قطاع النسيج أمام التحديات.. هل ينجح في النهوض مجدداً؟
11/02/2026



سيرياستيبس 

يشكّل قطاع النسيج أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ويعد رافعة أساسية للتشغيل والتصدير، ومرآة لقدرة الصناعة على المنافسة في أسواق المنطقة.

من سوريا، خاصة مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية للبلاد، خرجت علامات تجارية معروفة، ومن معاملها تدفقت منتجات وصلت إلى أسواق الخليج وأوروبا وأفريقيا، لكن هذا القطاع رغم عمق تاريخه وتراكم خبرته، شهد خلال فترة النظام المخلوع تراجعاً حاداً أفقده جزءاً كبيراً من دوره الاقتصادي، وانعكس ذلك على الصناعة، وأيضاً على المواطن الذي بات يواجه أسعاراً مرتفعة للأقمشة والألبسة تفوق قدرته الشرائية.

وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، قال في تصريح مؤخراً: إن “النسيج السوري صناعة وطنية بامتياز، يمثل هويتنا الصناعية، ولا يجوز أن نسمح بانهياره أو تراجعه، بل يجب أن ندفعه بكلّ قوتنا ليكون قاطرة النمو للاقتصاد الوطني، ونحن في وزارة الاقتصاد والصناعة نؤمن بأن حماية هذه الصناعة تبدأ من تقليل التكاليف وتوفير البيئة التنافسية العادلة”.

وأضاف الشعار في رؤيته المستقبلية التي طرحها خلال مؤتمر “ناس تكس 2026”: “يوماً ما قريباً، سيكون هذا القماش وكلّ ما نرتديه هنا من مصانع حلب ودمشق”.

وأكد أهمية بناء شراكات دولية مع تركيا والصين لاستعادة الدور التصديري، موجهاً تحية للصناعيين المغتربين للمساهمة في هذا النهوض، مؤكداً أن “من يبني معنا اليوم لا ينسج مشروعاً أو صفقة، بل ينسج لنفسه مكاناً في تاريخ يولد من جديد”، فهل ينجح هذا القطاع في النهوض من جديد؟

قطاع النسيج بالأرقام
أكثر من 24 ألف منشأة صناعية وحرفية نسيجية في سوريا، منها نحو 14 ألف منشأة عاملة وقرابة 10.5 ألف منشأة متوقفة.
المنشآت الصناعية النسيجية
– العاملة: 5,913
– المتوقفة: 5,973
الأعلى تركيزاً في:
– حلب: 3,174 منشأة عاملة، 3,154 متوقفة
– دمشق: 1,441 منشأة عاملة، 563 متوقفة

المنشآت الحرفية النسيجية
– العاملة: 7,921
– المتوقفة: 4,519
الأعلى تركيزاً في:
– دمشق: 2,916 منشأة عاملة، 200 متوقفة
– حلب: 2,957 منشأة عاملة، 2,392 متوقفة

تشخيص الواقع
يستعرض مدير المؤسسة العامة للغزل والنسيج، الدكتور عماد علي، جردة حساب دقيقة لواقع الشركات العامة وتحدياتها، رداً على سؤال صحيفة “الثورة السورية” حول تقييم وزارة الاقتصاد والصناعة الحالي لشركات النسيج العامة من حيث الإنتاج والطاقة التشغيلية والأرباح أو الخسائر مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011.

وقال علي: من الناحية الفنية، كانت الشركات أفضل قبل عام 2000، والسبب يعود إلى التقادم الزمني للآلات في فترة النظام المخلوع، وعدم استخدام قطع تبديلية جديدة، واستخدام مواد أولية مخالفة، وبالتالي فإن الشركات كانت تعمل بالحد الأدنى من الناحية الفنية خلال هذه الفترة.

ومن الناحية الإنتاجية، يضيف: دخول أنواع من المواد الأولية (القطن) غير مطابقة للمواصفات أثر على جودة المنتج وسبب تهالكاً في الآلات، بينما من الناحية الربحية، وحسب المعلومات المتوفرة، كانت المعامل التي تحقق ربحاً معدودة على الأصابع، وتشمل بشكل خاص معامل غزل إدلب الحديث، والوليد، وحماة.

وأشار إلى أنه سابقاً كانت الاستفادة كبيرة من الاحتكار بحجة حماية المنتج المحلي، أما غالباً فالوضع يرثى له لما آلت إليه المعامل، فهناك ترهل من النواحي الفنية والإنتاجية والإدارية كافة، إضافة إلى فتح باب الاستيراد وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج من حوامل الطاقة وغيرها.

أسباب التراجع
عن الأسباب الرئيسة من وجهة نظر الوزارة لتراجع صناعة النسيج في سوريا وحجم تأثير سياسات الطاقة والتمويل والاستيراد، أجاب علي: “أهم أسباب تراجع صناعة النسيج في سوريا -القطاع العام، تشمل الترهل الإداري في الشركات العامة في فترة النظام المخلوع، وعدم القدرة على تأمين القطع التبديلية من الشركات الصناعية خلال الفترة الماضية، وخضوع هذه المعامل إلى القرار الإداري (السياسي) وليس الاقتصادي في تأمين المواد الأولية وتصريف المنتجات”.

أما عن تأثير سياسات الطاقة ، يشير إلى أن الارتفاع في التكاليف يؤثر على صعوبة تصريف المنتجات والاستيراد، ويلفت إلى أن فتح الأسواق تجاه المنتجات المنافسة وبأسعارها المتدنية يؤدي إلى كساد المنتجات وتشكل المخازين بشكل كبير”.

وأضاف أن هذه الشركات تعاني من مشكلات فنية وإنتاجية ومالية كبيرة فهناك ديون كبيرة جداً على هذه الشركات ناتجة عن عدم تسديد قيم الطاقة ولسنوات عديدة، عدم تسديد قيم المادة الأولية، والهدر الكبير في الإنتاج وبكميات كبيرة جداً.

توجه نحو الاستثمار
في ظلّ عدم القدرة على إنتاج منتجات منافسة، فإن الوزارة تتجه نحو طرح هذه المعامل للاستثمار من القطاع الخاص بموجب عقود تحفظ حق الوزارة في الملكية وحقوق العمال في متابعة عملهم في المعامل ومتابعة الإنتاج بجدوى اقتصادية، وفق علي.

أما عن الدعم المقدّم لصناعيي النسيج، فيشير الدكتور علي إلى تقديم تسهيلات لاستيراد الآلات الإنتاجية والمواد الأولية، إضافة إلى تنظيم دورات تدريبية للعمال.

وفيما يخص الطاقة، يلفت إلى توفير التمويل كوسيلة للحماية من المنافسة الخارجية، مؤكداً أن هذه الجهود تتطلب تنسيقاً مشتركاً مع وزارات أخرى، تسعى الوزارة من خلاله إلى إيجاد بيئة مناسبة لنمو هذه الصناعة.

منافسة غير عادلة
تبدو شهادة الصناعي أحمد جانات، من موقعه داخل السوق الحلبية، مؤشراً واضحاً على معاناة صناعيي النسيج في سوريا، إذ يقدّم صورة أكثر مباشرة عن واقع صناعة النسيج، مؤكداً أن التراجع أصبح حالة يومية داخل المعامل.

وقال جانات لصحيفة “الثورة السورية”: إن قطاع النسيج في سوريا تراجع بنسبة تتراوح بين 40-50 بالمئة مقارنة بفترات سابقة، وهذه النسبة تعني عملياً أن عدداً كبيراً من المعامل خرج عن المنافسة، بعضها توقف كلياً، والبعض الآخر يعمل بقدرات متدنية لا تغطي التكاليف.

ويشرح أن الأسباب تعود إلى عوامل مرتبطة بظروف السنوات الماضية، مثل خروج الآلات واليد العاملة، وأخرى حديثة تتعلق بـ”قرارات اقتصادية خاطئة” زادت العبء على الصناعي بدل تخفيفه، ومنها قرار رفع تعرفة الكهرباء الذي تسبب بارتفاع التكاليف بنسبة 30 بالمئة.

ويشير إلى مفارقات واضحة في الأسواق، حيث يواجه المنتج المحلي “منافسة غير عادلة” من بضائع مستوردة مماثلة أو مهربة، تدخل بأسعار أقل من كلفة الإنتاج المحلي.

أزمة بنيوية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن تراجع قطاع النسيج في سوريا يرجع إلى أزمة بنيوية في البيئة الاقتصادية المحيطة بالإنتاج.
ويقول رحال لصحيفة “الثورة السورية”: إن الصناعة لا تزال تملك اليد العاملة الخبيرة والمعرفة الفنية المتراكمة، إلا أن هذه المقومات تحوّلت إلى عناصر معطّلة في ظل سياسات اقتصادية جعلت الإنتاج نفسه عبئاً بدل أن يكون فرصة.

ويؤكد أن المشكلة الرئيسة تكمن في انعدام الاستقرار الاقتصادي، فقد بات الصناعي عاجزاً عن التخطيط متوسط أو طويل الأجل، في ظل تكاليف متقلبة، وأسعار طاقة غير مستقرة، وسعر صرف متذبذب، وهذا الواقع، وفق رأيه، حوّل أي محاولة للتوسع أو التصدير إلى مخاطرة عالية الكلفة.

تكلفة الطاقة
يفصّل الدكتور رحال في مسألة الطاقة، باعتبارها العصب الرئيس لصناعة النسيج، قائلاً إن عمليات الغزل، الصباغة، والتجفيف تُعد من أكثر العمليات الصناعية استهلاكاً للكهرباء والوقود، وفي سوريا ومع اختلال التزويد وارتفاع الأسعار، اضطر العديد من المصانع إلى الاعتماد على حلول بديلة مكلفة، ما رفع كلفة الكيلوواط الساعي إلى مستويات تجاوزت في بعض الحالات 20 سنتاً.

ويشير رحال إلى أن هذه الكلفة لا يمكن مقارنتها بما هو متاح في دول منافسة مثل مصر وتركيا، ففي حين تستفيد مصر من طاقة أقل كلفة واستقراراً، وتحافظ تركيا على شبكة طاقة موثوقة رغم ارتفاع تكاليفها نسبياً، يفتقد المنتج السوري إلى هذا الاستقرار.

فرص عمل ضائعة
لا شك أن قطاع النسيج يعد من أبرز مشغلي اليد العاملة في سوريا، عندما ساهم بنسبة 30 بالمئة من العمالة الصناعية.

لكن هذا الدور يواجه اليوم تهديداً حقيقياً، فقد أدى إغلاق الورش والمعامل إلى فقدان آلاف العائلات لمصادر رزقها.

يقول أنس قدور (55 عاماً)، عامل نسيج: “قضيت 30 عاماً في هذه المهنة، واليوم بعد إغلاق الورشة، أجد نفسي بلا عمل وبلا مستقبل، مهنتي المتوارثة كانت تؤمن قوت عيشي، والآن أصبحت أبحث عن أي عمل يومي لتأمين لقمة العيش”.

أما سراب العلي التي كانت تعمل في ورشة خياطة بدمشق قبل إغلاقها، فتقول: “إغلاق الورشة كان ضياعاً لأسرة كاملة..

هذا الراتب كان يسترنا، والآن نعيش على المساعدات أو أعمال بسيطة لا تكفي حتى ثمن الخبز”.

كما لم تعد أزمة النسيج محصورة داخل المعامل، بعد أن انتقلت إلى الأسواق وألقت بثقلها على المستهلك، وهو ما بدا خلال جولة لصحيفة “الثورة السورية” ضمن سوق الصالحية في دمشق، حيث انعكس ضعف الإنتاج وارتفاع تكاليفه مباشرة على أسعار الأقمشة والألبسة، ما أدى إلى عجز في القدرة الشرائية وتزايد التوجه نحو أسواق البالة.

الثورة



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=128&id=204504

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc