سيرياستيبس
لماذا تعود داليدا اليوم؟ ولماذا يختارها خيري بشارة من بين عشرات الشخصيات الفنية التي تستحق أعمالاً درامية؟ الإجابة لا تتعلق بحجم نجوميتها فقط، إنما بخصوصية قصتها، فداليدا ليست مجرد مطربة حققت نجاحاً عالمياً، لكنها حالة إنسانية استثنائية جمعت بين أقصى درجات المجد وأقصى درجات الألم، وبدت نموذجاً لفنان يشعر بأنه يمتلك العالم، لكنه يعاني إحساساً أنه يفقد نفسه تدريجاً. بعد 40 عاماً على الرحيل، تعود حكاية المطربة العالمية داليدا إلى خشبة المسرح من جديد، لكن هذه المرة ليس من بوابة الحنين إلى أغنياتها الشهيرة أو الاحتفاء بتاريخها الفني، إنما من خلال محاولة الغوص داخل روح امرأة ظلّت طوال حياتها تخفي جراحها خلف ابتسامة ساحرة وصوت أصبح أحد أشهر أصوات القرن الـ20.
منذ ساعات، أعلن المخرج المصري خيري بشارة عن التحضير للمسرحية الغنائية "داليدا... الأغنية التي لا تنتهي" بالتعاون مع السفارة الفرنسية، ضمن فعاليات "موسم البحر المتوسط"، في مشروع ثقافي يجمع بين مصر وفرنسا، لإحياء ذكرى وفاة النجمة العالمية التي خرجت من الشوارع الشعبية في منطقة شبرا بالقاهرة، لتصبح إحدى أشهر أيقونات الغناء في العالم، وكتب العمل المؤلف وليد خيري، بطولة السوبرانو العالمية فرح الديباني. ولا يكتسب المشروع أهميته من اسم داليدا وحده، إنما من الرؤية التي اختارها صنّاعه، إذ أكد خيري بشارة أن العمل لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية، ولا يسعى إلى إعادة سرد محطات حياة الفنانة بعد 40 عاماً تقريباً من رحيلها، إنما يحاول الاقتراب من الجانب الإنساني الذي ظلّ بعيداً من عدسات المصورين وكاميرات التلفزيون، وهو الجانب الذي يرى المخرج أنه أكثر إثارة وتأثيراً من أي نجاح فني حققته. حياة عاطفية إلا رجلاً يقول بشارة إن ما جذبه إلى داليدا ليس عدد الأغنيات التي قدمتها ولا شهرتها العالمية، إنما تلك المفارقة القاسية التي عاشتها، فهي امرأة امتلكت الشهرة والمال والجمال وتصفيق الملايين، لكنها لم تستطِع أن تهزم وحدتها أو تتصالح مع جراحها. معتبراً أن هذه التناقضات هي المادة الحقيقية التي يُصنع منها المسرح الجيد. كاشفاً عن أن الجمهور سيكون أمام قراءة إنسانية لشخصية لا تزال حتى اليوم تثير فضول العالم، بعدما تحولت حياتها إلى واحدة من أكثر السير الذاتية مأسوية في تاريخ الفن. ونفى أن يكون جاهزاً بروح معدة مسبقاً للعمل، وقال إنه لو يعرف بصورة عملية ماذا سيصنع في روح داليدا فلن يقدم العمل، وشدد على أنه لن يستعين بأدائها الحقيقي في المسرحية، ولن يقدم تقليداً تفصيلياً لحركاتها وتصرفاتها وانفعالاتها، بل سيستحضر روحها فقط من خلال فنانة أخرى، ويحاول الاقتراب من معنى وقيمة وقلب داليدا. مشيراً إلى أنه سيركز على زاوية من حياة داليدا فقط ورؤية عامة تخص مشاعرها وأزماتها، وليس بصدد تقديم كل سنوات عمرها من الألف إلى الياء، لأن ذلك سيحتاج إلى سلسلة من الأعمال ولن يكفيها عمل واحد. وبصورة خاصة، سيتناول بشارة الجانب العاطفي من حياتها، وأعلن أنه سيقوم باستثناء رجل واحد، وهو ممثل مصري وقعت داليدا في حبه وقهر قلبها، وعلل ذلك بأن الرجل لا يزال على قيد الحياة، وسيتسبب ذكره في مشكلات قد توقف المشروع بأكمله.
يبدو أن الكاتب وليد خيري انطلق من الفلسفة نفسها، إذ أوضح أن النص المسرحي لا يهدف إلى تقديم تسلسل زمني لحياة داليدا، فالمعلومات التاريخية معروفة ومتاحة للجميع، بينما ما يستحق البحث هو الإنسانة المختبئة خلف تلك الوقائع. وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لم يكُن جمع المعلومات أو ترتيب الأحداث، إنما الوصول إلى روح داليدا نفسها وطريقة فهمها للعالم وكيف تحوّلت النجومية بالنسبة إليها من حلم جميل إلى عبء ثقيل، وأزمتها النفسية، إذ استطاعت أن تمنح ملايين البشر السعادة، بينما كانت عاجزة عن العثور عليها داخل نفسها. ولهذا لا يتعامل النص مع داليدا باعتبارها أسطورة بعيدة من البشر، بل امرأة من لحم ودم، عرفت الحب والفقد والوحدة، وهزمها في النهاية الاكتئاب بحسب وليد خيري. اختيار السوبرانو المصرية العالمية فرح الديباني لتجسيد شخصية داليدا جرى من خلال المخرج خيري بشارة لتشابه شخصية فرح وبدايتها ومسيرتها مع داليدا، فهي مصرية وعاشت في فرنسا، وشقت طريقها نحو العالمية ولا تزال محتفظة بهويتها الأم المنتمية إلى شوارع القاهرة، ولذلك بحسب قوله فلم يكُن اختيارها عابراً. وتحدثت الديباني عن ارتباطها الشخصي القديم بداليدا، مؤكدة أنها كانت تحلم منذ طفولتها بتقديم شخصيتها يوماً ما، وأن والدها كان يرى دائماً أنها الأقرب إليها من ناحية الحضور والشخصية والخلفية المصرية. معتقدة أن سر خلود داليدا لا يكمن في جمال صوتها فقط، إنما في قدرتها على التعبير عن مشاعر إنسانية عاشها الجميع أهمها الحنين والخوف والحب والانكسار، ولذلك لا تزال أغنياتها قادرة على التأثير حتى بعد مرور عقود على رحيلها. وأوضحت أن مشروع داليدا يعتمد على المزج بين الأداء المسرحي والغناء الحي والاستعراضات، ليقدم تجربة تختلف عن العروض "البيوغرافية" التقليدية، ويعيد اكتشاف داليدا من خلال الموسيقى والدراما في آن واحد. لماذا تعود داليدا اليوم؟ لماذا تعود داليدا اليوم؟ ولماذا يختارها خيري بشارة من بين عشرات الشخصيات الفنية التي تستحق أعمالاً درامية؟ الإجابة لا تتعلق بحجم نجوميتها فقط، إنما بخصوصية قصتها، فداليدا ليست مجرد مطربة حققت نجاحاً عالمياً، لكنها حالة إنسانية استثنائية جمعت بين أقصى درجات المجد وأقصى درجات الألم، وبدت نموذجاً لفنان يشعر بأنه يمتلك العالم، لكنه يعاني إحساساً أنه يفقد نفسه تدريجاً. داليدا بالنسبة إلى المصريين ليست فنانة أجنبية، بل ابنة القاهرة التي خرجت من شوارع شبرا إلى أشهر مسارح العالم، ولذلك فإن تقديم عمل عنها في مصر يحمل دلالة رمزية، إذ يعيد اكتشاف واحدة من أشهر بنات هذا البلد التي ظلّت تحمل في ذاكرتها رائحة القاهرة ولهجتها ودفء طفولتها، حتى بعدما أصبحت أيقونة فرنسية وعالمية.
ولدت داليدا باسم يولاندا كريستينا جيليوتي في حي شبرا بالقاهرة عام 1933، لأسرة إيطالية استقرت في مصر، وكانت القاهرة آنذاك مدينة متعددة الثقافات، يعيش فيها المصريون إلى جوار الجاليات الإيطالية واليونانية والفرنسية، وهو المناخ الذي صنع شخصية داليدا المنفتحة على اللغات والثقافات المختلفة. كانت طفولة يولاندا غير سعيدة، إذ أصيبت خلال سنواتها الأولى بعدوى في العين أجبرتها على ارتداء ضمادات لفترات طويلة والخضوع لجراحات عدة، مما جعلها تعيش أعواماً من العزلة والتنمر، قبل أن تستعيد بصرها تدريجاً، وعانت فترة من الحول في عينها، مما سبب لها آلاماً نفسية وتعرضت لمضايقات، وفي الوقت نفسه اعتُقل والدها عازف الكمان الشهير خلال الحرب العالمية الثانية، وعاد بعد أعوام محطماً نفسياً وجسدياً، قبل أن يتوفى وهي لا تزال صغيرة، لتبدأ مبكراً التعرف إلى معنى الفقد وتترك تلك التجارب ندوباً عميقة في شخصيتها. من ملكة جمال مصر إلى نجمة العالم بدأ الحظ يبتسم للفتاة البسيطة في مطلع الخمسينيات، إذ فازت يولاندا بلقب ملكة جمال مصر، لتبدأ رحلة جديدة تماماً، ولم يكُن اللقب مجرد تتويج للجمال، بل كان جواز سفر إلى عالم الفن والسينما، قبل أن تغادر القاهرة متجهة إلى باريس، وهي المدينة التي لم تكُن تعلم أنها ستمنحها الشهرة، لكنها ستشهد أيضاً أكثر لحظات حياتها قسوة. هناك غيّرت اسمها إلى داليدا، وبدأت الغناء في الملاهي الصغيرة، قبل أن يكتشفها المنتجون وتتحول أغنيتها الشهيرة "بامبينو" إلى انفجار فني جعلها واحدة من أشهر مطربات أوروبا. وخلال أعوام قليلة، أصبحت داليدا أسطورة فنية وظاهرة عالمية، إذ باعت أكثر من 170 مليون أسطوانة وغنت بتسع لغات وقدمت مئات الأغنيات التي تصدرت قوائم المبيعات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والعالم العربي، وحصلت على عشرات الجوائز، وأصبحت من أوائل الفنانات اللاتي حققن انتشاراً عالمياً قبل عصر الإنترنت والمنصات الرقمية.
كان الجميع يرى داليدا المرأة الجميلة التي ترتدي أفخم الفساتين وتقف أمام آلاف المعجبين، بينما كانت هي ترى امرأة تبحث عن حياة عادية لم تستطِع الشهرة أن تمنحها إياها، ومن سوء حظها أنها كلما زادت شهرتها اتسعت الفجوة بين صورتها أمام الجمهور وحياتها الحقيقية. وكان الجانب العاطفي لداليدا من أكثر الجوانب الدرامية والتراجيدية في حياتها، إذ إن معظم الرجال الذين أحبتهم انتهت حياتهم بطريقة مأسوية. وكانت الصدمة الأولى مع زوجها ومدير أعمالها لوسيان موريس الذي انتهت علاقتهما بالانفصال، ثم انتحر لاحقاً، مما ترك أثراً نفسياً بالغاً عليها. لكن الجرح الأكبر كان عام 1967 عندما انتحر المغني الإيطالي لويجي تينكو بعد خروجه من مهرجان سان ريمو، وكانت داليدا مرتبطة به عاطفياً، وموجودة معه في المهرجان نفسه، وعندما عثرت عليه ميتاً، دخلت في واحدة من أعنف أزماتها النفسية، حتى إنها حاولت الانتحار للمرة الأولى، لكنها نجت بعد تدخل الأطباء. وتكرر سيناريو انتحار عشاق داليدا بعد أعوام، إذ انتحر حبيبها ريشار شانفري، ثم رحل عدد آخر من المقربين منها، لتشعر وكأن الموت يطارد كل من تحب. الأمومة... حلم لم يكتمل ومن أكثر التجارب التي لم تتحدث عنها داليدا كثيراً، لكنها بقيت تؤلمها حتى النهاية، تجربة الإجهاض التي حرمتها من حلم الأمومة، إذ حملت من إحدى علاقاتها، لكن ظروفها الفنية والضغوط المحيطة بها دفعتها إلى إنهاء الحمل، وهو القرار الذي تسبب لاحقاً في مضاعفات صحية جعلت الإنجاب مستحيلاً. ورغم أنها كانت تقول خلال لقاءاتها الصحافية إن الجمهور هو عائلتها الكبيرة، فإن المقربين منها أكدوا أنها لم تتوقف يوماً عن الحلم ببيت هادئ وطفل يناديها "أمي"، وهو الحلم الذي ظل بعيد المنال. اختلفت قصة داليدا وأبعادها عن أية مطربة أخرى بالنسبة إلى المصريين والعرب، فلم يعتبروها يوماً مجرد مطربة أجنبية، بل فتاة خرجت من الشرق، واستطاعت أن تغزو العالم من دون أن تنكر جذورها يوماً. ولم تكُن علاقة داليدا بمصر مجرد بند في سيرتها الذاتية، بل كانت جزءاً من هويتها الفنية والوجدانية. فكلما سُئلت عن بدايتها، عادت بذاكرتها لشوارع شبرا ومدارس القاهرة. وحين غنت "حلوة يا بلدي" لم يكُن الأمر محاولة لاسترضاء الجمهور العربي، بل بدا وكأنه رسالة حنين شخصية من امرأة ابتعدت من المكان، لكنه لم يبتعد منها أبداً. وقبلها حققت نجاحاً عالمياً كبيراً مع "سالمة يا سلامة" عام 1977، وهي أغنية مستوحاة من التراث الشعبي المصري، أعادت توزيعها وقدمتها بالعربية، ثم سجلتها بالفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية، لتصبح من أوائل الأغنيات العربية التي تحقق انتشاراً واسعاً في أوروبا.
كذلك، سجلت نسخاً عربية من بعض أغنياتها، وحرصت خلال حفلاتها على توجيه التحية إلى مصر وجمهورها العربي، مؤكدة في أكثر من لقاء أن القاهرة ستظل مدينتها الأولى مهما ابتعدت منها، وربما لهذا السبب ظلت داليدا على رغم شهرتها الفرنسية والعالمية أقرب إلى قلوب المصريين من كثير من نجوم العالم، لأنها لم تتخلَّ يوماً عن المدينة التي منحتها الحلم الأول، وهكذا خلدت في وجدان الجمهور العربي حتى بعد 40 عاماً على رحيلها. قبل أن تتحول داليدا إلى واحدة من أشهر مطربات العالم، خاضت تجارب أمام كاميرات السينما في مصر، مستفيدة من فوزها بلقب ملكة جمال مصر عام 1954، وهو اللقب الذي فتح أمامها أبواب الفن قبل سفرها إلى فرنسا.
وكان أول ظهور لها في فيلم "سيجارة وكاس" عام 1955 الذي قامت ببطولته سامية جمال وعبدالسلام النابلسي، وظهرت فيه بدور صغير، لكنه كان بمثابة بطاقة العبور الأولى إلى عالم الأضواء. وشاركت أيضاً في الفيلم الفرنسي - المصري "اليوم السادس" عام 1986 للمخرج العالمي يوسف شاهين والمأخوذ عن رواية الكاتبة أندريه شديد، وأدت دور البطولة أمام محسن محيي الدين. ويُعد هذا الفيلم واحداً من أهم محطاتها السينمائية لأنه أعادها لمصر بعد أكثر من ثلاثة عقود من النجومية العالمية، كما منحها فرصة التحدث باللهجة المصرية والعودة للبيئة التي خرجت منها في طفولتها، ويرى كثير من النقاد أن شاهين لم يختَر داليدا لمجرد شهرتها، بل لأنها كانت تجسد في شخصيتها ذلك المزيج الفريد بين الشرق والغرب، مما احتاجت إليه شخصية الفيلم. النهاية: "الحياة لم تعُد تحتمل" كانت داليدا تقول إن الوقوف على المسرح يمنحها السعادة لساعات قليلة فقط، ثم تعود لمنزلها لتواجه صمتاً طويلاً، وهنا كانت مأساتها التي تسببت في نهايتها، كانت تشعر دائماً بأن الشهرة لا تعني الطمأنينة، والتصفيق لا يعالج الوحدة، والنجاح لا يضمن السلام النفسي، وربما لهذا لا تزال قصتها تُقرأ حتى اليوم باعتبارها دراسة إنسانية عن الثمن الذي قد يدفعه الفنان مقابل أن يصبح أسطورة. في مساء الثاني من مايو (أيار) عام 1987، بدت داليدا كما اعتاد الجميع أن يروها أنيقة وهادئة ومبتسمة، ولم يكُن أحد يتخيل أن تلك الابتسامة كانت الأخيرة.
عادت لمنزلها في حي مونمارتر بباريس، وأغلقت الباب خلفها، ثم تناولت جرعة كبيرة من الأقراص المنومة، وجلست تكتب آخر كلماتها إلى العالم، لم تكُن رسالة طويلة ولم تحمل اتهاماً لأحد ولم تتضمن أسراراً أو اعترافات صادمة، كتبت فقط "سامحوني... الحياة لم تعُد تحتمل"، لكنها كانت كافية لتتحول إلى أشهر رسالة وداع في تاريخ الفن. وفي صباح اليوم التالي، عندما وجدت داليدا ميتة داخل منزلها، كانت الصحف في أنحاء العالم تتساءل، كيف يمكن لامرأة تمتلك كل هذا المجد أن تختار الموت؟ وربما لأن أحداً لم يجد الإجابة حتى اليوم، بقي اسم داليدا حاضراً أكثر من أسماء كثير من الفنانين الذين عاشوا بعدها بعشرات السنين.
اندبندنت عربية
|