لماذا يجري العلماء بحوث السرطان في الفضاء؟
08/02/2026




سيرياستيبس 

يموت ما يقارب 10 ملايين شخص سنوياً بسبب مرض السرطان، وعلى رغم تسجيل أكثر من 7459 تجربة سريرية لعلاج المرض منشورة عبر الإنترنت، فإن من المرجح بحسب العلماء ألا يكتب النجاح لـ95 في المئة من هذه الأدوية التجريبية. لذا فإن معدلات الوفيات المرتفعة، والتشخيص في مراحل متأخرة، وارتفاع معدلات فشل التجارب السريرية لعلاج السرطان، إلى جانب الطلب المتزايد على خدمات الأورام، ونقص الكوادر الطبية، تعتبر جميعها من الأعراض الرئيسة لمشكلة أوسع نطاقاً تتطلب اهتماماً عاجلاً.

وبينما يسعى الباحثون حول العالم إلى معالجة هذه المشكلة من زوايا نظر مختلفة، يبدو أن الفضاء الخارجي أو بيئة انعدام الجاذبية قد توفر لنا أرضاً خصبة لمواجهة هذه التحديات، وهذا ما بتنا نراه جلياً في الأعوام الأخيرة عبر عشرات المشاريع العلمية الفضائية المرتبطة بالسرطان، وكان آخرها مشروع "سبارك ميكروغرافيتي" الأوروبي الذي كُشف النقاب عنه قبل بضعة أيام بهدف إنشاء أول مختبر تجاري متخصص في دراسة السرطان على المدار الأرضي المنخفض، ليكون بذلك أول منشأة من نوعها في أوروبا مخصصة للبحوث الطبية الدقيقة في ظروف انعدام الجاذبية.

التجارب هذه جذبت شركات الأدوية العالمية أيضاً، إذ تجري شركة "ميرك" العملاقة للصناعات الدوائية بحوثاً في محطة الفضاء الدولية تتعلق بدواء مضاد للسرطان يتلقاه المرضى بواسطة الحقن في الوريد. وكل ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول حاجة العلماء إلى إجراء بحوث السرطان في الفضاء بدلاً من المختبرات الأرضية التقليدية.

بيئة انعدام الجاذبية
تبقينا قوة الجاذبية على الأرض مثبتين أثناء المشي أو القيادة مما يحسن كفاءتنا البدنية، لكن رواد الفضاء لا يتمتعون بهذه الميزة، فكلما ابتعدنا عن الأرض تتضاءل قوة الجاذبية بصورة كبيرة لتصبح جزءاً ضئيلاً مما هي عليه على الأرض. لهذا السبب، غالباً ما يُربط رواد الفضاء بمركباتهم الفضائية بواسطة حزام أمان عند العمل في الخارج لتعويض انعدام الجاذبية شبه التام، ومن هنا تُعرف بيئة الفضاء الخارجي هذه، حيث تكاد قوة الجاذبية تكون معدومة، ببيئة انعدام الجاذبية.

حتى اليوم، أُجريت كثير من التجارب في بيئة انعدام الجاذبية هذه لفهم تأثيراتها في جسم الإنسان، وأبرزها دراسة التوائم التي أجرتها وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، والتي شملت توأمين أحدهما بقي على الأرض والآخر قضى 340 يوماً في الفضاء، وقد ساعدت هذه الدراسة العلماء على فهم تأثير بيئة الفضاء على جسم الإنسان، وشكّلت نموذجاً أساساً لتوسيع نطاق البحوث الطبية في الفضاء.

ولاحظ العلماء أنه في بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء تنمو الخلايا السرطانية لتشكل أوراماً كروية تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في جسم الإنسان على الأرض، ويمثل تكرار هذه الظاهرة في مختبرات الأرض، خارج جسم الإنسان، تحدياً كبيراً، مما يصعّب دراسة هذه الأورام بالتفصيل، إلا أن الظروف الفريدة للفضاء تتيح للعلماء التغلب على هذه العقبة، إذ تشكّل الخلايا السرطانية في الفضاء بصورة طبيعية هياكل ثلاثية الأبعاد يمكن دراستها بدقة أكبر، ويمكن لهذا الاكتشاف أن يحسّن دقة برامج بحوث الأورام لدينا هنا على الأرض.

على سبيل المثال، يجري العلماء منذ عامين دراسة بحثية على متن محطة الفضاء الدولية للتحقق من آلية حدوث الورم الدبقي، وينشأ هذا الورم الخبيث من الخلايا الدبقية في الجهاز العصبي المركزي، ويظهر بصورة رئيسة في جذع الدماغ، ويستهدف في المقام الأول الأطفال الصغار الذين تراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات، ومعدل الشفاء منه أقل من 10 في المئة. وبذلك تهدف هذه الدراسة الفضائية لخلايا هذا السرطان إلى تسليط الضوء على خصائصها الفريدة، مستفيدةً من بيئة انعدام الجاذبية في محطة الفضاء الدولية للكشف عن تفاصيل حول بنيتها وسلوكها، مما قد يؤدي إلى علاجات أكثر فاعلية.

بلورة بروتين KRAS
ينشأ ما بين 30 إلى 40 في المئة من جميع أنواع السرطان نتيجة طفرات في جين KRAS، لا سيما أن هذا الجين ينتج بروتينات تشارك في نمو الخلايا وموتها، نتيجة للطفرة في هذا الجين يبقى البروتين الناتج منه في حال نشاط دائم، ولا يتحول إلى حال خمول دورياً كما يحدث مع عدم وجود طفرة، ينتج من ذلك إرساله إشارات مستمرة تحفز نمو الخلايا، مما يؤدي إلى ظهور أنواع مختلفة من السرطان.

هذه الظاهرة تجعل من الضروري للباحثين دراسة بروتينات KRAS الناتجة من طفرات الجين، وذلك لتطوير أدوية تثبط عمل هذا البروتين وتعالج هذه الأنواع من الخلايا السرطانية، ويكمن التحدي في عدم قدرتنا على تثبيت بنية هذا البروتين بصورة كاملة في المختبرات على الأرض، لذا غالباً ما يواجه الباحثون صعوبة في فهم بنيته الجزيئية وتطوير أدوية مناسبة.

عالج مختبر "فريدريك الوطني" الأميركي لبحوث السرطان هذه المشكلة في الأعوام الأخيرة عبر إرسال جزيئات البروتين هذه إلى الفضاء بمساعدة فريق محطة الفضاء الدولية، وبعد فترة زمنية محددة سابقاً، عندما عادت كبسولة تحمل جزيئات البروتين التي تبلورت في الفضاء إلى الأرض، وجد الباحثون أن البلورات المقابلة المتكونة في الفضاء كانت أكثر دقة، وأظهرت انتظاماً أكبر بنسبة 50 في المئة، وكانت نسبة الإشارة إلى الضجيج (مؤشر في العلوم والهندسة يستخدم للإشارات الكهربائية ويمكن تطبيقه على التأشير الكيمياوي الحيوي بين الخلايا) فيها أعلى بخمس مرات من الجزيئات المماثلة التي تبلورت على الأرض، لذا، يمكن لتجارب كهذه أن تساعدنا في استكشاف بنية هذه البروتينات الحيوية بالتفصيل، وضمان أن يكون الجيل القادم من الأدوية والأهداف التي نطورها في علم الأورام أكثر فاعلية.

سرطان الفضاء
إلى ذلك لاحظ علماء من معهد "سانفورد للخلايا الجذعية" بجامعة "كاليفورنيا" الأميركية سابقاً أنه عند إرسال خلايا سرطانية مكتملة النمو إلى الفضاء على شكل أورام كروية، يتضاعف حجمها ثلاث مرات في غضون 10 أيام وحسب. يُعزى هذا التسارع إلى انخفاض قوى الجاذبية في الفضاء، أي انعدام الجاذبية تقريباً، وهذا أمر مذهل، لأن هذه الظاهرة تتيح فرصة لاختبار أدوية الأورام التجريبية بوتيرة أسرع بكثير في بيئة انعدام الجاذبية مما هو ممكن على الأرض.

وقد أثبت علماء الجامعة هذه الفرضية بإرسال نموذج عضوي لورم سرطان الثدي ثلاثي السلبية إلى الفضاء مع دواء مضاد للسرطان. وخلصوا إلى أن نمو الخلايا السرطانية يمكن أن يتباطأ بوتيرة أسرع بكثير في الفضاء مقارنة بالأرض.

في السياق ذاته، وعلى رغم الحاجة إلى إجراء مزيد من التجارب في بيئة انعدام الجاذبية المحاكاة على الأرض، فإن التجارب الأولية التي أجراها العلماء في أستراليا تبدو واعدة. فقد قام فريق بحثي من جامعة "سيدني للتكنولوجيا" بأخذ أربعة أنواع مختلفة من الخلايا السرطانية من أجزاء مختلفة من الجسم وهي الثدي والمبيض والرئتين والأنف، ووضعوها في بيئة انعدام الجاذبية المحاكاة على الأرض، ووجد الفريق أن ما بين 80 و90 في المئة من هذه الخلايا السرطانية ماتت خلال 24 ساعة.

وتوسعت البحوث الحديثة حول العالم لتشمل استكشاف تأثيرات انعدام الجاذبية في الخلايا السرطانية، وكشفت أن غياب الجاذبية يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في بيولوجيا الأورام، إذ تشكل الخلايا السرطانية المعرضة لبيئات انعدام الجاذبية كريات ثلاثية الأبعاد متعددة الخلايا، وهو نموذج يحاكي بدقة أكبر بنية الأورام الحية مقارنة بالزراعات الثنائية الأبعاد التقليدية. وتظهر هذه الكريات سلوكيات بيولوجية متغيرة، مثل زيادة موت الخلايا المبرمج والالتهام الذاتي، وكبح التكاثر، مما يشير إلى أن انعدام الجاذبية قد لا يقدم رؤى جديدة حول تطور السرطان وحسب، بل يمثل أيضاً استراتيجية علاجية جديدة واعدة.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=144&id=204463

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc