سوريا ترفع الضرائب على المشروبات الكحولية , وتستعد لفرض ضرائب على منتجات التبغ
04/02/2026



 

 

سيرياستيبس :

فتح قرار فرض ضريبة على الكحول في سوريا الباب للإعلان عن مجموعة من الضرائب التي تُحضّر لها الحكومة السورية، وتطاول منتجات الدخان ومشروبات الطاقة والسلع الضارة بالصحة.

وكانت الحكومة السورية أصدرت قراراً بتاريخ 27 يناير (كانون الثاني)  ، يقضي برفع سعر لصاقة المشروبات الكحولية إلى ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي مئة ألف بالقديمة، ما يعادل 8.6 دولار. وبحسب وزير المالية السوري محمد يسر برنية فإن الهدف من اللصاقة هو مكافحة التهريب، وإن نسب الارتفاع مماثلة لعديد من الدول.

وكشف وزير المالية السوري في تصريح رسمي عن عزم الحكومة رفع الضرائب على منتجات التبغ ومشروبات الطاقة، إضافة إلى المنتجات التي تحتوي على نسب عالية من السكر، وفئات معينة من المنتجات التي تشكّل عبئاً صحياً على الأفراد والمجتمع ككل. وأشار إلى أن نسب الزيادة المقترحة ستكون متوافقة مع المستويات المطبقة في العديد من الدول الأخرى التي تعتمد سياسات مماثلة. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن هذا التوجه يمثل جزءاً من حزمة سياسات مالية وصحية متوازية، ويأتي ذلك في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة السورية لإصدار قانون جديد للضرائب في البلاد.

ومع تأثير ضريبة الكحول على المنتجين المحليين، إذ يوجد في سوريا عديد من المصانع، بعضها يصدّر إلى عديد من الدول، من بينها الولايات المتحدة الأميركية، فإن التوجه لفرض ضرائب على الدخان ستكون له أبعاد اقتصادية وصحية وحتى اجتماعية في بلد يعاني من الفقر وانتشار واسع للبطالة وتراجع حاد في الدخل، وكلها أسباب تدفع نحو التدخين.

لصاقة ضريبية لمنع التهريب

بعد سقوط النظام البائد، حظرت السلطات الجديدة بيع وتقديم المشروبات الروحية إلا بموجب تراخيص، ويحكم تداول المشروبات الكحولية في سوريا القانون رقم 165 لعام 1945، الذي وضع نظام رسومٍ للمواد الكحولية. لكن هناك قوانين أخرى تتعلق بصناعتها، آخرها المرسوم التشريعي 61/2004 الذي حدّد أساس ممارسة تجارة وصناعة الكحول بالحصول على الترخيص.

ويبلغ إنتاج سوريا من النبيذ بحسب منظمة "الفاو" نحو 50 طناً، وتعتمد المشروبات الروحية على العنب الذي تشتهر به البلاد، وشهد تصدير المشروبات الروحية تزايداً خلال الأعوام الماضية.

وبلغت نسبة الزيادة عام 2023 نحو 500 في المئة عن عام 2022، ويتم التصدير عبر معامل الدولة وأشهرها معمل "الميماس" ومعامل للقطاع الخاص، يوجد في مدينة حمص وحدها 150 معملاً، ويأمل أصحاب المصانع بمناقشة ضريبة الكحول الجديدة وآثارها على صناعتها في سوريا.

يقول جورج سليمان، وهو مدير في أحد معامل النبيذ في طرطوس، في حديث مع "اندبندنت عربية" إن اللصاقة الضريبية قد تفتح الباب واسعاً للتهريب على عكس المرجو، إلا أن تأثيرها الأهم سيكون في انتشار صناعة الكحول في سياق الاقتصاد غير المنظم، أي في المنازل، إذ يتقن السوريون استخراج الكحول بطرق بدائية، وهي مرغوبة محلياً ومنافسة، الأمر الذي سيفقد الخزينة الكثير من الإيرادات إلى جانب تأثر التصدير بسبب تشتت الإنتاج.

أشار إلى أن صناعة النبيذ وغيره من المشروبات الروحية تعاني من ارتفاع أجور النقل وارتفاع أسعار المواد الأولية، وفي مقدمتها العنب الذي تنتج سوريا منه 224 ألف طن سنوياً بسبب ارتفاع كلفة زراعته، مشيراً إلى أن إنتاج النبيذ والمشروبات الروحية تراجع في عام 2025 بعد أن كان شهد ازدهاراً في الإنتاج والتصدير عام 2023.

الصناعي السوري لفت إلى تراجع الاستهلاك المحلي للمشروبات الروحية كمبيعات، وقال "ربما من أسباب التراجع هو العامل الديني وربما الخوف من المجاهرة بالاستهلاك"، إلا أنه قال إن اللجوء إلى طرق الاستخراج التقليدية قد يكون السبب في تراجع مبيعات المصانع ومنافذ البيع.

تداعيات سلبية على التصدير

المتخصص الاقتصادي السوري عامر شهدا، وجّه رسالة إلى وزير المالية السوري قال فيها إن رفع لصاقة المشروبات الروحية قرار خاطئ، وستكون تداعياته سلبية على الخزينة، لأن ارتفاع العبء قد يشجّع التهريب ويحرم الدولة من موارد كانت تحصلها من السوق النظامية.

وحذّر من أثر محتمل على معمل الميماس التابع للدولة إذا تراجع تسليم العنب للمعمل وما يتبعه من تراجع في الإنتاج والتصدير، وذهب إلى أن الكميات المسلّمة قد تنخفض ما بين 60 و70 في المئة، وأن تراجع الإنتاج سيؤثر على التصدير الذي قال إنه يشكّل الجزء الأكبر من مبيعات المعمل.

مدخّن من كل 4 شباب سوريين

بينما اعتبر مختصون أن رفع كلفة سلعة محددة في سوق هشة قد يعيد تشكيلها عبر الندرة وتوسع السوق السوداء، فإن الإعلان عن فرض ضرائب على منتجات التبغ، والذي لن يرحّب به المدخنون، يبدو في غاية الأهمية مع تحول التدخين، سواء للسجائر أو الأركيلة، إلى حالة خطيرة تستوجب الوقوف عندها في بلد كسوريا ينفق المدخنون فيه بالحد الأدنى 600 مليون دولار سنوياً ثمن سجائر فقط.

الإحصاءات تشير إلى أرقام صادمة، إذ إن هناك شخصاً واحداً من كل 4 يدخنون وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، و24.5 في المئة من الشباب السوري يستهلك منتجات التبغ، والبعض منهم أطفال في عمر 13 سنة أو حتى بعمر أقل، في حين قال تقرير صادر عن المؤسسة العامة للتبغ إن عدد المدخنين بلغ عام 2021 نحو 4 ملايين ونصف المليون، وهناك من يؤكد أن المدخنين في سوريا يتراوحون بين 5 إلى 6 ملايين مدخن حالياً، ووفقاً لإحصائية رسمية تبيّن نسبة المدخنين بين النساء تبلغ 20 في المئة، في حين تبلغ 60 في المئة بين الرجال، إلا أن الأهم والأخطر في الأمر هو تأثر 98 في المئة من السكان بالتدخين السلبي.

في حين أظهرت النسخة السابعة من تقرير "دي توباكو أطلس"، وهي مبادرة تكافح التدخين منبثقة من الجمعية الأميركية للسرطان، أن متوسط استهلاك الفرد في سوريا من السجائر يبلغ 1275 سيجارة لكل شخص شهرياً.

الضرائب قد لا تكون حلاً

لم تعلن وزارة المالية حجم الضرائب التي ستفرضها على منتجات التبغ والمعسل، وينتظر أن تساعد الضرائب المرتقبة في تعزيز موارد الخزينة، وعلى التوازي المساعدة في إقلاع الكثيرين عن التدخين بسبب ارتفاع أسعارها، بخاصة أن عدد المدخنين في سوريا يزداد بشكل مطّرد بحسب محمد سلوم، وهو طبيب أمراض قلبية، الذي حذّر في حديث مع "اندبندنت عربية" من أن أرقام المدخنين حالياً قد تصل إلى أرقام مقلقة، بخاصة مع تعدد أنماط التدخين لدى السوريين ولجوء كثيرين منهم إلى أنواع تبغ رديئة للتوفير، مشيراً إلى أن انتشار تدخين "الأركيلة" بات يحتاج إلى دراسات استقصائية.

وأوضح أن كلفة التدخين على البلاد لا تُقاس فقط بما ينفقه المدخنون لشراء منتجات التبغ، وإنما بهيكلية الإنفاق التي غالباً ما تكون على حساب متطلبات أخرى، في مقدمتها الغذاء، ولا بد من احتساب الكلفة الصحية، وهي كبيرة جداً، جازماً أن أغلب مرضى القلب في سوريا هم ضحايا التدخين.

الطبيب السوري أكد في حديثه أنه يؤيد بشدة فرض الحكومة السورية ضرائب على منتجات التبغ، مؤكداً أن الضرائب قد لا تكون حلاً كافياً، وإذ لا بد من التوعية والتشدد في القوانين التي تمنع التدخين في أماكن العمل والأماكن العامة، إلى جانب التشدد في مكافحة التدخين بين الفئات العمرية الصغيرة، لافتاً إلى انتشار التدخين بين الأطفال.

وقال إن التدخين في بلد كسوريا لا يبدو إلا حلقة من حلقات التلوث، وهو بمستويات خطيرة وتحتاج إلى مليارات الدولارات للتعامل معه بعد 14 عاماً من الحرب وما تخللها من تلوث ناجم عن استخراج بدائي للنفط وتلوث الأنهار والتربة، عدا عن الكميات الهائلة من المتفجرات التي جرى استخدامها خلال العمليات العسكرية، بما فيها البراميل المتفجرة، وكلها ستكون لها آثار بيئية وصحية كارثية.

مخاوف التحول إلى التبغ الرديء

اقتصاديون سوريون أيدوا رفع الضرائب على منتجات التبغ، كونه سيشكّل مورداً مهماً لخزينة الدولة، مشيرين إلى أن التبغ يشكّل رافداً لخزائن الدول في أوروبا، إذ تصل ضريبة السجائر إلى 50 في المئة من قيمتها.

 

المتخصص في مجال حماية المستهلك محمد الطويل، قال إن الأساس في العمل هو الحد من التدخين حفاظاً على الصحة العامة وليس صحة المدخنين فقط، وقال إن التبغ ليس سلعة أساسية بل ضارة، معتبراً أن التبغ والخمور من السلع التي تتحمل فرض ضرائب عالية عليها.

لكن الطويل حذّر من لجوء المدخنين، وبخاصة الفقراء ومحدودي الدخل، إلى شراء أنواع رخيصة مهربة تحتوي على نسبة عالية من السموم، وعلى حساب أمنهم الغذائي.

أشار إلى أن الكثير من المدخنين لجأوا إلى التبغ العربي أو اللف كما يسمونه في سوريا، والذي لم يخضع إلى أي عملية تصنيع، فقط يتم تقطيعه بشكل ناعم، وكان ممنوعاً في زمن النظام، ويكفي الكيلو منه لمدخن عادي نحو شهرين، ويعادل سعره 3 علب دخان أجنبي، في حين تبدأ أسعار التبغ في الأسواق السورية حالياً من 10 آلاف ليرة (0.8 دولار) ولا تنتهي بـ 100 ألف ليرة (8.6 دولار) لبعض الأنواع العالمية التي دخلت السوق بحرية بعد سقوط النظام السابق.

تجارة التبغ الأجنبي وماهر الأسد

تشير إحصاءات محلية إلى أن السوريين استهلكوا خلال عام 2023 دخاناً محلي الصنع بقيمة 484 مليار ليرة (41.7 مليون دولار) وفق سعر الدولار الحالي 11600 ليرة، إذ كان إنتاج التبغ محصوراً بالمؤسسة العامة للتبغ قبل أن يصدر النظام السابق المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2024، الذي يجيز للقطاع الخاص الاستثمار في زراعة وشراء وتصنيع وتسويق التبغ، منهياً بذلك عقوداً من احتكار الدولة لهذا القطاع. وجاء الهدف من المرسوم جذب الاستثمارات وتطوير الصناعة عبر خطوط إنتاج جديدة وتحسين أسعار شراء المحصول من المزارعين، وجرى منح رخصة واحدة، لكن لم يتمكن صاحبها من إقامة المعمل بسبب سقوط النظام، مع الإشارة هنا إلى أن إنتاج سوريا من التبغ يبلغ 12 ألف طن سنوياً، وبلغت كمية التبغ المصنعة محلياً لدى المؤسسة العامة للتبغ 5781 طناً خلال عام 2023، وأهم الأنواع المحلية تحمل اسم "الحمراء" بنوعيها الطويلة والقصيرة، وهي مرغوبة لدى فئة واسعة من السوريين، وكانت تُصدّر ولكن بجودة أعلى.

وطوال الأعوام الماضية كانت تجارة الدخان الأجنبي الذي كان يدخل إلى البلاد تهريباً محصورة بماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري المخلوع، والذي كان يشرف على تجارته وتوزيعه داخل البلاد عبر شبكة مرتبطة به ضمن منظومة متماسكة من الاحتكار والفساد كانت تحقق مئات الملايين من الدولارات على حساب الاقتصاد الوطني.

وعلى رغم أن الحكومة السورية أصدرت تشريعات للحد من التدخين، مثل منعه في الأماكن المغلقة ومؤسسات الدولة والحدائق، إلا أن تطبيق هذه التشريعات لا يزال محدوداً فيما عدا وسائل النقل العامة.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=126&id=204422

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc