تداعيات حرب المنطقة .. ما مصير الاستثمارات الخليجية الموعودة في سوريا؟
15/03/2026





سيرياستيبس 

تتسارع التطورات العسكرية في المنطقة لتلقي بظلالها على الملفات الاقتصادية الأكثر تعقيداً، إذ كشف تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن احتمالات جادة لإعادة نظر دول الخليج في استثماراتها الخارجية وتعهداتها المستقبلية، وذلك نتيجة الضغوط المالية الناجمة عن المواجهات الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران. هذا الواقع يضع التطلعات الاقتصادية السورية، التي كانت تعول على تدفق رؤوس الأموال الخليجية، أمام اختبار حقيقي، وسط تساؤلات عن مصير هذه الاستثمارات وما إذا كانت ستدخل مرحلة التجميد أم ستخضع لمقاربات جديدة أكثر حذراً.

ضغوط الحرب والمراجعات الداخلية
وفقاً لما نقلته "فايننشال تايمز" عن مسؤولين خليجيين، فإن ثلاثاً من أكبر أربع اقتصادات خليجية بدأت تناقش بشكل مشترك الضغوط المفروضة على ميزانياتها، مع تفعيل مراجعات داخلية لتحديد إمكانية تفعيل بنود "القوة القاهرة" في العقود الحالية. وتأتي هذه الخطوات كإجراء احترازي ناتج عن انخفاض عائدات الطاقة، وتباطؤ الإنتاج أو عدم القدرة على الشحن عبر مضيق هرمز، فضلاً عن تأثر قطاعات السياحة والطيران وزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما قد يؤثر على كل شيء بدءاً من رعاية الأحداث الرياضية وصولاً إلى بيع الحصص والالتزامات الاستثمارية تجاه الدول والشركات الأجنبية.

واقع الاستثمارات الخليجية وقدرتها على التكيف
وفي قراءة لـ المشهد، يوضح الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، مهند الزنبركجي في تصريح خاص أن "فرضية هروب الاستثمارات بالكامل من دول الخليج تظل مستبعدة تماماً". ويشير الزنبركجي إلى أن هذه الاقتصادات ليست قائمة على استثمارات أفراد فحسب، بل هي مرتبطة بوثوق مع اقتصادات وصناديق سيادية عالمية وبورصات دولية لا يمكن فكها بسهولة. كما تمتلك هذه الدول نظام حوكمة مستقل وشفافية عالية ومخططين استراتيجيين عالميين يدرسون كافة السيناريوهات، مما يمنحها ديناميكية عالية وسرعة في التكيف مع الظروف السياسية المتغيرة، خاصة مع التركيز على الاستثمار العقاري الذي يضمن بقاء الأصول داخل الدولة حتى في حال تغيرت جنسيات المستثمرين.

المخاطر مقابل غياب الشفافية في سوريا
وعن مصير الفرص الاستثمارية المرتبطة بسوريا، يرى الزنبركجي أن "المستثمر الأجنبي، والخليجي تحديداً، لا يتعامل مع المخاطر بوصفها عاملاً مانعاً بحد ذاته، بل يديرها ضمن معادلة محسوبة". إلا أن العامل الأكثر حساسية لا يتمثل في المخاطر السياسية فحسب، بل في غياب الشفافية وضبابية القواعد التي تحكم البيئة الاستثمارية السورية. ويؤكد أن أيّ محاولة لإقناع الصناديق السيادية بالدخول في مشاريع طويلة الأمد يجب أن تنطلق من بناء منظومة ثقة مؤسساتية قادرة على تقديم ضمانات عملية وتقليل الغموض.

المتطلبات المؤسسية والبيئة القانونية المستقلة
كذلك، يشدد الزنبركجي على أن جذب الاستثمار الخليجي يتطلب إعادة تصميم الإطار المؤسسي بحيث يتم عزل المشاريع الاقتصادية الكبرى عن التقلبات السياسية والإدارية اليومية، مستشهداً بنماذج مثل "مركز دبي المالي العالمي" الذي خلق بيئة قانونية مستقلة وقضاء اقتصادياً متخصصاً وآليات تحكيم دولية. ويرى أن تفعيل الانضمام لمؤسسات مثل "المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)" يرسل إشارة مباشرة للمستثمرين بأن النزاعات لن تبقى حبيسة النظام القضائي المحلي، بل ستُعالج ضمن إطار قانوني دولي محايد يضمن حماية الأصول.

تغيير نمط العلاقة مع الصناديق السيادية
وفيما يخص طبيعة العلاقة مع الدولة السورية، يشير الزنبركجي إلى أن الصناديق السيادية الكبرى، مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي لم تعد تكتفي بدور الممول، بل تميل لنماذج الشراكة الاستراتيجية التي تمنحها دوراً في الإدارة ومراقبة الأداء. ومن هنا يصبح من الضروري فتح المجال أمام نماذج شراكة مرنة تسمح بتقاسم الخبرة والتمويل، وتحويل مذكرات التفاهم السياسية إلى اتفاقيات تنفيذية مرتبطة بجداول زمنية، بدلاً من بقائها في إطار "النوايا" غير الملزمة.

تحديات البيروقراطية والثقافة الإدارية
ويعتبر الزنبركجي أن التحدي الحقيقي يكمن في "مدى قدرة الجهاز الإداري والاقتصادي السوري الحالي على مواكبة ديناميكية المستثمر الخليجي، إذ لا تزال الثقافة البيروقراطية تعيق سرعة اتخاذ القرار". كما أن غياب مركز اقتصادي موحد لاتخاذ القرار يشكل عائقاً إضافياً، إذ يحتاج الاستثمار الدولي إلى جهة واحدة تمتلك صلاحية التنسيق والحسم بدلاً من تداخل صلاحيات الوزارات والمؤسسات التي قد تتضارب قراراتها وتخلق حالة من عدم اليقين.

خارطة طريق للمرحلة المقبلة
وينصح الزنبركجي صانع القرار في سوريا بإنشاء كيان مؤسسي متخصص يتولى إدارة الصفقات الكبرى مع الصناديق السيادية، على غرار التجربة السعودية التي بدأت بهيئة الاستثمار قبل أن تتحول لوزارة كاملة الصلاحيات. ويقول: "إن النجاح يكمن في اختبار السوق عبر عدد محدود من المشاريع الرمزية التي تتحول لقصص نجاح ملموسة، بدلاً من توقيع عشرات الاتفاقيات دون تنفيذ فعلي، فالمستثمر الخليجي يبحث اليوم عن استقرار قانوني يحمي الأصول، وسرعة في التنفيذ، ومنظومة حوكمة شفافة تعزز الثقة طويلة الأجل حتى في ظل التعقيدات الجيوسياسية".

العين السورية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204896

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc