التعافي والحوار والعدالة
المهندس ياسر أسعد : الساحل السوري بعد عام على المأساة.. كيف نحمي السلم الأهلي الهش ونبني الثقة من جديد؟
.. يمر عبر التنمية المحلية و خلق فرص العمل .. السلم الأهلي لا يستقر دون أفق اقتصادي واجتماعي
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر أسعد
بعد عامٍ كامل على الأحداث المأساوية التي هزّت الساحل السوري وجرحت ذاكرته الجماعية , لا يزال السؤال الأكثر إلحاحًا بين أبنائه ليس سياسيًا بقدر ما هو إنساني , كيف يمكن العيش معًا من جديد بعد كل هذا الألم ؟ وكيف يمكن حماية السلم الأهلي الهشّ في مجتمع لم يشفَ بعد من الصدمة والخوف والشكوك المتبادلة؟
في الساحل اليوم، لا يعيش الناس فقط تبعات العنف بل تبعات القلق , قلق من المستقبل , من العدالة المؤجلة , من الخطاب المتوتر , ومن إعادة فتح الجراح دون مسار واضح للإنصاف. عائلات فقدت أبناءها وأخرى تخشى الوصم وشباب يعيش بين ذاكرة الخوف وضيق الفرص . وفي هذا المناخ يصبح السلم الأهلي حالة قابلة للاهتزاز مع كل إشاعة أو خطاب تحريضي أو حادثة أمنية .
لكن الحقيقة الأهم أن الساحل السوري رغم الجراح لم ينزلق إلى صراع أهلي شامل , بقيت روابط الجيرة والعمل والمصاهرة أقوى من محاولات التفكيك وهذا بحد ذاته رصيد اجتماعي ثمين يجب حمايته وتعزيزه .
إن حماية السلم الأهلي لا تبدأ بالشعارات , بل بالاعتراف بالألم المتبادل , وبأن الضحايا ليسوا رقمًا ولا طائفة بل سوريون لهم أسماء ووجوه وذاكرة فالعدالة الانتقالية ليست محاكم فقط ، بل أيضًا حق في الاعتراف، وحق في الحداد، وحق في معرفة الحقيقة والمجتمعات لا تتعافى حين يُطلب منها النسيان، بل حين يُسمح لها بالفهم .
في الساحل السوري يحتاج الناس اليوم إلى ما هو أبعد من الأمن , يحتاجون إلى الطمأنينة. والطمأنينة لا تأتي من القوة وحدها، بل من الثقة التي تُبنى حين يشعر المواطن أن القانون يحميه أيًا كان انتماؤه وأن كرامته مصانه وأن صوته مسموع وأن الاختلاف لا يعني الخطر .
هنا يصبح الحوار المجتمعي ضرورة لا ترفًا , ليس حوار النخب
بل حوار السوريين العاديين العائلات, الشباب , النساء , رجال الدين , المعلمون , والناشطون المحليون , حوار يعترف بالخوف كما يعترف بالأمل ويبحث عن القواسم المشتركة بدل تضخيم الفوارق فالسلم الأهلي لا يُفرض من فوق بل يُبنى بين الناس .
إن إحدى مشكلات ما بعد أحداث الساحل السوري ليست فقط ما حدث، بل ما يشاع ويروى , فالروايات المتناقضة والاتهامات الجماعية وخطابات التخوين كلها تقوّض الثقة وتحوّل الألم إلى انقسام , لذا فإن العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن تقوم على مبدأ فردية المسؤولية ورفض الوصم الجماعي , فلا جماعة تُدان ولا جماعة تُبرّأ , بل يُحاسَب السوريون وفق القانون .
السلم الأهلي لا يستقر دون أفق اقتصادي واجتماعي. فالشباب في الساحل اليوم لا يواجه فقط ذاكرة العنف، بل بطالة متزايدة وتراجعا بالخدمات وشعورًا بالتهميش ولا يمكن مطالبة مجتمع متعب بالحوار بينما يعيش ضيق العيش وانسداد الأفق.
لذلك فإن تعزيز السلم الأهلي يمر أيضًا عبر التنمية المحلية ,خلق فرص عمل، دعم الصيادين والمزارعين وإعادة تأهيل البنية التحتية ودعم الصناعات المحليه وتشجيع المشاريع الصغيره والمتناهيه الصغر وتمكين المبادرات المجتمعية فالأمل هو الحارس الأمين للسلم الأهلي .
بعد عام على الأحداث ، يحتاج الساحل السوري إلى رسالة واضحة , لا أحد مستهدف بهويته ولا أحد فوق القانون ولا مستقبل دون شراكة, هذه الرسالة هي جوهر العقد الاجتماعي الجديد الذي يحتاجه السوريون جميعًا، والقائم على ثلاث ركائز بسيطة وعميقة حرية الرأي والمعتقد، واحترام الأخر المختلف، وسيادة القانون . بمعني أن الخوف لا يكون ثمن الكلام وأن التنوع لا يُرى تهديدًا بل ثراءً والعدالة لا تُنتقى ولا تُؤجَّل .
السلم الأهلي في الساحل السوري ليس شأنًا محليًا بل مؤشر على إمكانية التعافي السوري كله , فإذا نجح مجتمع جريح في ترميم الثقة يمكن لوطن كامل أن يفعل وإذا فشل، فإن الشقوق ستتسع في أماكن أخرى .
الساحل السوري اليوم يقف بين ذاكرتين ذاكرة الألم وذاكرة العيش المشترك والمستقبل يتوقف على أيهما سنغذّي , فالضحايا يستحقون العدالة والأحياء يستحقون الأمان والأجيال القادمة تستحق وطنًا لا يُورَّث الخوف.
الساحل السوري ليس مجرد جغرافيا جريحة بل ذاكرة حضارة حيّة أرض أشجار الليمون والزيتون . وغابات الأرز والخرنوب والسنديان , وحجارة القلاع التي صمدت قرونًا في المرقب وصلاح الدين وصافيتا , وأصداء المدن التي أنارت التاريخ في عمريت وأوغاريت , وقداسة حصن سليمان وذاكرة مدرج جبلة الروماني حيث اجتمع الناس يومًا حول الفن لا الخوف , كل ذلك تذكيرٌ بأن هذه الأرض كانت دائمًا مكان لقاء لا انقسام، ومهد ثقة لا خوف، وبداية وحدة لا شقاق, لذا ورغم الجراح يبقى الساحل السوري قادرًا أن يكون أساسًا لسوريا الحرة ومكانا للعدالة والثقة والوحدة حين يختار أبناؤه الحياة معًا .
بعد عام على المأساه، ليس المطلوب النسيان بل التعافي , وليس المطلوب الصمت بل الحوار, وليس المطلوب الانتقام بل العدالة .
بهذا فقط يمكن للساحل الذي عرف البحر دومًا مساحة لقاء، أن يعود مساحة ثقه ومحبه وألفه وبدايةً لسوريا أكثر أمانًا وإنسانية.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=204697