الأسعار شبه مستقرة لكنها أعلى من دخل المواطن
كنعان : تقرير صندوق النقد تضمن كثيراً من الجوانب الإيجابية .. ولابد من صناعة بيانات صحيحة ؟




صندوق النقد الدولي: سوريا تسجل استقرارا ماليا غير مسبوق

أكد أن الدعم العالمي القوي سيبقى ضرورياً للمساعدة في التخفيف من حدة الفقر داخل البلاد... ومتخصصون يدعون إلى الإسراع بزيادة الرواتب وخلق فرص العمل

 

 بيان صندوق النقد الدولي : مصرف سوريا المركزي تمكن من الحفاظ على موقف نقدي صارم 

 

سيرياستيبس :

بينما تتزايد الضغوط المعيشية على السوريين نتيجة الغلاء والتآكل المستمر في القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر واستمرار التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأعوام الحرب الطويلة التي أنهكت البلاد، ظهر تقرير حديث لـ "صندوق النقد الدولي" ليخلق حالاً من التفاؤل تجاه الاقتصاد السوري، مؤكداً ظهور مؤشرات ملموسة على التعافي الاقتصادي ومتوقعاً معدلات نمو واعدة خلال العام الحالي.

وبينما يبدو من الصعب أن يشعر السوريون بالتفاؤل الذي قدمه الصندوق سريعاً، خصوصاً وأن محللين اقتصاديين سوريين أطلقوا تحذيرات بأن دمشق سجلت أعلى معدل فقر في تاريخها الحديث، يأتي تقييم الاقتصاد السوري في ظل تحولات هيكلية تشهدها السياسة المالية والمؤسساتية للبلاد، في وقت تمضي الحكومة السورية نحو تحقيق اندماج في الاقتصاد العالمي ومحاولة إنجاز الإصلاحات المطلوبة منها، وتحقيق خطوات ملموسة في سياق تعاونها مع المنظمات والمؤسسات الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي الذي زار فريق من موظفيه دمشق في الفترة ما بين الـ 15 والـ 19 من فبراير (شباط) الجاري، كجزء من برنامج التعاون المكثف للصندوق مع دمشق، بهدف تقييم الوضع الاقتصادي في البلاد وإجراء نقاشات مع السلطات في شأن التقدم المحرز في إصلاحاتها الاقتصادية، وأولوياتها في مجال السياسات وبناء القدرات للمرحلة المقبلة، وخلال الزيارة التقى الفريق وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر حصرية، ومسؤولين آخرين.

فائض طفيف في الموازنة وبوادر للتعافي

وفي بيان أصدره صندوق النقد الدولي عن بيانات أولية تشير إلى أن موازنة الحكومة المركزية اُختتمت عام 2025 بفائض طفيف، إذ تركّز الإنفاق على تلبية الحاجات الأساس وتحسين مستويات معيشة المواطنين ورفع مستوى الأجور، لافتاً إلى أن ذلك تحقق من خلال ترشيد الإنفاق بحرص بما يتناسب مع الموارد المتاحة، مع امتناع وزارة المالية من التمويل من المصرف المركزي، وهو تحسن ملاحظ مقارنة بالأعوام السابقة.

ووفق البيان فقد أعدت السلطات موازنة لعام 2026 تهدف إلى زيادة الإنفاق بصورة كبيرة على الرعاية الصحية والتعليم ورفع مستوى الأجور وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساس، عاداً أن توقعات الإيرادات طموحة ولكنها ممكنة.

وشدد الصندوق على أن الدعم الدولي القوي سيبقى ضرورياً للمساعدة في التخفيف من حدة الفقر داخل البلاد، بما في ذلك بين اللاجئين العائدين والنازحين داخلياً، موضحاً في الوقت نفسه أن قدرة السلطات على حشد التمويل الخارجي ستعتمد على التقدم المحرز في معالجة إرث دمشق من الديون، وملمحاً في بيانه إلى أن الاقتصاد السوري يواصل إظهار بوادر تعاف مع تسارع وتيرة النشاط الاقتصادي، نتيجة لتحسن شعور المستهلكين والمستثمرين، ورفع العقوبات الدولية المفروضة على البلاد، وإعادة اندماجها تدرجياً في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، معتبراً أن التقدم المحرز في البلاد نحو المصالحة الوطنية، واستمرار عودة اللاجئين وزيادة إمدادات الكهرباء وهطول الأمطار، مع كثير من المشاريع الاستثمارية الجديدة الكبيرة، يُبشر بآفاق نمو واعدة لعام 2026 وما بعده.

توقف البنك المركزي عن تمويل الموازنة

وأشار بيان صندوق النقد الدولي أيضاً إلى أن مصرف سوريا المركزي تمكن من الحفاظ على موقف نقدي صارم على رغم القيود العديدة التي يواجهها، وقد أدى ذلك مع غياب تمويل الموازنة من قبل المصرف المركزي، إلى تباطؤ ملاحظ في التضخم ليصل إلى تضخم منخفض من خانتين بحلول نهاية عام 2025 وإلى ارتفاع سعر الصرف مقارنة بعام2024 ، مؤكداً أنه سيواصل دعم السلطات في جهودها لإعادة تأهيل الاقتصاد السوري وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية الرئيسة، استناداً إلى التقدم الكبير الذي أحرزته العام الماضي.

وكجزء من تعاونه مع دمشق جرى الاتفاق على برنامج واسع النطاق للمساعدة الفنية للمرحلة المقبلة في مجال إصلاحات المالية العامة، وفي مجال إصلاحات القطاع المالي وأنشطة بناء القدرات والتركيز على تحسين الإحصاءات، موضحاً أن موظفي الصندوق سيواصلون العمل مع الجهات المانحة متعددة الأطراف والإقليمية والثنائية لدعم جهود السلطات في بناء والقدرات.

رقمنة الاقتصاد وبناء قاعدة بيانات شفافة

عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق علي كنعان أكد أنه يتضمن كثيراً من الجوانب الإيجابية، أهمها ضرورة إجراء تحولات هيكلية في الاقتصاد السوري والانتقال من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد لامركزي، عبر منح المؤسسات والوزارات صلاحيات واسعة لإدارة القطاعات التي تديرها، مؤيداً حاجة دمشق إلى الحصول على مساعدات فنية واسعة ومتعددة، في مقدمها المساعدات المالية التي تبدو البلاد بأمس الحاجة إليها، سواء في إعداد موازنة الدولة أو مجال عمل المصرف المركزي والبنوك التجارية للاستفادة من خبرات الدول الأخرى، وكذلك يحتاج الاقتصاد السوري إلى مساعدات فنية في المجال الإداري والخدمي للنهوض بمستوى القيادات والمستويات الادارية وتأهيل الكوادر، وهو ما سيكون له انعكاس مباشر على تطور الاقتصاد.

وتابع كنعان أن "هذا يقودنا إلى ضرورة تحقيق نهضة تكنولوجية ورقمية في مختلف مستويات العمل الاقتصادي والخدمي والانتاجي"، مشيراً إلى أنه بينما يعيش العالم ثورة تكنولوجية ورقمية فإن سوريا لم تستفد من هذه الثورة حتى الآن، وأصبحت هناك حاجة ملحة إلى رقمنة الاقتصاد السوري والانتقال من الواقع الحالي المتردي الذي لا يزال يعتمد على الورقيات إلى واقع يساير ما هو موجود في العالم، ويساعد في إنجاز الأعمال بسرعة ودقة ضمن شروط الشفافية والحوكمة.

ويؤكد عميد كلية الاقتصاد لـ "اندبندنت عربية" ضرورة العمل سريعاً على تطوير البيانات وتغليفها بالشفافية، لأن أية جهة خارجية لن تقدم مساعدات أو تنفيذ أية أعمال ونشاطات، وحتى المشاركة في إعادة الاعمار في سوريا، إلا في ظل وجود قاعدة بيانات صحية وموثوقة، قائلاً "كلنا يعرف أن العمل الاحصائي في البلاد كان مجمداً ومتخلفاً، وكان يعتمد على البيانات التقريبية مما خلق مشكلات وصعوبات كبيرة، وحان الوقت لاعتماد بيانات صحيحة يمكن الاستناد إليها لبناء سياسات إستراتيجية قادرة على نقل سوريا إلى واقع أفضل"، مشدداً على أهمية البيانات في بناء شبكة الأمان الاجتماعي، خصوصاً لجهة حصر الجهات التي تقدم المساعدات، وربط المواطن الذي يحتاج إلى مساعدة بجهة واحدة.

 الأسعار شبه مستقرة لكنها أعلى من دخل المواطن

وأوضح علي كنعان أن مستوى الأسعار في عام 2025 كان شبه مستقر لكنه أعلى من دخل المواطن، قائلاً إن "المطلوب تحديد السعر الحقيقي الذي نستطيع دفعه لكل سلعة مستوردة، لأن الأسعار العالمية موجودة ومعروفة للجميع"، داعياً إلى اعتماد سياسة الروزنامات الزراعية والصناعية والتوقف عن القرارات الفجائية في الاستيراد والتصدير، ولافتاً إلى أن الأسعار ارتفعت خلال شهر رمضان من 25 إلى 30 في المئة بسبب أخطاء في إدارة الاستيراد، مضيفاً "أنا مع تحرير الأسعار بصورة متدرجة وليس بمبدأ الصدمات مثلما حدث في الكهرباء عندما جرى رفعها إلى مستويات عالية جداً".

وزاد كنعان أنه "كما في كل بلدان العالم، مرفوض أن تكون الأسعار غير متوافقة مع الأجر، وهذا الأمر لم تلحظه الحكومة السورية"، مشيراً إلى أن تضييق فجوة الفقر يكون أولاً بضبط الأسعار وجعلها في متناول الناس، خصوصاً أن مستويات الفقر مرتفعة جداً وهناك تقديرات تقول إنها ما بين 80 و 90 في المئة، وثانياً عبر الإسراع بزيادة الرواتب مع الاشارة إلى أنها رُفعت 200 في المئة العام الماضي، وهناك حديث عن زيادة مقبلة بـ 100 في المئة هذا العام، ليختم بأنه "يجب الحد من البطالة وتوفير فرص العمل وبخاصة للشباب، والوصول إلى نظام عدالة اجتماعية يقوم على العدالة ليستفيد منه الفقراء جميعاً".

اندبندنت



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=126&id=204681

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc