البحر يختنق بالحرب… وسوريا تراهن على معابر البرّ
11/03/2026
سيرياستيبس
يواجه الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من انكشاف سلاسل التوريد، إذ فرض اضطراب الملاحة في المضائق الدولية تحولاً قسرياً نحو الاعتماد الكامل على المعابر البرية لتأمين السلع الأساسية. هذا التحول لم يكن خياراً استراتيجياً بقدر ما هو هروب من القفزات الحادة في “علاوات مخاطر الحرب” التي فرضتها شركات التأمين العالمية على الشحن البحري، مما جعل تكلفة وصول الحاويات عبر الموانئ تتجاوز القدرة الشرائية للسوق المحلية المثقلة أصلاً بالتضخم.
أزمة التكاليف المضافة وعجز التخطيط
ترتفع بوالص التأمين على السفن المتجهة لشرق المتوسط نحو مستويات قياسية، مما يدفع المستوردين السوريين إلى تحويل عقودهم نحو الشحن البري من موانئ بديلة. هذا الإجراء، رغم كونه يضمن توفر المادة، إلا أنه يرفع “تكلفة” الشحن بنسب تتراوح بين 20% و30%، وهي تكاليف تضاف مباشرة إلى السعر النهائي للمستهلك.
المعابر البرية كأوراق ضغط
في هذا السياق، تتحول المعابر الحدودية مع العراق والأردن ولبنان إلى الرئة الوحيدة للاقتصاد السوري، لكن هذا الاعتماد الكلي يصطدم بعقبات البنية التحتية المتهالكة ورسوم الترانزيت المتقلبة.
وعليه، فإن الاعتماد على “الطريق الدولي” كبديل للمضائق يضع الأمن الغذائي السوري في حالة ارتهان دائمة للظروف السياسية والأمنية لدول الجوار، حيث إن أي إغلاق حدودي أو تعقيد إداري مفاجئ كفيل بخلق فجوة في المعروض السلعي، خصوصاً في المواد سريعة الدوران كالزيوت والسكر، التي لا تزيد احتياطياتها في المستودعات الخاصة عن كفاية شهرين بحد أقصى.
قاتمة لسلاسل التوريد السورية
في هذا السياق، يكشف أمين سر اتحاد الشحن الدولي، حسن عجم في تصريح خاص، عن صورة قاتمة لواقع سلاسل التوريد السورية في ظل الأزمة الراهنة، مؤكداً أن المراهنة على “البديل البحري” في حال انسداد المعابر البرية هي مراهنة محفوفة بالمخاطر؛ فالبحر يعني كلفة عالية جداً، ووقتاً إضافياً طويلاً، وعدم قدرة تقنية على تخديم احتياجات كافة الدول في آن واحد.
ويرى عجم أن حركة الاستيراد والتصدير تعيش حالة “انكماش حاد” بدأت تظهر ملامحها بوضوح منذ صدور القرار رقم 31 المتعلق بمناقلة البضائع، الذي تسبب بخسارة أسواق مجاورة، وارتفاع مفرط في التكاليف، فضلاً عن تلف الشحنات الحساسة نتيجة التأخير الزمني في عمليات التخليص والمناقلة اليدوية والآلية على الحدود.
وعن طبيعة السلع التي تتصدر مشهد القلق حالياً، يوضح عجم أن “الطلب الاستثنائي” يتركز بشكل حاد على ثلاثة قطاعات حيوية: المواد الطبية، المواد الغذائية الأساسية، والمشتقات النفطية؛ وهي مواد لا تحتمل بطبيعتها أي تأخير لوجستي. وفي ظل هذا الضغط، يضع عجم خارطة طريق إسعافية لضمان عدم انهيار “أمن الرفوف”، تبدأ من إلزام المعابر البرية بالعمل على مدار 24 ساعة، وتسهيل عمليات التخليص الجمركي عبر إلغاء “قرار المناقلة 31” فوراً لتسريع إخراج البضائع.
كذلك، يشدد عجم في رؤيته الاقتصادية على ضرورة منح إعفاءات كاملة للمواد الطبية والغذائية من كافة الرسوم والقيود الحالية، معتبراً أن “تسييل” الحركة البرية وتخفيف الأعباء البيروقراطية هو السبيل الوحيد لامتصاص صدمة الارتفاع العالمي في كلف الشحن ومنع انعكاسها المباشر على معيشة السوريين.
تحدّيات الشحن البري
في موازاة ذلك، يؤكد مدير نقل البضائع في وزارة النقل السورية خالد كسحة، وجود توجه رسمي جاد لتعزيز الشحن البري بنوعيه الطرقي والسككي كبديل استراتيجي عن الشحن البحري، ذلك عبر دراسة دقيقة لحصة الشحن التي يمكن تحويلها للمسارات البرية بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد.
ويشير كسحة في تصريح خاص ، إلى وجود تحديات تتعلق بقدم أسطول الشحن البري السوري العام والخاص مقارنة بدول الجوار، كاشفاً عن العمل حالياً بالتنسيق مع كافة “أصحاب المصلحة” من جمعيات ونقابات وغرف تجارة وصناعة لتوحيد الرؤية وتكثيف الجهود نحو مشروع وطني لاستبدال الشاحنات السورية.
ووفقاً لـكسحة، تتركز خطط الدولة لتسهيل حركة الشحن الطرقي الدولي (الترانزيت) مع دول الجوار على رقمنة الإجراءات وتطوير البنية التحتية عبر تأمين طرق سريعة وتطبيق اتفاقية “التير” للعبور الدولي، مما يسهم في تقليل الفحص المادي واختصار الوقت وتفعيل الاتفاقيات الدولية، وهو ما ينعكس بدوره على تخفيض أجور النقل وفق قاعدة العرض والطلب.
كذلك، تعمل المديرية على إطلاق منصة إلكترونية لتنظيم شحن البضائع ورقمنة وثائق الشحن مع وضع حد أدنى للتعرفة وأجور النقل بالتنسيق مع وزارتي الاقتصاد والصناعة ومديريات حماية المستهلك، وذلك لضمان استمرارية تدفق البضائع الاستراتيجية إلى كافة المحافظات بانتظام وبما يحافظ على توفر المادة ومنع احتكارها.
الفرص الضائعة
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، أن “التذبذب الراهن في سلاسل التوريد الإقليمية، بالرغم من مخاطره، يمثل “فرصة ذهبية” لسوريا لاستعادة دورها التاريخي كحلقة وصل تجارية تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، وربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية”.
وفي حديثه ، يقول قضيماتي: إن “الأزمة الحالية تفرض على الحكومة السورية وضع خطة طوارئ عاجلة لإعادة تأهيل الطرق الدولية التي تفتقر حالياً لأدنى الخدمات اللوجستية”، معتبراً أن النقل البري قد يحل جزءاً من أزمة الشحن البحري، لكنه يصطدم بعقبات أمنية وتكاليف مرتفعة، لا سيما عبر الطريق العراقي الذي لا يزال يعاني من عدم الاستقرار، مما يجعل سلاسل الإمداد البرية “غير مستقرة” هي الأخرى.
ويذهب قضيماتي إلى أبعد من الحلول اللوجستية، مؤكداً أن المخرج الحقيقي يكمن في “ثورة صناعية محلية”، إذ يرى في هذه الأزمة حافزاً للتجار والصناعيين السوريين لتطوير المنتج الوطني ليضاهي الجودة المستوردة ويعوض أي نقص محتمل في المستقبل. ويخلص قضيماتي إلى أن الاعتماد على موقع سوريا كـَ “عقدة ربط” استراتيجية يتطلب أكثر من مجرد فتح المعابر، بل يستلزم بنية تحتية قوية وبيئة صناعية قادرة على تلبية احتياجات السوق داخلياً، بدلاً من البقاء في حالة انتظار قلقة لما ستؤول إليه ممرات التجارة الدولية.
المدن اللبنانية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=128&id=204834