سيرياستيبس :
تكمن الخطيئة الكبرى في العقلية
الاقتصادية التي تدار بها البلاد منذ عقود في النظر إلى الكهرباء بوصفها
سلعة استهلاكية نهائية، وليست ركيزة أساسية للإنتاج الزراعي والصناعي
والخدمي. حيث تتجاهل قرارات رفع الأسعار التي تسوقها الحكومة تحت ستار
«ضمان استدامة قطاع الطاقة» حقيقة أن هذه الاستدامة لا يمكن أن تتحقق قبل
حل المواضيع الأكثر جوهرية، بما في ذلك طريقة توزيع الثروة في سورية ورفع
الحصة الحقيقية لأصحاب الأجور.
تعتمد الصناعات السورية التي تعد العمود
الفقري لإعادة التشغيل الاقتصادي بعد سنوات الحرب بشكل كلي على توفر
الطاقة بأسعار معقولة لتتمكن من المنافسة والبقاء. وبشكل طبيعي، فإن إلغاء
الدعم وفرض أسعار مرتفعة يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يضعف
قدرة المشاريع المحلية على المنافسة أمام البضائع المستوردة، ويخفض بالتالي
فرص التشغيل، ويزيد من معدلات البطالة والفقر.
إن ما تصفه الحكومة
بالاستدامة هو في الحقيقة عملية استنزاف مالي جديد للمنتجين في سورية لصالح
تغطية عجز ناتج بالدرجة الأولى عن سوء الإدارة والفساد الكبير، فالاستدامة
الحقيقية لا تبنى على تحميل الفقراء أعباء فشل المنظومة الفنية، بل تبنى
على كفاءة التشغيل. وهنا نضع اليد على المشكلة القديمة الجديدة في سورية
وهي الفاقد الفني والتجاري للكهرباء الذي يتراوح وفقاً لتقديرات مختلفة بين
40% و50%، بينما يتراوح عالمياً بين 5 و15%. هذا يعني أن نحو نصف الطاقة
المنتجة يضيع هباءً نتيجة ترهل الشبكات والسرقات الكبرى التي تتم غالباً
بغطاء من نخب نافذة، وبدلاً من أن تقوم الوزارة بإصلاح الشبكات وضبط اللصوص
الكبار، تذهب للحل الأسهل وهو جباية الثمن من جيوب السوريين الفقراء.
تعتبر
الطاقة المدعومة في الدول الخارجة من الحروب أهم أداة من أدوات إعادة
الإعمار والتعافي. فإعادة تشغيل المصانع والورش الصغيرة التي تضررت خلال
الحرب تتطلب بيئة محفزة، وأي رفع للأسعار في هذه المرحلة هو بمثابة إعدام
لفرص التعافي الوطني. والطاقة المدعومة ليست منة من الحكومة، بل هي حق، فكل
ليرة تُدعم بها الكهرباء للقطاع الإنتاجي تعود على خزينة الدولة أضعافاً
من خلال الضرائب وفرص العمل وتصدير المنتجات.
إن السياسات الحالية تكرس
نموذج اقتصاد الجباية بدلاً من اقتصاد الإنتاج، مما يعزز هيمنة كبار
المستوردين الذين يتربحون من استيراد الطاقة البديلة، بينما ينهار القطاع
العام لصالح خصخصة مقنعة تُبنى على أنقاض قدرة المواطن الشرائية. ما يعني
أننا فعلياً أمام عملية تدمير ممنهج لما تبقى من قدرة تنافسية للصناعة
والزراعة السورية، وهو ما يخالف كل الشعارات الرنانة حول التنمية وإعادة
الإعمار التي تطرح في المحافل الدولية.
قاسيون
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204340