بعد سحب 4 مليارات قطعة نقدية من الأسواق.. هل ينجح “المركزي” في تجفيف اقتصاد الظل؟
02/03/2026
سيرياستيبس :
تشهد سورية في المرحلة الراهنة واحدة من أكبر عمليات إحلال العملة في تاريخها الحديث، حيث أعلن مصرف سورية المركزي عن سحب 4 مليارات قطعة نقدية من أصل 14 ملياراً، أي ما يقرب 28بالمئة من النقد المتداول.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أكد للوطن أن هذه الخطوة لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد تبديل مادي للعملة، بل هي سياسة نقدية تحمل أبعاداً مالية واجتماعية وهيكلية عميقة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة لمستقبل الاقتصاد السوري.
ونوه أستاذ الاقتصاد بأن المركزي يسعى من خلال هذه العملية إلى إعادة ضبط حجم الكتلة النقدية ما يتناسب مع أهداف الاستقرار السعري، وخاصة مع توقعات النمو الاقتصادي في عام 2026. مضيفاً: ورغم أن العملية لا تُعرّف تقنياً كتعقيم نقدي كامل، إلا أنها تحمل ملامح مشابهة، إذ يتم امتصاص السيولة المكتنزة في “اقتصاد الظل” وإعادة إدخالها عبر قنوات رسمية وغير مصرفية، ما يحد من السيولة غير المضبوطة ويعزز قدرة الدولة على التحكم بالعرض النقدي، كما أن النقد الجديد يمثل رسالة سياسية واقتصادية لإعادة بناء الثقة بالعملة الوطنية.
البعد الاجتماعي والاستهلاكي
قوشجي يرى أن تمديد فترة الاستبدال يهدف إلى الحفاظ على سرعة دوران النقد في الأسواق، ومنع حدوث فجوة في السيولة قد تؤدي إلى انكماش استهلاكي مفاجئ، وفي المقابل، الحديث عن زيادة الرواتب بنسبة 400بالمئة يضع ضغطاً كبيراً على السياسة النقدية، إذ إن أي زيادة غير مدعومة بإنتاجية فعلية قد تتحول إلى تضخم جامح، وكذلك فإن دخول النقد المكتنز إلى الدورة الرسمية قد يرفع الطلب الكلي، لكن إذا لم يقابله عرض إنتاجي كافٍ، فسيتحول إلى ضغط تضخمي يضعف الاستقرار الاجتماعي.
البعد الهيكلي والإنتاجي
أوضح الخبير الاقتصادي أن نجاح العملية يتوقف على قدرة الدولة على تحويل السيولة المستعادة من “اقتصاد الظل” إلى قنوات استثمارية إنتاجية، مثل الصناعة والزراعة، لا مجرد استهلاك قصير الأمد، مضيفاً: كما أن تطوير الدفع الإلكتروني وتوسيع قاعدة التعاملات الرسمية يسهم في تقليص الاقتصاد غير المنظم، ويزيد من قدرة الدولة على جمع البيانات المالية وتوجيه السياسات الاقتصادية، لكن إذا اقتصرت العملية على تبديل العملة من دون إصلاحات هيكلية في الإنتاج والضرائب والإنفاق العام، فإن أثرها سيكون محدوداً على الناتج المحلي الإجمالي.
المخاطر الاستراتيجية
ويرى قوشجي أنه ورغم الطابع الإصلاحي للعملية، إلا أنها تحمل مخاطر جدية، فإعادة ضخ السيولة بالقيم الجديدة بعد حذف الأصفار قد تخلق قوة شرائية إضافية غير منضبطة، ما يهدد الاستقرار السعري، وقال: إذا لم يلمس
المواطن تحسناً فعلياً في الأسعار والدخول، فقد تتحول العملية إلى عامل فقدان ثقة إضافي بالسياسات النقدية، كما أن ربط تحسن القدرة الشرائية بخفض العقوبات وتبسيط الإجراءات الجمركية يوضح أن نجاح السياسة النقدية مرتبط بعوامل خارجية لا يملك المركزي السيطرة الكاملة عليها.
السيناريوهات المحتملة
لفت قوشجي إلى أنه يمكن النظر إلى مستقبل هذه السياسة عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
– السيناريو التفاؤلي: يتم ضبط السيولة وتوجيه النقد المكتنز نحو الاستثمار، مع إصلاح مصرفي فعال ونمو إنتاجي متوازن، ما يؤدي إلى استقرار سعري وتحسن القدرة الشرائية وزيادة الناتج المحلي.
– السيناريو الواقعي: يقتصر الأثر على إحلال مادي واسع ودخول جزء من السيولة المكتنزة إلى الدورة الرسمية، مع إصلاحات جزئية في القطاع المصرفي، ما يحقق تحسناً محدوداً في الثقة ويؤدي إلى ضغوط تضخمية متوسطة ونمو تدريجي.
– السيناريو المتشائم: يتم إعادة ضخ النقد الجديد من دون إصلاحات إنتاجية، وتُزاد الرواتب من دون إنتاجية حقيقية، مع استمرار العقوبات، ما يقود إلى تضخم مرتفع وفقدان إضافي للثقة وضعف في الناتج المحلي.
وختم قوشجي بالقول: سياسة تبديل العملة في سورية هي أداة مزدوجة، فهي تسعى من جهة إلى ضبط السيولة وإعادة إدماج النقد المكتنز في الدورة الرسمية، ومن جهة أخرى تحمل رسالة إصلاحية مرتبطة بتطوير القطاع المصرفي وزيادة الرواتب، لكن نجاحها يتوقف على ما إذا كانت ستتحول إلى إصلاح هيكلي حقيقي يوجّه السيولة نحو الاستثمار والإنتاج، أو ستظل مجرد عملية إحلال مادي تحمل مخاطر تضخمية وانكماشية متقلبة.
الوطن
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=126&id=204700