إعادة منطقة الجزيرة إلى سيطرة الدولة
درغام : بعض القضايا التي قد تنفع في التمهيد والتخطيط للفترات القادمة






سيرياستيبس :
كتب الدكتور دريد درغام على صفحته على الفيس بوك 

نبارك أي تفاهم بين السوريين؛ فقد سئم معظم السوريين الحروب في شرق ينتشي بالثأر. وكلما انغمس في حرب لزمه عقود ليكتشف أن نِعَم السلام أكبر. يتغنى الشرق بأبطال البسوس وداحس وغبراء وغيرها دون سؤال عن جدوى القتال بسبب عقر ناقة أو إخافة حصان لمنعه من الفوز أو غيرها من القضايا "المهمة”. في هذا الشرق ينسى الناس أصل المشاكل ويتبعون عصبياتهم ولا يهدؤوا إلا بسفك دماء آلاف مؤلفة؛ فقتل عشرة مقابل كل ضحية أقل مقياس لبطولة سمعوها في مروياتهم وسهراتهم وشربوها حتى ناموا.
بغض النظر عن الظروف التي أجبرت قسد على التسليم، فإن استعادة جزء كبير من المناطق غير المسيطر عليها سابقاً يعتبر مهماً جداً ويمكن أن يبنى عليه في بلد تستحق استعادة مواردها لكل أطياف شعبها. المتوقع وقف استيراد القمح والنفط والغاز والانطلاق نحو آفاق أرحب. ولكن هل يبرر هذا الاتفاق ارتفاع الليرة والأمل بانفراجة سريعة للأحوال وعودة فرص العمل وسوريا إلى الحياة؟
لا يجوز لنا المبالغة بالتفاؤل حرصاً على عدم خيبة السوريين فهم بحاجة لكل بصيص أمل. لذا لا بد من التنويه إلى بعض القضايا التي قد تنفع في التمهيد والتخطيط للفترات القادمة ومنها ما يلي:
1- ليست أول مرة تحصل فيها سوريا على إعانات وأموال ضخمة (مثال الخمسينات والسبعينيات) ولكن تباين اهتمام الحكومة في كل فترة بين فورات عقارية وتغيب القطاع العام على الخاص ومشاريع النقل وفي التسعينات استفادت الصناعات الخصة من دعم هائل بالطاقة ورخص اليد العاملة (لأن المعيار كان رواتب العام المنخفضة) وتم ذلك على حساب الريف الذي تفجر في 2011. لذا حتى بتوافر الموارد يجب الانتباه إلى المشاكل البنيوية؛ فالدول المتقدمة ذاتها تعاني منذ كورونا ولم تجد طريقها بعد.
بوجود سلطة تجتمع لديها كل الصلاحيات يمكنها إن رغبت فعل الكثير لمستقبل أبهى لسوريا. وهذا يتطلب عدم الاكتفاء بالنمو بل التنمية العادلة المستدامة لكل شرائح الشعب. وقد أكدت في منشورات سابقة على أن التقدم المتسارع في عالم التقانة والذكاء الصناعي لا يسمح بسياسات تنمية تقليدية لأنه سيغير قريباً جداً كل مفاهيم التعليم والعمل والإنتاج وإعادة توزيع الثروة.
2- في غياب هوية اقتصادية واضحة وتأخير الموازنة وضبابية التوجهات تستمر السوق السورية في دولرة غير واضحة المآل مع استمرار ليرة تركية في المناطق التي تسيطر عليها ومع انفتاح غير منضبط على استيراد جميع المنتجات وبالأخص التركية وغياب أي سياسة واضحة لصالح المنتج والمصنع المحلي وضبابية مصير القطاع العام (ألغيت وزارات ومؤسسات وتم تسريح الكثير من الموظفين دون حلول بديلة أو مخففة) وعدم وضوح مصير مؤسستي التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية (لم يعرف حتى الآن مصير ديونهم على الحكومة أو إمكانية توظيف فوائضهم إن وجدت) وعدم وضوح البرامج الحكومية المرتبطة بتخفيف معاناة اللاجئين والنازحين وغيرهم وعدم وضوح مصير المسرحين أو المعتقلين يصبح المشهد سريالياً إذ يعتقد أن من سيجذب هي الاستثمارات المضمونة الربح (استخراج ثروات باطنية وطاقة واتصالات ومصارف ومشافي) أو الؤكدة التلويث (الاسمنت وأشباهه) على حساب مختلف المهن والمشاريع الصغيرة التي يصعب عليها الصمود أمام الدفق الهائل من المستوردات التركية والصينية وغيرها.
3- يلزم سوريا 100-150 ألف برميل يومياً (خاصة بوجود النفط الخفي من حقل العمر وأخواته والثقيل من الشمال) كي تلبي احتياجاتها من المازوت والبنزين والفيول والكاز. ولكنها ستبقى بحاجة لاستيراد الغاز المنزلي لأن ما ينجم عن التكرير لا يتجاوز 2% وهو قليل. كما أن حقول الغاز ستلبي حاجة الكهرباء (بغض النظر عن دمار مصنع معالجة الريان). وبالتالي خلال أشهر قليلة يفترض أن تزداد كمية الانتاج (على أمل عودة التصدير) وتنخفض تكلفة مشتقات النفط والكهرباء على المستثمرين والمواطنين بشكل ملموس . مع التنويه إلى أن متطلبات الوقود أصبحت أكبر مع تضاعف أعداد السيارات. وبجميع الأحوال كيف ستتعامل الشركات الأجنبية صاحبة التراخيص السابقة مع السنوات ال15 الماضية وهل ستكتفي بالعودة للعمل بذات الشروط وماذا عن احتمال مطالباتها بالتعويض عن السنوات الماضية. لقد عودنا الغرب على المفاجآت بآخر لحظة بحيث يضمن حقوقه على حساب من يتغاضى عن كل الاحتمالات.
3- في سد الطبقة يوجد ثمانية عنفات قدرة كل منها 100 ميغا واط: كانت المشكلة وما تزال في قدرة تركيا على التخلي عن كميات مياه كافية لتشغيلها. ففي الماضي اشتغلت عنفة واحدة في معظم الأحيان. بالتالي بالطاقة الإنتاجية الحالية لسوريا من محطات تعمل على الغاز بشكل أساسي وبعضها على الفيول يمكن تأمين حاجة سوريا من الكهرباء. تكمن المشكلة في تهالك وسرقة الكابلات والمحولات في شبكة النقل والتوزيع وفي الفاقد التجاري (عمليات السرقة). وهذا يتطلب مقاربة مختلفة فسوريا ليست بحاجة لمحطات توليد جديدة بقدر ما تحتاج إلى شركات توزيع مؤهلة مع كابلات بكفاءة أكبر (نحاسية وليس ألمنيوم) وعدادات إلكترونية؛ والأهم سيبقى ضمان بيئة آمنة تضمن عدم سرقة البنية التحتية.
4- في نشوة عودة الجزيرة ارتفعت الليرة مما يعني المزيد من الضغط على الصناعيين ومزيداً من الدعم للمستوردين. وفي ظل الدولرة الحالية ستكتشف غالبية السوريين (اصحاب الدخل المحدود والفقراء) أنهم بغياب الرؤية الواضحة سيدفعون الثمن على الأمد البعيد.
نبارك من جديد عودة الجزيرة إلى كل السوريين ونأمل أن تكون هناك مبادرة من الرئاسة تؤكد على أن المستقبل سيكون لبرلمان ينتخبه السوريون "مباشرة" ويضمن لهم حرية التعبير وتغيير الحكومات في صناديق انتخاب لممثلين قادرين من خلال "أحزابهم" السياسية على بلورة الرؤية الجدية لمستقبل سورية



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204256

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc