صدمة الطاقة العالمية قد تمنح الصين فرصة استراتيجية
15/03/2026
سيرياستيبس
مع توقف ناقلات النفط المتجهة إلى آسيا في الخليج بسبب الحرب مع إيران، يرى بعض السياسيين الأميركيين أن الأزمة تمثل ضربة قوية للصين، أكبر مستورد للنفط في العالم.
لكن المتخصصين في قطاع الطاقة يشيرون إلى أن الواقع قد يكون مختلفاً، إذ قد تكشف الأزمة أن الصين أصبحت أكثر استعداداً من غيرها لمواجهة صدمات الطاقة العالمية بعد أعوام من الاستثمار في تنويع مصادر الطاقة.
فقد عملت بكين على بناء مخزونات ضخمة من النفط الخام، إلى جانب التوسع السريع في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، إضافة إلى الاستثمار في الفحم وتخزين الطاقة.
وبفضل هذه السياسات، وصف بعض المحللين الصين بأنها أصبحت "دولة كهربائية"، أي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الكهرباء المنتجة محلياً بدلاً من الوقود الأحفوري المستورد.
ويأتي هذا التحول في وقت ارتفعت أسعار النفط العالمية مع استمرار الحرب وعدم وضوح المدة التي قد يستمر فيها الصراع.
وعلى رغم أن الاقتصاد الصيني، مثل بقية الاقتصادات العالمية، سيتأثر بارتفاع كلفة الطاقة، فإن بعض المحللين يرون أن الصين قد تكون في وضع أفضل من عديد من الدول الأخرى لتحمل هذه الصدمة، إذ تمتلك الصين مخزونات نفطية ضخمة تصل إلى نحو 1.3 مليار برميل.
ويرون أيضاً أن الاستثمارات الكبيرة التي ضختها بكين في قطاع الطاقة خلال الأعوام الماضية جعلت اقتصادها أكثر قدرة على مواجهة تقلبات أسعار الوقود الأحفوري، مقارنة بدول لم تنوع مصادر طاقتها بالصورة نفسها، بما في ذلك الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وما تملكه الصين من مخزونات نفطية يكفي لتعويض أكثر من ستة أشهر من انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز بحسب المحللين.
وكانت نصف واردات الصين النفطية وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي تمر عبر هذا المضيق قبل أن تتعطل حركة الشحن بسبب الهجمات في المنطقة.
إلى جانب ذلك، واصلت الصين خلال الأعوام الأخيرة بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء من الفحم، حتى أصبحت تمتلك طاقة إنتاجية كبيرة يمكن تشغيلها عند الحاجة لتجنب أي نقص في الكهرباء أو توقف في الإنتاج الصناعي.
ويرى متخصصون أن هذا النهج يعكس استراتيجية طويلة الأمد لدى بكين لتقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة التي قد تصبح نقطة ضعف في أوقات الأزمات.
ثلث استهلاك الصين الكلي للطاقة يأتي من الكهرباء
وفي ذات الوقت، توسعت الصين بسرعة في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية.
وتشير بيانات مراكز أبحاث الطاقة إلى أن نحو ثُلث استهلاك الصين الكلي للطاقة يأتي الآن من الكهرباء، وهو مستوى أعلى بنحو 50 في المئة من المتوسط العالمي.
ويأتي أكثر من ثلث هذه الكهرباء من مصادر متجددة يتم تصنيع كثير من مكوناتها في المصانع الصينية التي تصدرها أيضاً إلى دول أخرى.
وأصبحت الصين كذلك من أكبر المنتجين والمستخدمين للسيارات الكهربائية في العالم، إذ تشكل هذه المركبات الآن غالبية السيارات الجديدة المباعة في السوق الصينية، بينما يزداد الطلب عليها في الأسواق الخارجية.
وساعد هذا التحول في تقليل نمو استهلاك الصين من الوقود الأحفوري بصورة كبيرة، فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، تجنبت الصين زيادة في الطلب على النفط بنحو 1.2 مليون برميل يومياً منذ عام 2019 بفضل التوسع في الكهرباء والسيارات الكهربائية.
ويشكل الغاز الطبيعي أيضاً نسبة صغيرة نسبياً من إنتاج الكهرباء في الصين مقارنة بعديد من الدول الأخرى.
ويرى بعض المحللين تحدثوا لصحيفة الـ"واشنطن بوست"، أن هذه السياسات سمحت للصين بتقليل تعرضها لأخطار اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية.
ومع ذلك، يؤكدون أن الصين لن تكون بمنأى تماماً عن الأزمة، إذ لا تزال عديد من الصناعات تعتمد على النفط والغاز في عمليات الإنتاج.
فعلى سبيل المثال، يتطلب تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات الكبيرة المستخدمة في شبكات الكهرباء مواد كيماوية مشتقة من النفط والغاز، وتحتاج المصانع الصينية أيضاً إلى الوقود الأحفوري لتشغيل بعض خطوط الإنتاج الثقيلة.
ومع ذلك، قد تخلق الأزمة فرصاً جديدة للصين على المدى الطويل، إذ قد تدفع الدول الأخرى إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، وهو مجال تتمتع فيه الشركات الصينية بقدرات صناعية قوية.
إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية
وقد يدفع عدم الاستقرار في أسواق النفط والغاز بعض الدول إلى الاعتماد بصورة أكبر على التقنيات والمكونات التي تنتجها الصين في مجالات مثل البطاريات والمعادن النادرة والألواح الشمسية، لكن حجم المكاسب التي قد تحققها الصين سيعتمد إلى حد كبير على مدة استمرار الأزمة.
فإذا استقرت الأوضاع بسرعة وأعيد فتح مضيق هرمز، فقد يكون تأثير الحرب في الاقتصاد العالمي محدوداً،
أما إذا استمر تعطيل إمدادات الطاقة لفترة طويلة، فقد يعيد ذلك تشكيل أسواق الطاقة العالمية ويمنح الصين فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي والتكنولوجي.
وقد تستفيد بكين من الأزمة لاستخلاص دروس استراتيجية، خصوصاً في ظل احتمال أن يؤدي أي تحرك عسكري مستقبلي تجاه تايوان إلى فرض حصار على وارداتها من النفط.
ويرى بعض المتخصصين أن الأزمة الحالية تمنح الصين فرصة لمراقبة كيفية تعامل الولايات المتحدة مع حرب كبيرة وتأثيرها في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وفي هذا السياق، قد تستخدم بكين هذه التجربة لتعزيز استعدادها لمواجهة أزمات مشابهة في المستقبل.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204889