كيف تؤثر حرب إيران على البنية التحتية الرقمية في المنطقة؟
15/03/2026





سيرياستيبس 

عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، كانت التداعيات على أسواق الطاقة العالمية فورية وموثقة، أما ما حظي باهتمام أقل بكثير فهو التهديد غير المباشر للبنية التحتية الرقمية.

الصراع، الذي دخل أسبوعه الثاني، أدى لأول مرة في التاريخ إلى إغلاق نقطتي عبور رئيستين للبيانات البحرية في العالم في آن واحد، إذ يمر حوالى 17 كابلاً بحرياً عبر البحر الأحمر، ناقلاً الغالبية العظمى من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. وتمر كابلات أخرى عبر مضيق هرمز، تخدم إيران والعراق والكويت والبحرين وقطر. وفي حال انقطاع أي منها، لن تتمكن سفن الإصلاح المتخصصة من الوصول بأمان إلى أي من الممرين.

وتعتمد استثمارات هائلة في البنية التحتية التكنولوجية الأميركية، واستثمارات أخرى مخطط لها تقدر قيمتها بتريولانات الدولارات، على كابلات الألياف الضوئية التي تمر عبر مناطق الحرب الحالية. وقد أمضت شركات "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" أعواماً في بناء مراكز بيانات بمنطقة الخليج العربي، مراهنة على أن تصبح المنطقة المركز العالمي القادم للذكاء الاصطناعي.

الكابلات البحرية وأهميتها
الكابلات البحرية هي عبارة عن كابلات ألياف ضوئية تُمد في قاع المحيطات والبحار لنقل البيانات بين القارات. وتشكل هذه الكابلات العمود الفقري للإنترنت والاتصالات العالمية، مما يتيح اتصالات فائقة السرعة للشركات والحكومات والأفراد. وتنقل هذه الكابلات أكثر من 99 في المئة من حركة البيانات الدولية، وتدعم كل شيء بدءاً من البث المباشر والخدمات المصرفية عبر الإنترنت ووصولاً إلى الحوسبة السحابية، وقد صممت لتحمل الظروف القاسية تحت الماء، وهي ضرورية للاتصال العالمي والنشاط الاقتصادي.

تتيح هذه الكابلات إنترنت فائق السرعة، ومكالمات هاتفية دولية، ومعاملات مالية، وخدمات سحابية تشغل الاقتصاد الحديث. ومن دونها، ستتعرض التجارة العالمية والخدمات المصرفية، وحتى عمليات الأمن القومي، لاضطرابات كبيرة.

وتعتمد الحكومات والشركات والأفراد على هذه الشبكات في كل شيء بدءاً من تداول الأسهم في الوقت الفعلي وصولاً إلى مؤتمرات الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي. وعلى عكس الأقمار الاصطناعية، التي تتميز بزمن استجابة أعلى وسعة أقل، توفر الكابلات البحرية اتصالاً أسرع وأكثر موثوقية، مما يجعلها أساسية للاتصال العالمي السلس. وتؤدي أيضاً دوراً حيوياً في البنية التحتية الحيوية، إذ تدعم قطاعات مثل الطاقة البحرية، والبحث العلمي، والدفاع العسكري.

ماذا يحدث في حال تخريب الكابلات البحرية؟
في حال تخريب الكابلات البحرية، قد تكون العواقب وخيمة على قطاعات متعددة، إذ تنقل هذه الكابلات حركة البيانات العالمية، لذا فإن أي انقطاع فيها قد يؤدي إلى انقطاعات واسعة النطاق في الإنترنت، مما يؤثر على الشركات والعمليات الحكومية والأفراد.

وتعتمد المعاملات المالية الدولية، بما في ذلك تلك التي تتم عبر نظام "سويفت"، على هذه الكابلات، مما قد يتسبب في عدم استقرار الأسواق. وتعتمد خدمات حوسبة سحابية عدة على هذه الشبكات، مما يؤدي إلى اضطرابات في العمليات التجارية والترفيهية.

وفي ما يتعلق بالتأثير الاقتصادي والتجاري، فقد تتعرض عمليات الموانئ وشفافية سلسلة التوريد وأنظمة تتبع السفن للخطر، وهذا ما يؤدي إلى تأخير التجارة العالمية واضطراب الأسواق الدولية وأسعار صرف العملات.

وهناك أخطار عسكرية وتتعلق بالأمن القومي حيث تعتمد دول عدة على الكابلات البحرية للاتصالات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخبارية، وقد يؤدي أي خلل فيها إلى عرقلة العمليات الاستراتيجية. وفي حال التلاعب بالكابلات، قد يحدث اعتراض للبيانات أو تجسس إلكتروني.

ضرب مراكز البيانات
شهدت الخدمات المصرفية وخدمات الدفع وخدمات الشركات والمستهلكين في الإمارات انقطاعات في وقت سابق، إثر استهداف مراكز بيانات خدمات "أمازون" السحابية في البلاد بطائرات إيرانية مسيرة. وبينما استهدفت إيران ووكلاؤها حقول النفط في الماضي، فإن هجماتهم هذا الأسبوع على مراكز البيانات في الإمارات تظهر أنها باتت تعد هدفاً حيوياً.

ونُصحت الشركات التي تستخدم خوادم خدمات "أمازون" السحابية في الإمارات بالانتقال إلى مناطق بديلة في محاولة للحد من أي انقطاع في الخدمة. وحتى صباح الجمعة الماضي، كانت خدمات "أمازون" السحابية لا تزال تبلغ عن انقطاع في خدماتها في الدولة.



وقد ازداد إدراك الحكومات في الأعوام الأخيرة للأهمية بالاستراتيجية لمراكز البيانات. فالولايات المتحدة تصنفها ضمن قطاعات البنية التحتية الحيوية الـ16، والمملكة المتحدة صنفتها كبنية تحتية وطنية حيوية عام 2024، ويمنحها الاتحاد الأوروبي وضعاً خاصاً، فيما تصنف عديد من الدول الأخرى في أوروبا وخارجها مراكز البيانات على أنها حيوية.

أزمة عبر الشبكة
وبدأت آثار هذه الأزمة تنتشر بالفعل عبر الشبكة، إذ إن إغلاق نقطتي عبور رئيستين للبيانات البحرية سيشكل حدثاً معطلاً على مستوى العالم، ناهيك بأن سفن الإصلاح لا تستطيع العمل بأمان في البحر الأحمر أو مضيق هرمز في ظل استمرار إطلاق النار.

في سبتمبر (أيلول) 2025، تسبب تلف الكابلات في البحر الأحمر في انقطاع خدمة الإنترنت في أجزاء من آسيا والشرق الأوسط، مما أدى إلى زيادة زمن الاستجابة لخدمات "مايكروسوفت أزور" التي تمر عبر المنطقة. لم تتضمن هذه الحادثة أي نزاع عسكري، ولكنها تذكرنا بوضوح بمدى هشاشة الشبكة.

وحدث الأمر نفسه في فبراير (شباط) 2024 عندما انقطعت ثلاثة كابلات في البحر الأحمر نتيجة سحب مرساة سفينة شحن أصيبت بصاروخ أطلقه الحوثيون، مما أدى إلى تعطيل 25 في المئة من حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. واستغرق إصلاح أحد الكابلات خمسة أشهر لعدم تمكن السفن من الوصول إلى المنطقة بأمان. وإذا انقطعت كابلات رئيسة عدة الآن، مع تعذر وصول فرق الصيانة إلى نقطتي الاختناق، فقد يستمر التعطيل لفترة أطول بكثير.

أما حوادث بحر البلطيق في 2024، التي قطعت فيها سفينة ترفع العلم الصيني كابلات رئيسة، فقد رفعت بالفعل مستوى الوعي بالأخطار في هذا القطاع، وقد وصف ماكسي رينولدز، مؤسس شركة "سابسي كلاود" لتطوير وتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، هذه الحادثة بأنها ترسخ مكانة المنطقة كـحالة مرجعية لأخطار المنطقة الرمادية المستمرة، مع تكرار حوادث الأعطال وتزايد اهتمام الدول بها. وينقل الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران مستوى الأخطار من الغموض في المنطقة الرمادية إلى شيء أكثر مباشرة بصورة ملحوظة.

ثغرة جوهرية في نهج واشنطن
في الأثناء يتحدث الخبراء عن أن هذه الأزمة قد كشفت عن ثغرة جوهرية في نهج واشنطن تجاه توسيعها التكنولوجي في الخليج العربي، إذ أعطت الحكومة الأميركية الأولية للتوسع على حساب الحد من الأخطار العسكرية، مما يعكس كيف يتجاوز تطور الذكاء الاصطناعي عقيدة الأمن القومي.

وأسفرت جولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة في المنطقة عن تعهدات استثمارية بقيمة 2.2 تريليون دولار، وأعلنت شركات عدة عن مشروع "ستارغيت الإمارات"، وهو مجمع ذكاء اصطناعي مخطط له بقدرة خمسة غيغاوات في أبوظبي، الذي سيكون الأكبر خارج الولايات المتحدة. وخصصت "أمازون" 5 مليارات دولار لمركز ذكاء اصطناعي في الرياض بالتعاون مع شركة "هيوماين" السعودية.

وبحسب الخبراء فيبدو أن الأطر الأمنية التي تقوم عليها الشراكة الأميركية- الإماراتية في مجال الذكاء الاصطناعي قد ركزت على التحكم في سلاسل التوريد والتوافق الجيوسياسي، وليس على الدفاع المادي خلال النزاعات عالية الحدة. لذا على الولايات المتحدة أن تتعامل مع البنية التحتية للبيانات في الخليج العربي بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع النفط، وأن تدمجها في خطط الطوارئ والتنسيق الأمني الإقليمي.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204894

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc