لكن
خلف هذا المشهد الباذخ، تكمن حقيقة أكثر قسوة. ازدحام في الممرات، نعم،
غير أن حركة البيع والشراء باهتة، محدودة، أقرب إلى الضرورة منها إلى
الرغبة. العربات لا تمتلئ إلا بالحد الأدنى، والجيوب تفرض وصايتها على
القلوب. الناس يشتهون أكثر مما يشترون، يقارنون الأسعار طويلاً، ثم يعيدون
ما لا تسمح به القدرة الشرائية إلى الرفوف. أطفال يطلبون، وآباء يعتذرون،
ووجوه يعلوها مزيج من الحرج والحسرة.
المفارقة المؤلمة أن السوق ممتلئ
بالبضائع، لكنه فارغ من القدرة على اقتنائها. الأسعار تحلّق بلا رقيب فعلي،
تحت عناوين «تحرير الأسعار» و«التنافسية»، فيما الدخول ثابتة أو متآكلة.
العرض في ذروته، والطلب في أدناه. كأننا أمام مسرحية عبثية: كل شيء
موجود... إلا القدرة على الشراء.
وفي مواجهة هذا الواقع، تبدو الحكومة
كأنها غير معنية بما يجري، أو لعلها أشد ظلماً حين تتفرّج على اتساع
الفجوة. ليس بسبب انفلات السوق فقط، بل بسبب تكريس إنهاء دور الدولة نفسه.
أين الأجور العادلة التي تصون الكرامة؟
أين الإنتاج الذي يخلق دورة اقتصادية حقيقية؟
أين فرص العمل التي تفتح باب الأمل؟
أين شبكات الحماية الاجتماعية التي تحمي الأضعف في موسم يُفترض أن يكون شهر التكافل؟
حين
تتراجع الدولة عن مسؤولياتها الأساسية، لا يبقى في الميدان سوى سوق بلا
ضوابط، وأفراد يواجهون مصيرهم وحدهم. يصبح الفقر قدراً يومياً، لا حالة
طارئة. وتتحول موائد رمضان إلى معادلات حسابية دقيقة، تُحذف منها الكماليات
أولاً، ثم يُقتطع منها ما يمكن الاستغناء عنه، حتى تكاد تفقد روحها.
رمضان
في دمشق اليوم صورتان متناقضتان: صورة وفرة صاخبة تملأ الواجهات، وصورة
عجز صامت يسكن البيوت. وبينهما غضب مكبوت واستياء يتراكم في الصدور.
فليس
أشد قسوة من أن ترى الخير معروضاً أمامك بكثرة، وأن يُقال لك إن السوق حر،
بينما أنت أسير دخل لا يكفي، ودولة قررت أن تتحرر من دورها قبل أن يتحرر
مواطنوها من الفقر.
قاسيون
