذار) الجاري أمطاراً غزيرة أدت إلى سيول وفيضانات وجريان أنهر وجداولها بعد أن كانت في معظم السنوات السابقة تعاني شحاً في المياه أو جفافاً تاماً في معظم الأوقات.
ويبرز نهر الخابور كأحد أكبر أنهار منطقة الجزيرة، ويضم عدداً من الروافد المحلية أبرزها جرجب وزركان وجغجغ (هيرماس في مسماه التاريخي)، حيث فاضت جميع هذه الأنهر وكذلك الجداول في الريف شمال شرقي سوريا.
أولى الأمطار الغزيرة التي أثرت بشكل مباشر على السكان المحليين كانت في الـ14 من الشهر الجاري بمدينة الحسكة وريفها القريب الذي يضم مخيمين لنازحي منطقة سري كانيه (رأس العين)، وهناك اشتدت الأمطار وأغرقت عدداً من قطاعات المخيمين بسبب طبيعة المكان الجغرافية وكذلك ضعف البنية التحتية، الأمر الذي أدى بالنازحين القاطنين إلى الاستغاثة بالسلطات المحلية ليجري التدخل بعد ساعات من الغرق والبرد من جانب السلطات المحلية بتقديم المساعدات الصحية والإنسانية عبر كل من "الهلال الأحمر" الكردي و"منظمة بارزاني" الخيرية التي افتتحت مقرها أخيراً في مدينة القامشلي.
الأكثر هشاشة
لكن المشهد لم يعد يقتصر على النازحين الذين يعتبرون من الفئات الأكثر هشاشة في المنطقة بل انسحب على سكان القرى والمدن الكبيرة مثل الحسكة، حيث فاض نهر الخابور بداية من خلال عاملي الأمطار الغزيرة وجريان المياه من مجراه في مدينة سري كانيه والأراضي التركية، وبالتحديد من نقطة عبور النهر في قرية تل حلف الأثرية باتجاه بلدة تل تمر التي قطع فيها الفيضان طريق M4 الذي فتح حديثاً باتفاق الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لتسهيل عملية التنقل بين المحافظات، وبذلك تعرقلت حركة سكان عشرات القرى في تنقلاتهم، وكذلك توقف حركة الشاحنات التي بدأت حديثاً في نقل البضائع على الطريق الدولي الواصل بين الحسكة والرقة وحلب.
داخل مدينة الحسكة التي يمر فيها نهر الخابور قادماً من جهتها الغربية محاذياً عدداً من الأحياء المكتظة في ناحيتها الجنوبية، ازادت غزارة المياه بشكل غير مسبوق خلال السنوات العشر الماضية في الأقل، وأدى هذا الفيضان إلى تسلل المياه إلى الأحياء والمنازل المتاخمة لمجرى النهر، خصوصاً في أحياء النشوة وغويران والمريديان والليلية وغيرها من الحواري الموجودة على سرير النهر.
حتى تاريخ إعداد هذا التقرير وخلال الأسبوعين الأخيرين غمرت المياه الأحياء المذكورة مرتين في الأقل وبعض المنازل ما زالت مغمورة بالمياه على مستوى أكثر من نصف متر مما أدى إلى نزوح أهلها وتضرر مقتنياتهم.
خلال الأيام الماضية تدخلت المحافظة المشكلة حديثاً بعد تعيين مرشح قوات سوريا الديمقراطية المهندس نورالدين أحمد، واستطاعت توجيه عدد من المنظمات الإنسانية لتقديم بعض المساعدات للسكان والتدخل على المستوي الهندسي، لكن الإمكانات تبدو ضعيفة مقارنة بحجم الأضرار التي يحدثها الفيضان بالمحافظة.
وبحسب الإحصاءات المحلية، فإن نحو 200 عائلة أجليت من هذه الأحياء فيما بقيت مئات أخرى تحاول معالجة أزمة المياه التي غمرت منازلها محدثة أضراراً في الأثاث والمقتنيات والأغطية والفرش، ناهيك عن تعطل نظام الصرف الصحي بالكامل في الأحياء المتأثرة بفيضان مجرى النهر.
السيول المدمرة
إلى الشمال الشرقي من مدينة الحسكة، وبالتحديد في بلدة تل حميس وقراها التابعة لريف القامشلي الجنوبي، تأثرت عشرات القرى والمزارع بالأمطار الغزيرة التي شكلت سيولاً في المنطقة، مما أدى بالسكان لطلب الإغاثة والتدخل من الحكومة السورية، والتي بدورها لم تشكل بعد مؤسساتها الخدمية في هذه المنطقة منذ دخولها قبل نحو شهر من الآن، كما انهار عدد من البيوت الطينية في ريف المنطقة، وسبقتها في ذلك منطقة عامودا أيضاً.
كما تضررت مدينة ديريك (المالكية) الواقعة في أقصى شمال شرق البلاد والمحافظة، حيث جرفت الأمطار التربة والأرصفة المحيطة بمجرى النهر المسمى محلياً بـ"كورنيش نهر ديريك"، وذلك عقب جريان السيول من خلف الحدود مما أدى إلى انهيار جزئي في بعض أجزاء الجدار الإسمنتي الحدودي لتركيا، وفق مصادر محلية، الأمر الذي أدى إلى استنفار للخدمات البلدية تحسباً لإحداث الفيضان الجارف أضراراً داخل المدينة.
على إثر الوضع المتدهور في عموم محافظة الحسكة والمناشدات الصادرة من الأهالي للتدخل في تقديم المساعدة وانتشالهم من ظروف الفيضانات والسيول، وصلت قافلة من مركبات عدة تابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث والدفاع المدني السوري التابع للحكومة إلى المنطقة بغية تقديم خدمات عاجلة على مستويات عدة، لاسيما في مدينة الحسكة، ومراقبة الوضع.
وقال مدير إدارة البحث والإنقاذ والإطفاء وسام زيدان، لـ"اندبندنت عربية" إن "محافظات سورية عدة، بالإضافة إلى الحسكة، تشهد أحوالاً جوية شديدة التأثير ترافقت مع هطول أمطار غزيرة ومستمرة مسببة ارتفاعاً في منسوب مياه الأنهار والجداول ومجاري المياه الموسمية، بخاصة القادمة من خارج الحدود، وكل ذلك أدى إلى زيادة الضغط على مجاري التصريف الطبيعي وعلى البنية التحتية بالمدن والقرى".
داخل مدينة الحسكة تضررت مئات المنازل جراء دخول المياه إلى الشوارع والأحياء، وتقدر الجهات المحلية الأعداد بأكثر من 400 منزل تعرضوا لأضرار في البنية والمقتنيات، إضافة إلى تجمع المياه في الشوارع والأحياء لأيام عدة من دون إمكانية تصريفها، وعلى إثرها أجليت حوالي 120 عائلة من الأحياء المتضررة، وجرى فتح مركز إيواء في إحدى المدارس القريبة وتضم نحو 40 عائلة، لكنها تشكو من ضعف المساعدات المقدمة، إضافة إلى مطالبة المتضررين بمعالجة الوضع جذرياً لضمان عدم تكراره.
درجة الخطورة
يصنف المسؤول السوري في وزارة الطوارئ الوضع الحاصل على أنه متوسط إلى عالي الخطورة في بعض المناطق ضمن محافظة الحسكة، مع وجود مخاطر مستمرة نتيجة استمرار هذه هطول الأمطار. وعليه تعمل فرق الطوارئ على المتابعة الميدانية، وتم تعزيزها في الحسكة بفرق مؤازرة إضافية من كافة المحافظات السورية.
ودخلت هذه الفرق صباح الأربعاء الماضي مدينة الحسكة وانضمت إلى نظيرتها في الإدارة الذاتية بعد يوم عمل في منطقة تل حميس، حيث قامت بفتح مجاري التصريف المياه ورفع السواتر الترابية لحماية القرى والبلدات القريبة من نهر الخابور بعدما فاض وتسبب بأضرار لحقت بما يقارب أكثر من مئة منزل داخل مدينة الحسكة.
وينشر في محافظة الحسكة عدد من السدود المائية التي تستخدم لتخزين المياه لري المزروعات، وبعضها يقع في الريف القريب من مدينة الحسكة، وآخر في ريف ديريك والقامشلي، وعلى إثر الأمطار والفيضانات ازداد منسوب المياه فيها بشكل لافت هذه السنة.
وفي هذا الصدد، ينوه زيدان إلى أن المؤشرات الحالية تستدعي مراقبة مستمرة، بخاصة مع ارتفاع الوارد المائي ونسبة التخزين في أغلب السدود المائية في سوريا، مشيراً إلى وجود تنسيق مستمر مع إدارة الموارد المائية لمتابعة أي مستوى خطر يستدعي التدخل المباشر في ما يخص السدود.
تتمثل استجابة فرق الدفاع المدني في مثل هذه الحالات، بحسب زيدان، بسحب المياه من المنازل والطرقات، وفتح قنوات التصريف الطارئة، وتأمين إخلاء الحالات الأكثر خطورة عند الحاجة، إضافة إلى تقديم الإسعافات اللازمة في حال وجود إصابات، وتقديم الدعم الطارئ ضمن الإمكانات المتاحة وبالتنسيق مع منظمات إنسانية. مضيفاً "في المخيمات نعمل قدر الإمكان على الحد من تأثير الفيضانات عبر تصريف المياه وفتح المجال الموقت".
ويتابع أن حجم الأضرار واتساع قطاع التأثير إلى جانب طبيعة المخيمات الهشة تجعل هذا التدخل محدوداً وصعباً ويحتاج إلى جهود مضاعفة نعمل على بذلها بالتنسيق مع شركاء وجهات حكومية ومنظمات إنسانية لتأمين الحلول الأكثر استدامة في ما يخص المخيمات بالتحديد".
وتواجه فرق الدفاع المدني في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عديداً من التحديات وبخاصة في محافظة الحسكة، أبرزها اتساع رقعة المناطق المتضررة، وتعدد البؤر التي تعرضت لفيضانات، وتعدد المجاري المائية الموسمية ومجاري الأنهار التي كانت قد جفت خلال سنوات سابقة، إلى جانب الضعف الكبير في البنية التحتية بالمحافظة والقرى والبلدات، وفق المتحدث، كما أن شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار تعاني من ضعف شديد، إضافة إلى وجود صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق التي تتجمع فيها المياه، وتضرر الطرق الواصلة إليها، إلى جانب محدودية الموارد والمعدات الثقيلة والمعدات الخاصة بالعمل في ظروف الفيضانات، وجميعها عوامل تشكل تحدياً إضافياً أمام فرق الوزارة المشكلة حديثاً في سوريا.
ويلفت المسؤول في وزارة الطوارئ السورية، إلى أن خصوصية الوضع في محافظة الحسكة من ناحية الظروف الإدارية والتنظيمية والتنسيقية السابقة في المنطقة التي كانت خارج نطاق عمل مؤسسات الدولة لفترة طويلة، تفرض تحديات لوجستية وإجرائية تتعلق بالدخول وبالتنسيق وافتتاح مراكز ومديريات طوارئ بشكل كامل، مما يحد من سرعة الانتشار وتوسيع نطاق الاستجابة ضمن المحافظة. مستدركاً "على رغم كل هذه التحديات تعمل فرق الدفاع المدني على تعزيز التنسيق مع الجهات المحلية، ومع المجتمع المحلي في المحافظة، لبذل أقصى الجهود الممكنة لإنقاذ المدنيين وتقديم المساعدة، وسيكون هناك قريباً افتتاح لمديريات الطوارئ بشكل دائم ضمن المحافظة".
وعلى رغم الإجراءات المتخذة بغية التخفيف من الأضرار اللاحقة بالمدنيين، تحذر السلطات من استمرار سوء الأحوال الجوية وهطول الأمطار في قادم الساعات والأيام، حيث تشير توقعات الطقس إلى هطول الأمطار حتى بدايات شهر أبريل (نيسان) المقبل، وبكميات غزيرة في إطار تعرض المنطقة لمنخفضات جوية متتالية.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=205024