عمرو موسى في حديث لاندبندنت عربية : الأيادي العابثة بالأمن العربي مكشوفة
16/02/2026
سيرياستيبس
"على عينك يا تاجر"، هكذا يصف عمرو موسى مشاريع تقسيم الدول العربية، في استعارة شعبية تعكس قناعته بأن الأذرع المنفذة لهذه المخططات لم تعد تتحرك في الخفاء، بل "تلعب" و"تخرب" بلا مواربة، كما يقول. تجلت طموحات التقسيم في الصومال والسودان واليمن وممرات البحر الأحمر، بما ألقى بظلاله على الأمن القومي للدول العربية المجاورة، وفي مقدمها مصر، التي يقول وزير خارجيتها السابق إنها تتجه نحو حسم الملفات العالقة بوتيرة تبدو أسرع من ذي قبل.
"اندبندنت عربية" أجرت مقابلة مع الدبلوماسي المصري الذي اقترب من وجدان العرب طوال عقد كامل حين تولى أمانة جامعة الدول العربية، لسؤاله عن الهواجس التي تثقل عقولهم اليوم. تلك المخاوف يمكن تلخيصها في مفاهيم التقسيم والتفكيك والتفتيت، وهي مفردات متقاربة يحذر كثر من أن مآلها واحد، وهو الخراب. تحدث عمرو موسى عن التحديات العربية على هامش "مؤتمر ميونيخ للأمن"، وبعد ساعات من تصعيد مصر خطابها حول حرب السودان، وسط تزايد الضغوط الدولية على قوات "الدعم السريع"، التي أصبحت محور خلاف معقد بين الإمارات ومصر.
"نحاول سد الثغرات"
رداً على أسئلة الخلاف والاتهامات للإمارات بالسعي إلى التقسيم، قال عمرو موسى، "أنا أسمع حديثاً متواتراً عن الوضع في العالم العربي وعن بعض الآراء في دور بعض الدول العربية في الأزمات القائمة، ولكن أرى ألا أضيف إلى اللغط القائم لغطاً إضافياً. أرى أن نضع مثل هذا السؤال على الجانب بدلاً من أن نزيد الأمور اشتعالاً".
قبل يوم من المقابلة، شارك وزير الخارجية المصري السابق في جلسة مغلقة في قاعة فندقية على هامش مؤتمر ميونيخ، ضمت الرئيس اليمني ووزير الخارجية السعودي والمستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، إلى جانب مسؤولين آخرين عرب وغربيين.
لا أحد من خارج تلك القاعة يعرف تفاصيل الحوار الذي تزامن مع خلاف بين السعودية والإمارات في شأن اليمن، ولا يبدو موسى مرتاحاً لمشاركة الكثير، لكنه أجاب لدى سؤاله عن انطباعه بعد اللقاء قائلاً، "الكل يريد أن نصل إلى نقطة نلتقي فيها بدلاً من نقطة نتعارك عليها، نحن نحاول سد الثغرات الكثيرة في طريق العلاقات العربية، ونعمل على تهدئة الأمور لا إشعالها".
الشرعية ضد اللاشرعية
بالانتقال إلى السودان، سألنا وزير الخارجية المصري السابق عما إذا كان يعتقد أنه حان الأوان لمصر أن تؤدي دوراً أكثر حزماً في السودان، خصوصاً بعد تقرير "رويترز" عن بناء معسكر في إثيوبيا لقوات "الدعم السريع" بتمويل من الإمارات، وهو ما نفته وزارة الخارجية الإماراتية، فأجاب، "مصر تؤدي دوراً مهماً في السودان بالتنسيق مع السلطات السودانية الشرعية. كلامك يشير إلى أنك تريد دوراً أكبر لمصر، وأن يستمر الدور المصري، وطبعاً لا بد من ذلك، الدور المصري نشط، سواء في اللجنة الرباعية أو الاتحاد الأفريقي أو الجامعة العربية، لا شك في ذلك".
وأكد وزير الخارجية المصري السابق ضرورة التحرك لحسم حرب السودان، في ظل تفاقم الوضع الإنساني وارتكاب جرائم بشعة، قائلاً إن "الأطراف غير الشرعية في السودان متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وهذا مؤشر خطر جداً ولا بد من متابعته".
وعن التطور الذي قد يدفع القاهرة إلى إلقاء كامل ثقلها السياسي في السودان، وفي ضوء تصريح وزير الخارجية المصري أمس بأنه "إن تم تجاوز خطوطنا الحمراء سيكون لنا رد فعل حاسم وصارم وقوي" قال موسى، "وزير الخارجية يتكلم عن دور حاسم، وهو تطور مهم في حركة الدبلوماسية المصرية إزاء الموقف في السودان". وأضاف، "نريد العمل سياسياً لوقف المعارك العسكرية في السودان، خصوصاً أن السودانيين تعبوا من الحرب. العمل السياسي ضروري ويجب على الدول الأفريقية والعربية والدول الأجنبية المهتمة أن تحسم الأمر بالشرعية ضد اللاشرعية".
لكن الأمين السابق للجامعة العربية ينظر إلى واقع السودان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من مشروع لتفتيت الدول العربية، فلدى سؤاله عن المستفيد من تمزيق السودان، قال، "هذه قصة طويلة وعريضة، ليس فقط في السودان والصومال وغيرهما، أيدٍ كثيرة تلعب، وأيدٍ كثيرة تخرب، ونحن رأينا ما يحدث حول البحر الأحمر، ومساعي تقسيم الدول العربية وفصل أجزاء منها".
وحذر موسى من تلك المشاريع التفكيكية، قائلاً، "واضح من الذي يقوم بذلك، والمسألة لم تعد سراً، بل باتت على عينك يا تاجر مع الأسف الشديد، وهذا ما يقتضي الحسم، ويتطلب حسماً من جانب الدول العربية ومن جانب الدول التي تريد حل الموقف الخطر في القرن الأفريقي وفي أجزاء كبيرة من المنطقة العربية وفي أفريقيا".
"على إسرائيل الانسحاب"
بالانتقال إلى ملف غزة سألنا موسى عن الغموض في شأن دور مجلس السلام ومستقبل غزة والقضية الفلسطينية، فقال، إن هناك "فرصة لتحسين الوضع الإنساني والإداري في غزة، لكن الوضع يتطلب انسحاب القوات الإسرائيلية قبل أن نتحدث أو بالتوازي مع ما نتحدث عنه في شأن تسليم أسلحة "حماس" إلى السلطة الفلسطينية أو إلى سلطة متفق عليها في الإطار الفلسطيني".
وشدد وزير الخارجية المصري السابق على أن "العمل الجاري يجب ألا يقتصر على ما يفعله الفلسطينيون وما تفعله "حماس" إلى آخره، إذ من الضروري أن تدخل إسرائيل في هذه المعادلة في ما يتعلق بوجودها العسكري"، وقال، "وجود الاحتلال الإسرائيلي يجب أن ينحسر وينسحب خارج أراضي غزة طبقاً لجدول زمني، والجدول الزمني نفسه يطبق على "حماس".
وعن المقاربة المصرية الحذرة تجاه الحكومة السورية الجديدة، وما الذي تنتظره حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي من حكومة الرئيس أحمد الشرع لتعزيز العلاقات، أجاب موسى، "كلنا نعمل على مساعدة الإخوة في سوريا لعبور هذه الأزمة. نحن نريد سوريا مستقرة وأن تعود إلى دورها المهم في العالم العربي. ولذلك أرجو أن ننتظر تقدماً نحو استقرار سوريا ونظامها الجديد حتى نبدأ التعاون العربي بما يشمل سوريا، لما فيه خيرنا جميعاً".
"الابتسامة الغربية غير مغرية"
كتب عمرو موسى عام 2023 مقالاً بعنوان "الابتسامة الغربية الفاتنة لم تعد تغري أحداً"، وهو ممن شهد من كثب تطور النظام الدولي من مرحلة الاستقطاب في الحرب الباردة إلى حال السيولة الدولية الراهنة، بينما يشارك حالياً في مؤتمر ميونيخ، الذي برزت خلاله عناوين الانهيارات، انهيار التحالف الغربي وانهيار النظام الدولي.
عما إذا كنا نشهد حالياً نهاية للنظام الدولي، أجاب وزير الخارجية المصري السابق، "لا، الحقيقة أن النظام الدولي في وضع سيئ ويواجه هجوماً كبيراً لفشله، أي النظام الدولي المتعدد الأطراف والفشل أساساً يقع في مجال حفظ الأمن والسلم الدوليين، تحديداً مجلس الأمن والجمعية العامة، إنما هناك جوانب أخرى من المجتمع من النظام المتعدد الأطراف نجحت بدرجة كبيرة". وأضاف، "موقفي أن النظام العالمي متعدد الأطراف لم يفشل، ولكن جزءاً منه، الخاص بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين بالتأكيد لم يقم بواجبه على الوجه الأكمل ونستطيع القول إنه فشل، وهذا يدخل في إطار إعادة النظر فيه ومحاولة علاج هذا الأمر. وهناك أمل الآن، خصوصاً بعدما ظهر أن هناك تطوراً في الموقف الأميركي، أكده اليوم وزير خارجية الولايات المتحدة روبيو، وهو أن السياسة الأميركية ليست ضد الأمم المتحدة ولا تريد إفشال هذا النظام".

وشدد موسى على أن المنطق الأميركي، الذي بما لم يفهمه كثر أو لم تستوعبه دول كثيرة، لا يقوم على هدم النظام الدولي أو القضاء عليه، بل على معالجته وإعادة صياغة آليات عمله. وأشار إلى أن الرئيس ترمب قال قبل نحو أسبوعين إنه لا يقف ضد هذا النظام، وإنما يسعى إلى إصلاحه. قد تختلف الأطراف حول ماهية هذه الإصلاحات وحدودها، لكن أمين الجامعة العربية السابق يرى أن جوهر المسألة يكمن في إصلاح طريقة عمل مجلس الأمن، ولا سيما ما يتصل بنطاق استخدام حق النقض (الفيتو)، الذي بات في نظر كثر أبرز معوقات فاعلية النظام الدولي.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204534