هل تتجه الحكومة السورية إلى إصلاح القطاع العام أم إلى تصفيته ؟
07/02/2026
سييرياستيبس
كتب الدكتورإبراهيم محمد
اشتعل الجدل مجددا حول مصير ومستقبل شركات الدولة أو القطاع العام بعد إعلان وزير المالية السوري محمد يسر برنية في إطار لقاءات مه ممثلي البنك الدولي عن سعي الحكومة السورية لتحويلها إلى شركات مساهمة تتمتع بالكفاءة والقدرة على المنافسة. وبناء على ما ذكره الوزير فإن خطوة كهذه ستكون على مراحل تبدأ بمنحها استقلالية إدارية ومالية تؤسس لجذب مستثمرين واستثمارات تجعل منها شركات ذات كفاءة وقدرة على المنافسة في السوق. ومما يعنيه هذا في النهاية الخصخصة، ولكن السؤال إلى أي مدى تريد الحكومة الذهاب في هذا المجال أو في مجال بيع مؤسسات الدولة إلى المستثمرين والقطاع الخاص؟
وإذا كان الصعب الإجابة على هذا السؤال الآن، وبعيدا عن الاتهامات التي تقول بأن كلام الوزير من وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، فإن الحق يُقال بأن الغالبية الساحقة من هذه الشركات التي يزيد عددها على 200 شركة ومؤسسة تعاني من البيروقراطية والفساد وسوء الإدارة وغياب الاستقلالية المالية والخسائر منذ أن دخلت عالم التدريس الجامعي والتحليل في مجال السياسيات الاقتصادية قبل نحو أربعة عقود. ومما يعنيه ذلك أنه لا يمكن استمرارها على هذا الوضع الذي هي عليه بغض النظر عن شكل الحكومة وتوجهاتها. وإذا كانت المحاولات السابقة للتغيير الإيجابي قد فشلت على مدى عقود خلت، فإن ذلك لا يعني إطلاق عنان التشاؤم وكان هناك خيارات أخرى غير الخصخصة. ولا أقصد بذلك الخصخصة المتوحشة التي لا تقيم وزنا لحقوق العاملين والمسؤوليات الاجتماعية للشركات والتي يعود بعضها إلى عقد الخمسينات، أي إلى ما قبل التأميم والتوجهات الاشتراكية التي بدأت مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
إن ما أقصده بالخصخصة تحويل مؤسسات القطاع العام التي لا تشمل القطاعات الاستراتيجية الحيوية للدولة إلى شركات يدخل القطاع الخاص في ملكيتها وإدارتها مثل شركات تعمل في البناء والطاقة والخدمات على اختلافها. ويمكن أن يصل الأمر في عدد من الشركات كتلك التي تعمل في مجال الأنسجة والأدوية والمواد الغذائية إلى خصخصة كاملة على أساس عقود تضمن ضخ استثمارات ورفع الكفاءة والحفاظ على حقوق العاملين وخلق فرص عمل جديدة. أما الشركات الاستراتيجية كالمطارات والمرافئ والتخزين والاتصالات والبحوث فيجب أن تبقى اليد العليا فيها للدولة. وهو أمر مألوف حتى في بلدان الاقتصاد الليبرالي مثل ألمانيا واليابان والسويد وغيرها.
بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وقبل ذلك شهدت بلدان عديدة عمليات خصخصة ذات تجارب مريرة كتلك التي أدت مثلا إلى تراجع نوعية المياه وخدمات النقل العام في بريطانيا، وبعد انهيار ألمانيا الشرقية سابقا تم تخصيص مئات الشركات العامة والتي كانت ناجحةبناء على عقود مليئة بالثغرات بشكل أدى إلى تصفيتها بشكل كامل أو راديكالي كي لا تنافس مثيلتها الغربية. وهنا أتذكر على سبيل المثال كيف تحولت شركة "كارل تسايس يينا" العامة والعملاقة لأجهزة الفضاء والعدسات والكاميرات من مؤسسة تضم أكثر من 43 ألف موظف وخبير وباحث وتصدر إلى عشرات البلدان إلى معمل صغير لا يتجاوز عدد العاملين 3500 عامل.
إن أي خصخصة في سوريا يجب أن تراعي مثل هذه التجارب كي لا نفقد القطاع العام الذي يعود تاريخه إلى 80 سنة دون بدائل في الأفق المنظور، لاسيما وأن الكثير من مؤسساته يمكن إصلاحها دون تكاليف عالية من خلال منحها استقلالية إدارية ومالية بشكل فعلي، ومن خلال إلزامها بالشفافية وتخليصها من أخطبوط البيروقراطية والرجوع إلى الحكومة المركزية في العاصمة بكل شاردة وواردة. وإذا لم تتم مراعاة هذه التجارب ودراسة خصوصية كل شركة ومدى أهميتها قبل الإقدام على خصخصتها بشكل جزئي أو كلي فإننا سنسير نحو تصفية تدريجية لمؤسسات القطاع العام في الوقت الذي لا يوجد فيه بدائل لمنتجات وخدمات الكثير منها. ويزيد الطين بلة غياب رؤية تنموية مستدامة وسياسات صناعية واضحة حتى الساعة. كما يزيده بلة ارتباط حياة ودخل ملايين السوريين بعملهم ووظيفتهم في هذه المؤسسات.
إن أية تصفية راديكالية أو كاملة لمؤسسات القطاع العام تحت ستار ضرورة الخصخصة من أجل رفع الكفاءة في بلد يلعب فيه هذا القطاع دورا أساسيا منذ الاستقلال عن فرنسا لن يكون لها تبعات اقتصادية وحسب، بل واجتماعية تصيب ملايين السوريين بالأذى. وهو أمر يهدد الاستقرار الاجتماعي الذي لا يمكن أن يتحقق في ظله نجاح اقتصادي ملموس كالتي تحتاج إليه سوريا لمواجهة تحديات إعادة الإعمار وتنمية مستدامة.
الدكتور إبراهيم محمد– محلل في الشؤون السياسية والاقتصادية - برلين
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204445