سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:13/05/2026 | SYR: 18:18 | 13/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 فيروز.. جارة القمر
13/05/2026      




سيرياستيبس 


ثمة أشياء في هذا العالم لا تعود إليك حين تفقدها، فالطفولة لا تعود والحروب حين تنتهي لا تُمحى، والأحبة الذين يغادرون يأخذون معهم جزءاً منك لا يُعوض، لكن ثمة استثناء واحداً نادراً، استثناء تتعمد الحياة أن لا تُكرره كثيراً، وهو الصوت الذي يبقى، الصوت الذي لا يعرف كيف يُودع ولا يُجيد الرحيل، والصوت الذي كلما ابتعدت منه وجدته ينتظرك في المكان ذاته، هادئاً واثقاً كأنه يعرف أنك ستعود، وهذا الصوت اسمه فيروز.

قلة من العرب في النصف الثاني من القرن الـ 20 لم يعيشوا لحظة فيروزية واحدة في الأقل، لحظة حيث الصوت أتى من خلف باب أو من نافذة مفتوحة أو من راديو قديم يبث على موجة لا تُمسك إلا بصبر، فتُوقف كل شيء، تُوقف اليوم، تُوقف الضجيج، تُوقف ما كنت تفكر فيه، وبقيت تستمع وأنت لا تعرف بالضبط لماذا يضيق صدرك بهذا الاتساع وتمتلئ عيناك من دون سبب واضح ومن دون أن تكون قد فقدت أحداً في ذلك اليوم بالذات.

هذه اللحظة ليست مصادفة ولا مزاجاً عابراً، إنها ما يحدث حين يلتقي صوت استثنائي بذاكرة إنسانية مخزن فيها كل ما لم يُقل، وفيروز لا تُغني لك وحسب بل تُغني عنك، تُغني عن الأشياء التي أنت نفسك لا تعرف كيف تُسميها: الحنين إلى مكان لم تزره بعد، الشوق إلى أشخاص لا يزالون موجودين، الخوف من فرحة كبيرة جداً كأنها تحمل بذرة خسارتها في داخلها، وكل هذا وأكثر يقوله صوتها بدلاً منك، وحين يقوله تشعر بشيء يشبه الارتياح لأن ما ظننته مرضاً خاصاً بك اكتشفت أنه مشاعر إنسانية مشتركة تعرف طريقها إلى الكلام.


الفيروزيون، وهو لقب يحمله ملايين البشر بفخر صريح لا مجاملة فيه، ليسوا مجرد جمهور معجب بمغنية موهوبة بل هم رعية غير رسمية لدولة لا جغرافيا لها، دولة حدودها الموجة الصوتية وعملتها الذاكرة المشتركة وجواز سفرها أن تكون قد سمعت "زهرة المدائن" يوماً وبقي لك منها شيء لا تُفسره.

هذه الدولة لا رئيس لها ولا عَلم ولا جيش، لكنها من أكثر الكيانات تماسكاً في تاريخ الوجدان العربي، وسفيرتها الوحيدة امرأة تقيم في الرابية لا تُدلي بتصريحات ولا تستقبل الصحافة ولا تقف على المنصات الانتخابية، تفعل شيئاً واحداً فقط: تُغني.

كثيرون حاولوا أن يكتبوا عن فيروز وكلهم انتهوا إلى الاعتراف ذاته: الكلمات لا تبلغ ما يبلغه صوتها، ليس لأن الكلمات قاصرة عموماً بل لأن فيروز تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الظواهر الإنسانية التي تقع في المنطقة بين الفن والضرورة، بين الجمال والحاجة الوجودية، إنها ليست كمالاً يُضاف إلى الحياة بل هي في الحياة نفسها، غير قابلة للعزل عنها، مثل الهواء تماماً لا تلاحظه إلا حين يشح.


فيروز لا تُغني لك وحسب بل تُغني عنك، تُغني عن الأشياء التي أنت نفسك لا تعرف كيف تُسميها: الحنين إلى مكان لم تزره بعد، الشوق إلى أشخاص لا يزالون موجودين، الخوف من فرحة كبيرة

لا ندعي هنا أننا نصف فيروز بل ندور حولها فقط، بمحبة وحذر في المسافة الوقورة ذاتها التي يدور فيها الكوكب حول نجمه، مشدوداً ومُضاء وغير قادر على الاقتراب أكثر خشية الاحتراق، وهذا الاحتراق لو حدث فلن يكون ألماً، بل سيكون في أسوأ الأحوال نهاية جميلة.



طفلة في عالم الكبار
في حارة زقاق البلاط الشعبية ببيروت، حيث تتزاحم البيوت وتتداخل الروائح وتتلاشى الحدود بين مطبخ وآخر، وُلدت نهاد رزق وديع حداد في الـ 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1934 أو في الـ21 من نوفمبر عام 1935، وهو تشكيك في التاريخ ليس من باب التفصيل الأكاديمي العقيم.

إنه دلالة على سمة جوهرية في شخصية فيروز: الغموض الاختياري والسيطرة الصارمة على أدوات التعريف الذاتي، فمنذ البداية كان هناك شيء ما تحتجزه لنفسها حتى في ما يبدو أبسط المعطيات.

كان والدها وديع حداد عاملاً في مطبعة جريدة "لوريان لو جور" الفرنسية، رجلاً بسيطاً محافظاً لا يملك راديو، أما الأم ليزا البستاني فربة بيت تُعين زوجها على تربية أربعة أبناء في ضيق كريم، وهذه الأسرة المتواضعة الحال لم تكن تعرف أن ذلك الصوت الذي كانت الطفلة الكبرى تصدره أثناء اللعب، والذي كان يأخذ صفاء غريباً حين يخترق هواء الصباح، هو الصوت الذي سيصبح يوماً "قيثارة السماء" وفق توصيف الشاعر سعيد عقل.


كانت نهاد تقف في نافذة المطبخ وتسترق السمع إلى راديو الجيران، فتعلمت الغناء قبل أن تتعلم الكتابة، وتشربت أصوات أسمهان وليلى مراد قبل أن تطور صوتها الخاص المختلف عنهما اختلافاً جوهرياً في الطابع والفلسفة الأدائية.

في المدرسة وهي في الخامسة من عمرها حازت لقب "أجمل صوت"، وهو اعتراف بسيط لطفلة خجولة لم تنجح في تكوين صداقات كثيرة، وخجلها لم يكن ضعفاً بل كان مسافة انتخبتها بغريزة المواهب الكبيرة، تلك المسافة التي تفصل الفنان عن ضجيج الحياة وتحفظ له صفاء رؤيته الداخلية.
في عام 1947 كان الأخوان محمد وأحمد فليفل يبحثان عن أصوات لكورال إذاعي حين وقع سمعهما على صوت الطفلة في حفل مدرسي، وكانت عقبة الأب المحافظ حاضرة، إذ لم يكن رجل يعمل في الطباعة يريد لابنته أن تُغني أمام العموم في مجتمع لم يرسخ بعد معادلة واضحة بين الاحترام والغناء عند المرأة، لكن فليفل أقنع الأب بأن ابنته ستُغني أناشيد وطنية وأن أخاها جوزيف سيرافقها، وهو اشتراط يوحي بثقل السياق الاجتماعي الذي ولدت فيه الظاهرة الفيروزية.



درست نهاد في المعهد الموسيقي الوطني حيث تعلمت أصول التجويد والمقامات والنوتة الموسيقية، وبسرعة الالتقاط وحدس الموهبة الباكرة أثبتت أنها تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الفنانين الذين يُدركون الموسيقى بوجدان يسبق التفسير النظري، لا بمجرد الحفظ والتدريب.

حليم الرومي وولادة الاسم
حين جاء حليم الرومي من قبرص إلى لبنان مطلع عام 1950 ليتولى رئاسة القسم الموسيقي في الإذاعة اللبنانية، كان رجلاً يملك أذناً مدربة وحساسية موسيقية رهيفة، وحين نجحت نهاد في مسابقة اختبار الأصوات رأى الرومي ما لم يرَه غيره آنذاك: حنجرة نادرة بعيدة المدى، قادرة على الإبحار في مقامات عدة من دون أن تفقد توازنها الداخلي، صوت يذكره بالحجر الكريم في صفائه ومتانته وعمقه.



منح الرومي نهاد حداد اسمها الفني "فيروز"، ولم يكن هذا الاختيار عشوائياً، فالفيروز حجر كريم شبه شفاف يحمل اللون الأزرق الهادئ والعمق الصامت في آن معاً، وهما الصفتان اللتان ستُعرف بهما فيروز طوال مسيرتها.

لحّن لها الرومي أغنيتها الأولى "تركت قلبي وطاوعت حبك" في أبريل (نيسان) 1950، وكانت بداية مشوار لن يستطيع العالم العربي بعده أن يتخيل صباحاته دونها، وما يكشفه التأريخ الدقيق لتلك المرحلة هو حجم الغموض الذي أحاط بفيروز منذ البداية، فقد ظهر اسمها الفني قبل أن يُعرف اسمها الحقيقي، وبقي وجهها محتجباً في الصحافة لما يقارب عامين بعد إطلاق صوتها على الأثير، وكأنها اختارت بوعي باكر أن تكون الصوت لا الشخص، أن تكون الأغنية لا المغنية، وهذا الاختيار الباكر للاحتجاب خلف الفن سيصبح أسلوب حياة مستمراً لعقود.

تغيير
في الإذاعة اللبنانية التقت فيروز بعاصي الرحباني، الشاب الذي يعزف الكمان ويُلحن الأغنيات رفقة أخيه منصور، وحين استمع عاصي للمرة الأولى إلى صوت نهاد، قال وفق ما نقلته بعض المصادر بتناقض لافت "لا تصلح للغناء"، ثم تناقض مع نفسه وبدأ يعلمها، وفي هذه المفارقة البسيطة خلاصة العلاقة كلها: توتر دائم بين الجذب والمقاومة، بين من يصنع وبين الصوت الذي يحول المصنوع إلى حياة.

انتظر عاصي طويلاً قبل أن يتجرأ على عرض الزواج فرُفض، ثم عرض ثانية فرُفض، ثم في المرة الثالثة وافقت، وهذا الإيقاع الثلاثي يكشف شيئاً عميقاً في شخصية فيروز: حساب دقيق، تريث طويل، قرارات لا تُتخذ في الحرارة الأولى بل في البرودة الثانية حين تترسخ اليقينات، ليتزوجا في يوليو (تموز) 1954.

أنتج الثالوث، فيروز وعاصي ومنصور، حتى عام 1975 مئات الأغاني و20 عملاً مسرحياً غنائياً، وهو إنجاز لا نظير له في تاريخ الأغنية العربية، ويصف الباحث كريستوفر ستون في دراسته الأعمق أكاديمياً في هذا الموضوع "الثقافة الشعبية والقومية في لبنان: أمة فيروز والرحابنة (Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation) والصادرة عن دار النشر Routledge عام 2008، هذا التوليف بأنه "حداثة مُقنَعة بالأصالة"، إذ يُقدَم التحديث الموسيقي الجذري في غلاف من الإيحاءات الريفية والتراثية، وهي ملاحظة نقدية جوهرية تُنبه إلى أن العمل الرحباني الفيروزي لم يكن مجرد توثيق للتراث بل كان مشروعاً جمالياً أيديولوجياً واعياً لبناء صورة عن لبنان والعروبة.

ما الذي يجعل هذا الصوت استثناء؟
كثيراً ما تُوصف فيروز بصفات شعرية رفيعة من دون الاستناد إلى مرتكزات تقنية تُفسر هذا الاستثناء، ويُخطئ البحث الجمالي حين يكتفي بالوصف الوجداني ويتجنب التحليل التقني، لأن الأخير لا يُجفف الجمال بل يُضيء آلياته، وتحليل موسيقي دقيق يكشف أن جمال صوت فيروز ليس مجرد إحساس ذاتي بل له بنية تقنية محددة تشرح سره، ويُصنف صوت فيروز في خانة الـ "ميزو-سوبرانو"، وهو النوع الصوتي الذي يقع بين الـ "سوبرانو" والـ "كونترالتو"، ويتميز عموماً بجرس أثقل وأكثر عمقاً من الـ "سوبرانو".

غير أن ما يجعل هذا الصوت استثنائياً ليس نطاقه وحده بل مرونته النادرة، وتقول خبيرة الموسيقى الشرقية في جامعة هارفارد، فيرجينيا دانيلسون، إن صوت فيروز "مرن بصورة استثنائية، فهي قادرة على إنتاج الزخارف ودقائق الأداء والنغمات بطريقة تتطلب دقة استثنائية"، وهذه المرونة هي ما يجعله قادراً على حمل المقامات المتعددة من دون انكسار مسموع، وما يفسر قدرته على التنقل بين الأغنية الشعبية الخفيفة والعمل المسرحي الكبير في مسيرة واحدة متماسكة.

المقامات الأساس في مسيرتها
تغني فيروز كثيراً من أعمالها في المقامات التقليدية مثل المقامات والموشحات المشتقة من الموروث الأندلسي العربي، بينما تستعير في الوقت ذاته من الموسيقى الكلاسيكية الغربية بنسج الآلات الأوروبية وإيقاعات الرقص فيها، وهذا التعدد المقامي الذي تتنقل فيه بين البياتي الذي يمنح الأغنية حزنها الشفاف الحميم، ويتجلى بوضوح في "زهرة المدائن" و"أنا وشادي"، ومقام الحجاز الذي يستحضر البُعد الروحاني الشرقي وتُجيده فيروز في "يا مرسال المراسيل" و"صح النوم" ، إضافة إلى النهاوند وغيرها، ما يمنح صوتها قدرة على استيعاب مساحات عاطفية متباينة في أغان مختلفة، من الحزن الشفاف إلى البهجة الريفية إلى الروحانية العميقة.


لا ندعي هنا أننا نصف فيروز بل ندور حولها فقط، بمحبة وحذر في المسافة الوقورة ذاتها التي يدور فيها الكوكب حول نجمه، مشدوداً ومُضاء وغير قادر على الاقتراب أكثر خشية الاحتراق، وهذا الاحتراق لو حدث فلن يكون ألماً، بل سيكون في أسوأ الأحوال نهاية جميلة.

وتتميز فيروز بمزج المناهج الموسيقية وتحقيق توازن بين التقليدي والمعاصر والشرقي والغربي، وقد أثر تدريبها في "المعهد الموسيقي اللبناني" في أسلوبها حين اكتسبت تقنيات وأساليب أداء عريقة، ووضع عاصي ومنصور صوتها في قمة طبقات صوتية تجمع الأوركسترا الغربية مع العود والقانون والناي، فأُنشئت بنية موسيقية ثلاثية الأبعاد يصل فيها الصوت إلى من لا يفهم العربية بمتعة غير مفسرة.

وُصف صوتها بأنه "هادئ وواثق وحلقي" يتميز بحلاوة ناعمة، وقد لُقبت بـ"كالاس العرب"، وهو لقب يستحضر المقارنة بماريا كالاس في قدرتها على تحويل الصوت إلى حدث عاطفي يتجاوز اللغة، ويمكن رصد تطور ملموس في صوت فيروز عبر مراحل مسيرتها، وإن كان هذا التحليل استنتاجياً يستند إلى الإصغاء المقارن لأرشيفها أكثر من استناده إلى دراسة صوتية محددة، فخلال الخمسينيات كان الصوت غضاً رقيقاً بمرونة عالية في الحدة، وفي الستينيات والسبعينيات اكتسب نضجاً وثقلاً جعله يحمل الأعمال المسرحية الكبرى بجدارة، ومنذ مرحلة زياد في الثمانينيات تراجعت الحدة العالية لمصلحة عمق في الطبقات الوسطى والدنيا، مما جعله أكثر دفئاً وحميمية، وهذا التطور لم يكن تراجعاً بل نضجاً موازياً لنضج الإنسان داخل الفنانة، ومرآة لما يحدث حين يتحول الصوت من أداة أداء إلى امتداد للتجربة الإنسانية ذاتها.

سياسة الكلمة والهوية
جانب يغيب عن غالبية الدراسات المتعلقة بفيروز، وهو التنوع اللغوي المدروس في مسيرتها وما يحمله من دلالات أيديولوجية وهوياتية عميقة، ففيروز لم تكتف بصوت واحد بل تنقلت بوعي بين مستويات لغوية عدة، وكل مستوى يُخاطب شريحة مختلفة من الوجدان العربي، فغنت بالعامية اللبنانية المحلية ولهجة الجبل اللبناني والعامية الشامية والفصحى الشعرية الرفيعة، وحين غنّت بالعامية اللبنانية في المسرحيات الرحبانية أعطت اللهجة مكانة أدبية لم تكن تحظى بها سابقاً في الفضاء الغنائي الرسمي الذي كانت مصر تهيمن عليه بعربيتها الرصينة، وحين غنت الفصحى الشعرية في قصائد سعيد عقل وأبي القاسم الشابي وميخائيل نعيمة أبقت على الصلة بالهوية العربية الجامعة ما وراء الحدود اللبنانية.

هذا التوازن الذكي ليس عفوياً وهو موقف ثقافي وسياسي ضمني في آن، فاللهجة تقول نحن لبنانيون وهذا جمالنا الخاص، والفصحى تقول نحن عرب وننتمي إلى هذا الإرث الجامع، وفيروز التي لم تُصرح يوماً بموقف سياسي صريح صرحت بكل شيء من خلال اللغة التي اختارتها في كل موقف وكل مناسبة.

كذلك اللغة الدينية التي وظفتها في أغانيها الميلادية والفصحية تحمل طبقة ثالثة وهي الانتماء الطقسي لتراث ليتورجي مسيحي شرقي تتداخل فيه العربية بالسريانية والنفَس الإنجيلي، وهذا التداخل جعل صوتها يُقدَس عند طيف واسع من المستمعين العرب تجاوز الحدود الدينية، لأن النغمة الروحانية الصادقة تصل حتى حين لا تلتقي العقيدتان.

فيروز والموسيقى الدينية
يُشكل الغياب الكامل لهذا البُعد في غالبية الكتابات عن فيروز فجوة حقيقية، فقد سجلت ما يزيد على 60 أغنية دينية مسيحية (السريانية والبيزنطية واللاتينية)، غالبيتها أناشيد للميلاد والفصح والأعياد الكبرى، وهي أيقونية بدرجة تُضاهي أيقونية أغانيها العاطفية، والأسرة المسيحية اللبنانية والسورية والفلسطينية ترتبط بصوتها في الأعياد ارتباطاً طقسياً لا مجرد استمتاع جمالي، فـ "المجد لله في الأعالي" و"ليلة عيد" ليست مجرد أغان موسمية بل جزء من الطقوس الدينية الحية لدى العائلات العربية المسيحية، تُذاع في الكنائس وفي البيوت في الوقت ذاته، ويحفظها الأبناء قبل أن يحفظوا كثيراً من الصلوات، ولذلك ففيروز في هذا السياق ليست فنانة بل جزء من البنية اللاهوتية الشعبية للحياة المسيحية في الشرق.

غير أن الأمر الأعجب أن هذا البُعد الديني المسيحي لم يحُل دون انتشار صوتها في المجتمعات الإسلامية، بل إن كثيراً من المستمعين المسلمين يرون في أغانيها الدينية جمالاً روحانياً عابراً للطائفة، لأن النغمة الصادقة حين تلتقي بكلمة صادقة تُنتج شيئاً يشبه الصلاة في جوهره، بصرف النظر عن الاسم الذي يحمله التراث الذي منه جاءت.

الصوت يتجسد صورة
أدت فيروز أدواراً رئيسة في ثلاثة أفلام شكلت خطاً موازياً لمسيرتها الغنائية، لكنها انتهجت فيه خيارات جمالية وأخلاقية انتقائية صارمة.

بياع الخواتم (1964)
أُنتج الفيلم مستنداً إلى المسرحية الغنائية الرحبانية بإخراج يوسف شاهين، فقدّم فيروز بدور بياعة الخواتم في قرية جبلية بسيطة، ونجح جماهيرياً في العالم العربي ورسخ صورة "فيروز بنت الجبل الطيبة النقية" التي ستلازم الأسطورة عقوداً، والفيلم بسيط في بنيته الدرامية لكن قوته في الأغاني المدمجة فيه بعفوية لا تصنع.

سفربرلك (1967)
الأنضج سينمائياً بين أفلامها، أخرجه هنري بركات، ويتناول قصة عائلة لبنانية في زمن التجنيد العثماني القسري خلال الحرب العالمية الأولى، وأدت فيروز دور "هند" بأداء يتجاوز ما اعتاده الجمهور منها في المسرح، مُعبرة عن ألم الانتظار والفقدان بلغة جسدية وصوتية أكثر نضجاً وأقل رومنسية، وكان الفيلم أقرب إلى الدراما التاريخية الاجتماعية ووسع جمهورها.

بنت الحارس (1968)
تجربة كوميدية اجتماعية من إخراج هنري بركات أيضاً، قدمت فيه فيروز وجهها المرح بعفوية واثقة، وأظهر الفيلم بُعداً لم يكن مرئياً بوضوح في الأعمال المسرحية وهو قدرتها على تجسيد الشخصية المرحة من دون أن تفقد رزانتها الجوهرية، والملاحظ في تجربتها على الشاشة أن فيروز آثرت الحذر والانتقاء الشديد، فلم تنزلق نحو الاستنزاف التجاري ولم تقبل بأدوار تتعارض مع الصورة التي رأت نفسها فيها، وهذا الانتقاء يعكس وعياً فنياً عميقاً بضرورة الحفاظ على المسافة الجمالية بين الأسطورة وضجيج السوق.

جدل بيروت والقاهرة
في منتصف القرن الـ 20 كانت القاهرة عاصمة لا مُنازع لها للفن العربي، فكانت أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ المنظومة الكوكبية التي تدور حولها الأغنية العربية بالكامل تقريباً، وحين توجهت فيروز والرحبانية إلى مصر عام 1955 للمرة الأولى كانت القاهرة الملعب الذي يُقاس فيه وزن الفنان العربي، فاستُقبلوا بحفاوة جماهيرية، لكن المؤسسة الموسيقية المصرية كانت أكثر تحفظاً، وأم كلثوم أطرت صوت فيروز بعبارات تُقدره من دون أن تُقر بمنافسته للمشهد المصري، وعبدالوهاب الذي لحن لفيروز لاحقاً أغنية "سكن الليل" الرائعة، وصف صوتها بأنه "يفعل أشياء لا أعرف كيف تحدث"، وهذا التقدير المشوب بالاستغراب يُخفي توتراً ثقافياً حقيقياً حول من يملك الريادة في الأغنية العربية؟

 جوهر الخلاف بين المدرستين لم يكن شخصياً بل موسيقياً فلسفياً، والأغنية المصرية الكلاسيكية المجسدة في أم كلثوم، تُؤمن بالزمن الطويل في قصيدة تمتد لساعة وتُتيح للمطرب والجمهور أن يعيشا رحلة مشتركة، مع ارتجال وتكرار وإعادة يُقويان الأثر الوجداني.

في المقابل جاء الثالوث الرحباني بفيروز حاملاً فلسفة مختلفة جذرياً وهي الأغنية القصيرة المكثفة التي تقول كل شيء في ثلاث دقائق، فلا تكرار ولا ارتجال بل دخول مباشر إلى صلب الوجدان والخروج سريعاً قبل أن يتشتت الأثر، وهذا الخلاف الجمالي انعكس جغرافياً، فالقاهرة حافظت على مركزيتها الموسيقية لكنها لم تستطع أن تُنكر أن ثمة شيئاً مختلفاً وكبيراً يأتي من بيروت، وبيروت من جانبها لم تدعِ أنها تريد محل القاهرة، بل أنشأت فضاءها الجمالي الخاص، وفيروز هي الصوت الذي جعل هذا الفضاء موجوداً ومستقلاً ومُتكاملاً.

فيلمون وهبي الاستثناء
لفهم طبيعة العلاقة بين فيروز وفيلمون وهبي فهماً صحيحاً فلا بد من استيعاب السياق البنيوي الذي نشأت فيه، إذ لم تكن العلاقة تعاوناً فنياً عادياً بين مطربة وملحن، بل كانت استثناء واعياً ومحسوباً في منظومة إنتاجية تقوم أساساً على الاحتكار الإبداعي، فقد كان فيلمون الاستثناء الوحيد الذي شرع أمامه الأخوان رحباني أبواب صوت فيروز كملحن من خارج الأسرة الرحبانية، في وقت منحاه في واقعة استثنائية ثلاثة ألحان فقط لمحمد عبدالوهاب، ومحمد محسن لحناً واحداً، ونجيب حنكش لحناً واحداً، وهذه الأرقام وحدها تكشف كم كان فيلمون وهبي حالاً فريدة في مسيرة فيروز الطويلة.

حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية كان أمام فيروز خيار واجه فيه كثيرون من أهل الفن والثقافة الرحيل أو البقاء فاختارت البقاء، وهذا القرار الصامت الذي لم تُعلنه في مؤتمر صحافي أحد أكثر مواقف الفنانة وضوحاً ورسوخاً.

 

ولا يمكن فهم هذا الاستثناء من دون استحضار الجذور المشتركة التي ربطت فيلمون بالرحابنة قبل أن تربطه بفيروز، فقد كان فيلمون مع زكي ناصيف والأخوين رحباني في "عصبة الخمسة" التي أسسها رجل الأعمال بديع بولس صاحب "ستوديو الفن"، وهي المجموعة التي نشّطت الأغنية والموسيقى اللبنانية خلال فترة قصيرة.

كان الرجل إذاً رفيقاً للرحابنة في المشروع التأسيسي قبل أن يصير ملحناً يطرق باب فيروز، وهذا ما يفسر منحه ثقة لم تُمنح لغيره، فلُقِب فيلمون وهبي بـ "شيخ الملحنين"، وقدم أروع الألحان الشرقية المميزة من غير أن يدرس الموسيقى ومن دون أن يتقن العزف، وهذه المفارقة الجوهرية في شخصيته والموهبة الفطرية الصافية التي لم تمر بأكاديمية أو نظرية، هي على الأرجح ما منح ألحانه تلك الحميمية الشعبية التي تخاطب الوجدان مباشرة من دون وسيط، فقد كانت أجمل ألحانه تولد خلال رحلات الصيد التي كان يقوم بها مع ثلة من أصدقائه.



الشراكة داخل المنظومة الرحبانية (1961– 1976)
بدأ تعاونه الفعلي مع فيروز عام 1961 حين لحن لها "يا كرم العلالي" التي غنتها في بعلبك ضمن "البعلبكية"، ومن ثم في معرض دمشق الدولي، وكانت هذه الأغنية بداية مشروع امتد لأكثر من عقدين، لكنه ظل طوال مرحلته الأولى خاضعاً لقواعد صارمة فرضها الرحابنة بدهاء، فكانا يحرصان على إشراكه في كل مسرحية لأنهما يعرفان تماماً مدى الانتشار الجماهيري الواسع لكل لحن يصدر عنه، لكنهما كانا يحرصان من جهة أخرى على ألا يكون له في المسرحية الواحدة أكثر من لحن واحد حتى لا يصبح شريكاً مضارباً في صوت فيروز.

وكان لفيلمون دور مزدوج في المسرح الرحباني، إذ لم يكن ملحناً وحسب بل ممثلاً محورياً في المسرحيات ذاتها، مثل مسرحيات الرحابنة "فخر الدين" و"لولو" و"جسر القمر" التي لحن فيها "جايبلي سلام" لفيروز، ثم في مسرحيات "المحطة" و"بترا" و"بياع الخواتم" التي لحن فيها لفيروز أغاني عدة، وهكذا كان يسكن المنظومة الرحبانية من الداخل بوجهيه معاً، التلحين والتمثيل، مما جعل حضوره جزءاً لا يُنزع من نسيج تلك الحقبة.

رصيد هذه المرحلة من الأغاني يمثل وحده ثروة استثنائية في تاريخ الأغنية اللبنانية: "يا مرسال المراسيل" و"يا دارة دوري فينا" و"من عز النوم بتسرقني" و"ليلية بترجع يا ليل" و"فايق يا هوى" و"على جسر اللوزية" و"يا رايح" و"الطاحونة"، وهي أغان تنتمي في جوهرها إلى الفضاء الريفي اللبناني الذي كان الرحابنة يبنون عليه أسطورتهم، لكنها تحمل في بنيتها اللحنية بصمة فيلمون التي تختلف عن الهندسة الأوركسترالية المعقدة التي كان الرحابنة يفضلونها، وثمة في ألحانه ما هو أقرب إلى الأغنية الحياتية المعتقة، ألحان تبدو كما لو نشأت بصورة طبيعية في الهواء الجبلي المفتوح لا في أستوديو.


الرفيق في الاستقلال (1980 – 1985)
ما إن انفصلت فيروز عن المؤسسة الرحبانية عام 1979 حتى كان فيلمون أول من هرع إلى ملء الفراغ، وكأن ربع قرن من الشراكة الصامتة كان ينتظر هذه اللحظة، فأطلقت فيروز أول أسطوانة غنائية لها من دون الأخوين رحباني عام 1980 وهي "دهب أيلول"، وتضمنت أربع أغانٍ من ألحان فيلمون وشعر جوزيف حرب وهي "يا ريت منن" و"ورقو الأصفر" و"طلعلي البكي" و"يا قونة شعبية"، وتحمل هذه الأغاني قطيعة زمنية واضحة مع روح المرحلة السابقة، فـ "ورقو الأصفر" بالذات التي كتبها جوزيف حرب بلغة موشاة بالشجن الخريفي المكثف، صارت من أكثر أغاني فيروز حضوراً في الوجدان الجمعي العربي، والجمل الموسيقية القصيرة والرشيقة التي وضعها فيلمون لهذه الأغنية بدت كأنها سهام تصيب القلب مباشرة، فهي ألحان تدخل إلى أعماق النفس بسهولة وتوقظ فيها ذلك الحنين القديم إلى الغناء العذب والأنيق.

وما يمنح هذه المرحلة أبعاداً إنسانية إضافية هو الولاء الصريح الذي أبداه فيلمون لفيروز في أحلك لحظاتها المهنية، ووقتها تحدث عن فيروز للصحافة فقال "عندما أستمع إليها أشعر أنني في غيبوبة وتطريب وسحر، أريدها أن تبقى فوق الجميع ولن أقبل أن تقع فيروز، لقد بدأنا معاً وهي وفية وأنا مثلها، صوتها غير شكل"، وفي المقابل، وصفته فيروز بكلمتين اختصرتا موقفها منه حين قالت ببساطة "فيلمون شيخ الملحنين".

الرحيل والميراث الموسيقي الناقص
الجانب الأكثر مأسوية في هذه العلاقة أنها أُقطعت قبل أن تكتمل، وقبل رحيله في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1985 كان فيلمون قد أنهى تلحين ست أغانٍ لفيروز، أربع منها صدرت بعد رحيله في اسطوانة "بليل وشتي" عام 1989 وتضم "أسامينا" و"بليل وشتي" و"لما عالباب يا حبيبي" و"إسوارة العروس"، التي كانت فيروز أطلقتها منفردة عبر الإذاعات عام 1984 وغنتها خلال حفلاتها في أماكن عدة، ورحل فيلمون قبل أن يكمل تلحين أغنيتين أخريين لفيروز كان بدأ العمل عليهما أواخر عام 1984، الأولى تحمل عنوان "متل ما قال فعل" وهي بدوية الطابع من شعر طلال حيدر، والثانية بعنوان "تركني ومضى وما غاب عني يوم" من شعر جوزيف حرب، وهذان اللحنان اللذين لم يكتملا يمثلان أبلغ تعليق على طبيعة هذه الشراكة: علاقة لم تنتهِ باختيار بل بالموت.

وقّعت فيروز على ظهر أسطوانة "بليل وشتي" بكلمة منها تحية إلى فيلمون: "كل اللي تركتن اشتاقولك وكل اللي جايين راح يحبوك"، وفي هذه الجملة القصيرة، التي نادراً ما تجود فيروز بما يشبهها، ثلاثة أزمنة دفعة واحدة: الحاضر الذي فقده، والماضي الذي عاشاه معاً، والمستقبل الذي ستبقى فيه ألحانه تصل إلى من لم يولدوا بعد.

علاقة فيروز بزكي ناصيف
ثمة فارق جوهري بين العلاقات الفنية التي تنشأ من ضرورة تجارية وتلك التي تنبثق من وجدان مشترك، وعلاقة فيروز بزكي ناصيف تقع في المنطقة الثانية تحديداً، فكلاهما ينتمي إلى المشروع الفني اللبناني الكبير الذي سعى إلى تأصيل الهوية الموسيقية اللبنانية، ولا يمكن فهم هذه العلاقة بمعزل عن تاريخها البعيد، فخلال الأربعينيات كان زكي ناصيف عضواً في "عصبة الخمسة" التي ضمت أيضاً الأخوين رحباني وفيلمون وهبي وتوفيق الباشا، وسعت هذه المجموعة إلى تطوير الموسيقى اللبنانية والحفاظ على التراث الفني مما أتاح فرصاً للتعاون والتفاعل بين أعضائها، وبمعنى آخر فإن فيروز ومشروعها الرحباني الكبير وزكي ناصيف كانوا ينتمون إلى نسب موسيقي واحد، حتى وإن سلك كل طرف درب تعبيره الخاص.

غير أن هذا الانتماء المشترك لم يُنتج تعاوناً باكراً بين فيروز وناصيف تحديداً، فقد ظلت المطربة طوال عقود حبيسة المملكة الرحبانية الكبرى، تلك التي بنى أسوارها عاصي ومنصور وسكنت فيها فيروز صوتاً ووجداناً، وجاء اللقاء المنتظر في التسعينيات بعد أن كانت فيروز قد شقت طريقين متوازيين: طريق زياد الرحباني نحو الحداثة الموسيقية الجريئة، وطريق العودة الانتقائية لأبناء التراث، فصدر ألبوم "فيروز تغني زكي ناصيف" عام 1994 كتتويج لتعاونها مع أحد أبرز ملحني لبنان، جامعاً بين التراث اللبناني الأصيل والتجديد الموسيقي.
والمفارقة أن هذا التعاون جاء في مرحلة أثبتت فيها فيروز قدرتها على أن تكون معاصرة ومجددة لا متحفية، فكأن المطربة أرادت أن تقول لجمهورها المحافظ إنها لم تتخل عن ماضيها، بل تحمله في صدرها وتؤمُه متى شاءت، من موقع القوة لا الحنين العاجز، وما يميز هذا التعاون من الناحية الجمالية ما اختاره زكي ناصيف من منهج في التلحين، إذ لم يحاول مجاراة ضخامة التوزيع الرحباني بل ذهب نحو النقاء والتجريد، وآثر ألا يلجأ إلى التوزيع الأوركسترالي الضخم ولا إلى الآلات الحديثة، وشاء أن يترك الساحة لصوت فيروز وحده، وهنا يظهر الفرق بين ناصيف والأخوين رحباني في الابتعاد من التوزيعات الأوركسترالية الكبيرة والتركيز على التكرار اللحني البسيط المستمد من التراث.


وثمة نقطة يجدر التنبه إليها وهي أنه لا يمكن قراءة ألبوم "فيروز تغني زكي ناصيف" باعتباره موقفاً ضد تجربة زياد الرحباني الحداثية، ولا استسلاماً لنوستالجيا سهلة، وما جرى هو أن فيروز أدارت وجهها نحو موروثها الشعبي من منطلق الوعي لا الضعف، فتعاونت فيروز مع الأخوين رحباني وفيلمون وهبي ومحمد عبدالوهاب وزكي ناصيف وغيرهم، وكانت الحصيلة أكثر من 800 أغنية، فهذا التنوع الهائل في الشراكات الفنية يكشف عن مطربة لم تكن يوماً ملكاً لتوجه واحد أو سجينة جماليات بعينها.


فيروز والحرب الأهلية
في أبريل عام 1975 حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية بكل ضراوتها، كان أمام فيروز خيار واجه فيه كثيرون من أهل الفن والثقافة الرحيل أو البقاء فاختارت البقاء، وهذا القرار الصامت الذي لم تُعلنه في مؤتمر صحافي ولم تشرحه في مقابلة كان في سياقه التاريخي أحد أكثر مواقف الفنانة وضوحاً ورسوخاً.

في مجتمع يتشظى طائفياً وجغرافياً وسياسياً، كان صوت فيروز يبث من الإذاعات كأنه يُعلن أن شيئاً واحداً لم تستطع الحرب اختراقه وهو ذلك الاتفاق الصامت على جماليات مشتركة.

قوات متحاربة على خطوط تماس مختلفة كانت تستمع إلى الصوت ذاته في أوقات الهدنة، وهذا لا يجعل فيروز "رمزاً للسلام" بالمعنى الشعاراتي المجاني، بل يجعلها دليلاً على أن الجمال يصمد حيث يسقط كل شيء آخر، وفي هذه المرحلة الرهيبة أنتجت فيروز بعض أعمق ما غنته للبنان ومنها أغنية "لبيروت" التي كتبها جوزيف حرب، وتحمل في طياتها مزيجاً من الحنين والألم والإرادة الصلبة، وقد كانت تُذاع في محطات متعادية تستريح لبعض الوقت من قتالها لتستمع معاً إلى فيروز.

واللافت أن "سفيرتنا إلى النجوم" لم تنحز في غنائها إلى أي طرف من أطراف الحرب ولم تُغنِ للمقاومة الفلسطينية ضد "القوات" اللبنانية ولا العكس، بل بقيت في ذلك الفضاء اللبناني الجامع الذي صنعته مع الرحابنة منذ الخمسينيات، فضاء يتجاوز الانتماءات الضيقة ويحتفي بلبنان كفكرة جمالية وإنسانية قبل أن يكون خريطة طائفية، وهذا الموقف الجمالي السياسي الصامت كان بذاته فعل مقاومة من نوع مختلف.



فقدت فيروز في خضم هذه الحرب ابنتها ليال عام 1988، وهو جرح لم تتكلم عنه علناً، مما يجعل ما استمرت في تقديمه من فن في تلك الحقبة مضاعف الأثر ومضاعف الثمن، فالفن في سياق الخسارة الشخصية والحرب الجماعية لم يعد تعبيراً ترفياً بل أصبح ضرورة تنفسية لصاحبته وللجمهور في الآن ذاته.

فيروز وفلسطين
ثمة علاقة عضوية بين فيروز والقضية الفلسطينية تتجاوز الموقف السياسي المُعلَن وتصل إلى شيء أعمق وهو الاشتراك في الجرح ذاته، فقد وُلدت فيروز الفنانة في الخمسينيات بينما كانت فلسطين تئن تحت ثقل النكبة، وتشكل وجدانها الإبداعي في جو عربي تسكنه الهزيمة والحنين وحلم العودة، وفي عام 1963 حين كانت القدس لا تزال تحت الإشراف الأردني، زارت فيروز وعاصي ومنصور المدينة المقدسة، وفي اليوم الثاني أثناء تجول فيروز في أزقة القدس القديمة أوقفتها سيدة فلسطينية ودار بينهما حديث عن المعاناة والذاكرة، وأهدتها مزهرية وداعة قائلة إنها "هدية من الناس الناطرين"، ومن تلك المزهرية وُلدت "القدس العتيقة".
بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967 وسقوط القدس بأسرها تحت الاحتلال، قدم الأخوان رحباني كلمات "زهرة المدائن" التي أصبحت أيقونة فلسطينية لا يزال صداها يملأ العالم العربي في كل مناسبة شهادة أو ذكرى، وكذلك تحمل أغنية "أنا وشادي" (1968) كل عناصر الدراما الفلسطينية في قصة طفلَين كانا يلعبان حتى ذهب أحدهما ولم يعد، وما يبدو قصة فقدان طفولي هو استعارة كاملة للنكبة في أبلغ صورها الإنسانية، أما في "راجعون" و"أجراس العودة" فقد تحول صوت فيروز إلى ناقوس لا يهدأ، وهذا الخط الفلسطيني في مسيرتها ليس خطاً موازياً للخط الفني، بل هو صلبه الأخلاقي الذي جعل الناس يثقون بهذا الصوت حتى حين لا يُغني.


 


زياد الرحباني جدد الأسطورة
وُلد زياد عاصي الرحباني في بلدة أنطلياس بقضاء المتن في الأول من يناير (كانون الثاني) 1956، ابناً بكراً لأبوين استثنائيين، فيروز ذات الصوت الذي وحّد العرب على الحنين، وعاصي الرحباني العقل الموسيقي الذي أعاد صياغة الذوق اللبناني، فنشأ زياد في منزل عُرف بغزارة الإنتاج الفني والعمل الإذاعي والمسرحي اليومي، وكان محاطاً منذ طفولته بكتاب وموسيقيين وممثلين، وكان تركيز الجينات الفنية من كلا الوالدين في شخص واحد ظاهرة لم تتكرر في تاريخ عائلة فنية عربية.


أبدى زياد باكراً موهبة استثنائية، إذ ألّف أول كتبه بعنوان "صديقي الله" في سن الـ 13 ودخل عالم المسرح عام 1973 حين قدم أولى مسرحياته "سهرية" ولم يكن قد بلغ الـ 17 بعد، وتميز منذ البداية بأسلوبه الموسيقي المتفرد الذي مزج بين الموسيقى الشرقية والجاز، متأثراً برواد مثل مايلز ديفيس وديف بروبك، ومستلهماً منهم أساليب التوزيع والارتجال، ثم جاءت لحظته المفصلية الأولى مع والدته في ظروف قاهرة، ففي شتاء عام 1973 أصيب عاصي الرحباني بنزف في الدماغ أثناء التحضير لمسرحية "المحطة"، وغياب أحد الأخوين رحباني عن المشهد مثّل شرخاً في جدار العائلة.

كانت فيروز تستعد لبطولة المسرحية، فكتب منصور الرحباني كلمات أغنية تعكس الغياب المفاجئ لعاصي، وأسند مهمة التلحين إلى زياد، فجاءت "سألوني الناس" التي أدتها فيروز ضمن المسرحية وأحدثت صدى واسعاً، وتحمست فيروز للفكرة لكن عاصي غضب معتبراً ما حدث متاجرة بمرضه، ولم يمر وقت طويل حتى تراجع عن موقفه بعد أن لمس نجاحاً طاغياً لوريثه الشرعي.

لم يكن تعاون فيروز وزياد مجرد انتقال من ملحن إلى آخر، بل كان زلزالاً إبداعياً هز الصورة النمطية لفيروز وأعاد رسم ملامحها، وعاصي ومنصور كانا يقدمانها سيدة طاهرة تسكن الجبل وتُغني للحب في أبهى تجلياته، وزياد نقلها إلى المدينة القاسية والشارع الخشن، وإلى همّ الإنسان العادي في حروبه اليومية الصغيرة، فأعادت أعماله تقديم فيروز كامرأة حقيقية لا مجرد رمز سماوي تُبجَل من بعيد، امرأة تحمل وجع القلب والخذلان والعتاب الصامت.

في ألبوم "وحدن" (1979) و"معرفتي فيك" (1984) ومن ثم في الأيقونة "كيفك إنت" (1991)، كان زياد يكتب لفيروز كما يكتب لنفسه، بلغة يومية خالية من الرمزية الفخمة، ولعل "كيفك إنت" تختصر هذه المعادلة في أجلى صورها تروي القصة الشائعة أن فيروز التقت زياد صدفة بعد غياب فسألته: "كيفك إنت؟ عم بيقولوا صار عندك ولاد، أنا والله كنت مفكرتك برات البلاد".

سكنت الجملة قلب زياد أكثر مما سكنت أذنه فعاد وكتبها كما قيلت، ثم سجل الأغنية بصوته ووضعها في شريط وذهب إلى فيروز، وهذه الأغنية التي وُلدت من محادثة عابرة في بيروت الحرب أصبحت من أشهر ما غنته فيروز في مسيرتها، وعلى رغم صمت فيروز الدائم فقد غنت من ألحان وكلمات زياد أكثر مما غنت لأي ملحن آخر بعد الأخوين رحباني، فأعطته صوتها ومنحها كلماته، وولد من هذا التبادل عصر جديد للأغنية اللبنانية.

رحل زياد في يوليو عام 2025 وكان آخر أبنائها الذكور، وظهرت فيروز في جنازته للمرة الأولى منذ أعوام واجهة حزن صامتة وعميقة، وفي موت الأبناء تنكسر الأساطير أيضاً.



ريما حارسة الأرشيف
تكاد ريما الرحباني، ابنة فيروز، تكون الشخصية الأكثر تأثيراً في مسيرة والدتها خلال الـ 30 عاماً الأخيرة، مع أنها الأقل حضوراً فيما كُتب عن فيروز، فريما هي التي تولت الإشراف على ألبوم "ببالي" عام 2017، الألبوم الأخير لفيروز حتى الآن، وقدمت فيه رؤيتها لكيفية تجديد الصوت الفيروزي من دون المساس بجوهره، وأشرفت على اختيار الأغاني وطريقة تقديمها في مرحلة ما بعد زياد، وحافظت على الأرشيف الصوتي الضخم الذي تملكه فيروز وتولت إدارة حقوق الملكية الفكرية في مرحلة شهدت نزاعات قانونية معقدة مع عائلة الرحباني الأخرى، وأيضاً تُشرف على الحضور الرقمي لأمها في منصات البث الصوتي ومنصات الفيديو.

علاقة ريما بفيروز علاقة ابنة بأم ومديرة فنية بفنانة في الوقت ذاته، وهذا التداخل الحميم بين الأدوار ليس بسيطاً، وقرار تقديم ألبوم "ببالي" بالطريقة التي قُدم بها، أي ببساطة وأقل إنتاج ضخامة، كان بياناً جمالياً يقول إن فيروز في هذه المرحلة لا تحتاج إلى أوركسترا كاملة لتقنعك، بل تحتاج فقط إلى صوتها وذاكرتك، وكان محقاً، فريما هي من سيقرر في نهاية المطاف كيف يُحفظ إرث فيروز وكيف يُقدم للأجيال المقبلة، وهذه مسؤولية تاريخية لا مجرد إدارة عائلية، فكيفية تعامل الإرث الفيروزي مع العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي وإمكان استخدام الصوت تقنياً هي أسئلة يرجح أن تواجهها ريما خلال الأعوام القريبة المقبلة.



فيروز والعالم
لم يبقَ صوت فيروز حبيس الجغرافيا العربية أو حتى حدود من يفهم العربية، فالوصول الدولي لهذا الصوت يُشكل بعداً أساساً في الظاهرة الفيروزية يُغفله كثيرون، ففي عام 1979 أحيت فيروز حفلاً في مسرح "أولمبيا" الأسطوري في باريس، وكتب المنتج الفرنسي برونو كوكاتريكس بعدها أنه لم يشهد في تاريخه الطويل مع الأولمبيا جمهوراً يبكي بهذا الصمت المُهيب، وقد نجح الحفل نجاحاً استثنائياً واستقطب الجمهور الفرنسي والعربي المهاجر معاً في تجربة اندماج نادرة، ثم في لندن عام 1994 استقطبت أكثر من 6 آلاف حاضر، وكتب نقاد غربيون أنهم أمام شيء لا يُعرف إلا بالمقارنة بكبار العالم.

وفي ديترويت وبوينوس أيريس وساو باولو والمكسيك أضحت فيروز الصوت الذي يجمع مجتمعات المهجر اللبناني والعربي حول هويتها المفقودة، فالجاليات اللبنانية المنتشرة في أميركا اللاتينية جعلت من صوتها خيطاً رابطاً بين أجيال وُلدت هناك ولم تزر لبنان قط، لكنها تعرف أغاني فيروز عن ظهر قلب، وهذا البُعد الدياسبوري يجعل فيروز ظاهرة عابرة للأجيال لا للحدود الجغرافية وحسب.

أما على مستوى الاعتراف الأكاديمي الغربي فتُدرّس موسيقى فيروز في أقسام الدراسات الشرق أوسطية في جامعات أميركية عدة، وتُشكل الدراسة المرجعية لكريستوفر ستون (Routledge-2008) أعمق مرجع أكاديمي إنجليزي في هذا الموضوع، وتُحلل الظاهرة من زوايا قومية واجتماعية وسياسية تتجاوز التحليل الجمالي البحت.

فيروز والجندر
جانب يغيب شبه كلياً عن الكتابات التقليدية عن فيروز هو بُعدها الجندري الذي يتجاوز الوصف الجمالي إلى السياق الاجتماعي والسياسي، ففيروز كانت من أوائل النساء العربيات اللواتي حققن نجومية جماهيرية واسعة مع الحفاظ على ما وصفه المجتمع بـ "الاحترام والوقار"، وفي مجتمع كان ينظر إلى المغنية بعين الريبة أو يضعها على هامش الاحترام الاجتماعي، فتحت فيروز باباً لم يكن مفتوحاً، ولم تفعل ذلك من خلال خطاب نسوي مُعلن أو مواجهة صريحة مع الأعراف الاجتماعية، بل من خلال شيء أعمق وهو تجسيد نموذج يُثبت بالفعل لا بالكلام، أن المرأة يمكن أن تُغني وأن تُقدَس في الوقت ذاته، وهذا النموذج أعاد تعريف الحدود الضمنية لما يُسمح للمرأة به في الفضاء العام العربي، فلم تكن فيروز أول من أحدث ذلك، إذ سبقتها أم كلثوم ومنيرة المهدية وأسمهان، لكنها كانت الأكثر استدامة والأوسع انتشاراً والأقرب إلى الصورة التي أرادت لها العائلات الشرقية المحافظة أن تُدخلها بيوتها، وكونها تُغني أغاني القرية والجبل والدين والوطن وليس أغاني "الكباريه والمسارح الليلية" فهذا ما جعل الأب المحافظ يرضى بدخول صوتها إلى بيته.

في المقابل تُلاحظ دراسات نسوية عربية حديثة أن فيروز دفعت ثمن هذا القبول الاجتماعي، فاحتجابها وصمتها الدائم وتجنب الظهور العام كانت شروطاً ضمنية غير مُعلَنة للحفاظ على مكانتها المحترمة، وبمعنى آخر فإن الوقار الاجتماعي كان يشترط قدراً من التغيّب الذاتي، وهذا التوتر بين الحرية الفنية والقيد الاجتماعي يُشكل إطاراً تحليلياً جوهرياً لفهم شخصية فيروز في سياقها التاريخي.

قراءة سيكولوجية
أثار صوت فيروز اهتمام عدد من علماء النفس العرب الذين تناولوه من زاوية سيكولوجية تتجاوز التحليل الجمالي، والسؤال الجوهري هو: لماذا يُستحضر هذا الصوت تحديداً في لحظات الفقد والغربة والمرض والحنين؟ ولماذا يُنتج أثراً تهدئياً موثقاً لدى مستمعين من خلفيات ثقافية متباينة؟

يُشير علم نفس الموسيقى إلى مجموعة من العوامل التقنية والنفسية المتشابكة، فالتوليف بين الصوت الناعم ذي الترددات المتوسطة مع المصاحبة الوترية يُنتج ما يُسمى "استجابة الاسترخاء" في الجهاز العصبي المركزي، لكن هذا التفسير البيولوجي لا يكفي وحده، وثمة عامل ذاكرة جماعية أعمق ارتبط صوت فيروز بالطفولة والأم والصباح الأول والبيت في ذاكرة ملايين العرب، وهذا الارتباط يجعله يُستحضر في لحظات الحاجة الوجودية كما يُستحضر كل ما يرتبط بالأمان في وعي الطفل.


صمت جارة القمر
لم تُعلن فيروز يوماً اعتزالها الفن، لكنها على مدى أعوام تراجعت عن المشهد العام بخطوات متواصلة تمثلت في ابتعاد من الحفلات ثم ابتعاد من الإصدارات ثم ابتعاد حتى عن الظهور الإعلامي العارض، وآخر حفلاتها الحية كانت في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011 في مسرح "البلاتيا" في جونية، وآخر ألبوماتها "ببالي" صدر عام 2017.

سلسلة الخسائر الشخصية ثقيلة، وابنتها ليال خلال الحرب الأهلية، ثم عاصي عام 1986، وزياد في يوليو 2025 وابنها هلي في يناير الماضي، وهذه التراكمات لا تكسر الإنسان العادي وحده بل تُثقل الأسطورة أيضاً.

صمت فيروز اليوم ليس نهاية بل استمرار بأسلوب آخر، والصمت نفسه أصبح لغتها، وغيابها أصبح حضوراً مكثفاً، وهذا ما يُميز الأساطير الحقيقية عن الظواهر العابرة، فالظاهرة تحتاج إلى الضجيج لتثبت وجودها، أما الأسطورة فتزيد عمقاً كلما زاد هدوؤها.

ما الذي تتركه فيروز وراءها؟
بعد 91 سنة من العمر وسبعة عقود من العطاء، ثمة سؤال يبدو بديهياً لكنه في الحقيقة عميق الأبعاد: ماذا تتركه فيروز؟ الجواب البسيط 800 أغنية و20 مسرحية غنائية وثلاثة أفلام و85 ألبوماً وملايين اللحظات التي شكلت ذاكرة الوجدان العربي، لكن الجواب الحقيقي لا يُحصى، ففيروز غيرت مفهوم ما يمكن للأغنية أن تقوله وما يمكن للصوت أن يفعله، فغنّت للبنان حين كان يحترق ولم تُدافع عن طرف بل دافعت عن فكرة، وغنت للقدس حين كانت الجيوش تتساقط وفُقد العرب هزيمة بعد هزيمة، فقدمت لهم ما لا يستطيع الخطاب السياسي تقديمه: الكرامة الجمالية في مواجهة الهزيمة.


حين زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منزلها في الرابية في أغسطس (آب) 2020 بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت الكارثي، ومنحها وسام جوقة الشرف الفرنسي، كانت لحظة رمزية بامتياز، فلبنان المنهك لم يُصبح رمزه قائداً سياسياً بل أصبح رمزه صوت امرأة تجلس في بيتها هادئة، وهذا لا يحدث بالصدفة بل يحدث حين يملك صوت ما الحقيقة التي تبقى بعد كل شيء يزول.

في الساعة الخامسة والنصف من كل صباح عربي لا يزال الصوت يتسرب ولم يتوقف ولن يتوقف، لأنه ليس صوتاً واحداً بعد الآن بل جزءاً من الهواء، وما يصير جزءاً من الهواء لا يموت بل يتنفسه من يأتي بعدنا ومن يأتي بعدهم، من دون أن يعرفوا بالضبط من أين جاء ذلك الشيء الجميل الذي يُساعدهم في العيش.



اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

سورس_كود



Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس