سيرياستيبس
في مرحلة ما بين السبعينيات والثمانينيات، جمعت قصة حب عاصفة، بين الكاتبة السورية نهلة كامل والكاتب سعدالله ونوس (1941-1997)، وطلب منها الشاعر اللبناني أنسي الحاج
(1937-2014) بعد لقائها به في بيروت، أن تفرج عن أوراقها السرية، وعن تفاصيل العلاقة التي جمعتها بالمسرحي السوري، وتصوغها في عمل روائي بعد سنوات من اشتغالها في النقد والصحافة وكتابة الشعر.
بدأت القصة بعدما أهدى المؤلف المسرحي نبيل عبدالله (اسم مستعار لسعدالله ونوس) حبيبته إيفا (اسم مستعار للكاتبة) كتاب أنسي الحاج "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع". كانت هذه الهدية وقتذاك بمثابة وداع وإعلان لنهاية قصة حب امتدت لسنوات طويلة. تستعيد إيفا تلك الأيام بعدما قررت أن تلتقي الشاعر اللبناني في بيروت عام 2009، وتخبره كيف بدأت صلتها مع قصائده. لقاء تلته لقاءات عدة في بيروت أسرت فيه الكاتبة للحاج كيف كونت أشعاره وعيها المبكر بالعالم، وكيف كانا قد التقيا لماماً في إحدى حفلات السيدة فيروز. كانت كامل حينذاك تعمل في تحرير التقارير الإخبارية من العاصمة اللبنانية، وتتابع كل ما ينشره الشاعر في زاويته الأسبوعية. عندها صرح صاحب "لن" بأن لديه فضولاً لقراءة ما ستكتبه عن علاقتها بسعدالله، "فلا شيء يضاهي الكتابات والقصائد السرية" (ص 21).

تتخذ نهلة كامل من هذه العلاقة بينها وبين كل من الحاج وونوس ثنائية غياب وحضور، لامرأة "تنوس" بين رجلين، فثلاثتهم أصيبوا بمرض السرطان. بقيت إيفا (نهلة) على قيد الحياة بعدما انتصرت على مرضها العضال، واحتفظت لعقود بأوراقها الصفراء التي دونتها عن تلك المرحلة من حياتها. لم تشأ أن تنشر رسائلها ورسائل الكاتب المسرحي باسميهما الصريحين كما فعلت غادة السمان مع رسائل غسان كنفاني إليها، فيما ذكرت الاسم الصريح للشاعر اللبناني كعتبة أولى للنص، وكاعتراف متأخر بالحب: "أنسي الحاج أنت من أحببت طوال عمري" (ص 279).
وجدت ابنة الساحل السوري دائماً ما يجمع بين سيرة سعدالله وسيرة أنسي في تقاطعات عديدة، ليس فقط إصابتهما بالسرطان، بل في تزامن صمتهما عن الكتابة معاً، في فترة امتدت نحو عقد، بين بداية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي. فبالنسبة إلى صاحب "الرأس المقطوع" كان كل كتاب سيصدره بمثابة "انتحار مؤجل". لكن الحاج خرج عن صمته عام 1994 عبر إصدار ديوانه "الوليمة"، ومن ثم شذراته المعنونة باسم "خواتم"، في حين كان قدر سعدالله ان يعود إلى تأليف المسرحياًت بعدما هرب 10 أعوام متتالية إلى العمل في الصحافة، وإعداد النصوص العالمية.
بدأت علاقة نهلة مع ونوس في منتصف السبعينيات بعدما زارته في مقر "مجلة أسامة" للأطفال التي كان يترأس تحريرها. حينذاك كانت لا تزال شابة في الـ20. أشاد ونوس برسومها الطفولية، مقارناً إياها بأعمال الفنانة المصرية شلبية إبراهيم. لم تنشر الرسوم في المجلة، لكن لقاء آخر جمعها بصاحب "فيل يا ملك الزمان" في كلية الآداب، وقتها كانت الشابة تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، وتتلمس طريقها في عالم الصحافة الثقافية عبر تقديم عروض لكتب أدبية.
بداية القصة
منذ ذلك الوقت أخبرها سعدالله أنه سيتابع بشغف كل ما تنشره في الدوريات السورية، وهذا ما فتح في ما بعد، باب اللقاءات بينهما في مطعم لاتيرنا (القنديل). هذا المكان الدمشقي الذي كان ملتقى للفنانين والمثقفين في السبعينيات والثمانينيات في سوريا، "كان هذا اللقاء الذي كتبت تفاصيله استجابة لطلب أنسي الحاج مدخلاً إلى علاقتي به ونتيجة الشعور بالفقدان: "لم أكن أدري أن بدائية رسوماتي وحرارة ألواني ستكون بصمة شخصيتي الفطرية المفضلة لدى ونوس حتى عقود قادمة" (ص 24).
المطعم ذاته سيكون شاهداً على لقاءات صاخبة بين نبيل وإيفا (نهلة وسعدالله). تروي الكاتبة حادثة لافتة هنا: "بعد أن احتسى نبيل (سعدالله) كأسين من النبيذ على العشاء، ظهرت نياته العدوانية تجاه التزمت والتقاليد، وقال لي: انظري كيف يصطنع الحاضرون العفاف ظاهراً، ويمارسون الكذب والفساد والعهر حقيقة وسراً، مشيراً إلى الزبائن المحافظين، وما كان منه إلا أن تقدم لاحتضاني وتقبيلي بنهم، وقد أراد أن يصدم الحضور. أمر استنكره مدير المطعم الذي تقدم إلينا قائلاً: "أرجوكم لدينا عائلات محترمة، ليرد نبيل: هذه خطيبتي، ويجيب المدير: إذا اذهبا إلى المنزل" (ص 38). حادثة ظل سعدالله معتداً بها، حتى أنه كتبها في ما بعد في مسرحية له. لكن إيفا كانت هي من دفع الثمن لاحقاً، وكانت النتيجة، أنها أينما حلت في مطاعم دمشق، فإن بعض الندل الذين حضروا تلك الحادثة يبتسمون لها بخبث أو اتهام، وهم يشاهدونها مع رجل غيره أو وحدها.

لم يكن سعدالله صديق إيفا (نهلة) الأول كما تقول، بل "حبيبيها الثاني وصديقها الأول، وكان هذا يعجبه". صديق الروائية الأول كان شابا يدعى عزيز، وكان من طائفة غير طائفتها، لكنه هرب من البلاد بعد تهديد أحد ضباط حافظ الأسد له. يتداخل هنا مجدداً السير-ذاتي لشابة مهزومة وغافلة كسرها الفقدان والمرض، مع سيرة جيل الهزائم السورية. سيرة لا نجاح فيها سوى تمرد وأحلام وهمية ارتبطت بما تسميه صاحبة كتاب "الفارس الخاسر" بـ"الزمن الجميل".
لكن الكاتبة تتابع سردها بشجاعة، لكونها كما تقول، "ذاكرة انفلتت من سيرتها وانفتحت على المصير العام". فسرعان ما جاء عقد الثمانينيات السورية حاملاً مفاجآت في الحياة العامة من قمع وانقضاض للسلطة البعثية على مؤسسات المجتمع المدني: "ردموا فرع بردى الذي كان يمر أمام بيتي، والذي أعطاه نبيل (سعدالله) دلالة مهمة بقلم المؤرخين في مسرحيته "منمنمات تاريخية".
نضارة الصبا
كانت إيفا (نهلة) بالنسبة إلى سعدالله صورة من نضارة الصبا وفتنة الطفولة وشهوة الحياة: "لعل هذا ما ظل يجذبه إليّ كلما أراد التمرد على المعايير المسبقة وديكتاتورية الأيديولوجيات. مات كثير من الأشجار ومنها تلك التي كتبت على جذعها اسم نبيل واسمي، وانتهت موضة الميني جيب المتحررة، إلى الشانيل المتحفظة عند الركبة". في تلك الفترة بدأت دور السينما بإقفال صالاتها، أما مهرجان دمشق المسرحي فقد قدم آخر احتفالاته عام 1988. ولم يكن هذا انتهاء بيئة حب إيفا لنبيل فحسب، بل انتهاء زمن جميل فكرياً، إلى خيبة الرؤى وتشتت التيارات الثقافية وانكشاف خيانات فردية وعامة تحت سيف قانون الطوارئ.
انتقلت بعدها إيفا للعمل في قسم الترجمة والدراسات بأمر من مدير الصحيفة عقوبة على تمردها. لكن هذا الإجراء كان حينها جزءاً من خطة السلطة لإقصاء من سمتهم بالمحرضين الثقافيين والسياسيين عموماً. كان مدير الصحيفة شخصاً متعصباً اتهمها بأن رجلاً يكتب لها مقالاتها، غامزاً من قناة سعدالله. منذ تلك اللحظة بدأت إيفا حياتها من جديد بعدما تزوج سعدالله بامرأة أخرى، وكان حبيبها الثاني حسام شاباً متحمساً عائداً من دراسته في الخارج، يحمل بطاقة حزب يساري عالمي، إلى جانب بطاقته الحزبية العالمية، و"كان مبدؤه أن العمل السياسي هو مصدر كل تغيير وثورة حتى الثقافية". خيل لإيفا أن حسام سيكون خلاصها ما بعد خيبتها من التمرد الثقافي وفشل تيارات المثقفين التي أخذت تتحارب فيما بينها فكراً وممارسة. وبعكس نبيل (سعدالله)، كان حسام فخوراً بانتماء إيفا إلى عائلة وطنية ذات سيرة نظيفة، وإلى طائفة واحدة على رغم قوله لها: "أحببتك لأنك مناضلة"، مع أنها أكدت له غير مرة أنها لا تنتمي إلى حزب أو جماعة سياسية.
تسرد إيفا كيف طلب الأمن من حبيبها الثاني هو الآخر، مغادرة البلاد لفترة طويلة. كانت العلاقات العامة عند حسام أهم من الكفاءة والموهبة، وكانت إيفا تسخر من أنها انتقلت من التسييس المسرحي عند نبيل (سعدالله) إلى التسييس الاجتماعي. وقد استطاع حسام احتلال موقع اجتماعي مرموق وحفر صلات بالعمق مع طبقة السلطة والمال. لكن إيفا لم تكن تدرك أن سلوكه وممارساته كانت مدروسة ومخططاً لها، فيعود حسام بعد غياب طويل شخصية مرشحة للاستثمار كورقة اجتماعية لامعة. فهو يردد بعد الحكم بقانون الطوارئ: "لا نستطيع التخطيط لحياة مستقرة ونحن هاربون مهددون بالموت".
مسرحية ونوس
هزم السرطان سعدالله ونوس بعد محاولات انتحار فاشلة كانت بمثابة احتجاج منه على الوضع الأمني المعقد الذي آلت إليه البلاد، لكن إيفا ظلت تطارد طيفه في مسرحيات كتبها ونوس في فترة علاجه من السرطان. تجد في مسرحية "بلاد أضيق من الحب"، استعادة لحكاية الحب التي جمعتهما، والتي يجسد فيها صاحب "فيل يا ملك الزمان" تفاصيل من قصة حبهما. فشخصية نبيل في المسرحية جسدت شخصية سعدالله العاشق المريض بالسرطان والمتقدم في السن، أما شخصية إيفا فكانت هي ذاتها نهلة كامل، الحبيبة الصغيرة البريئة في سن تعارفهما آنذاك، وكان هذا برأي الكاتبة، دلالة على أنه وفى بوعده، وعاد إلى حبيبته السرية بعد 25 عاماً.
يسترجع ونوس في "بلاد أضيق من الحب" حدث الماضي، حين كان يحاول الانفراد بحبيبته ولا يجد مكاناً للقائها. وكذلك حدث الحاضر وهو فراره مريضاً من عائلته لتحقيق لقاء قبل الموت، أي العودة إلى عشيقته إيفا الصغيرة. تتساءل إيفا: "هل هذه المسرحية ندم أم اعتذار، أو اعتراف تحت ظلال احتضار يتقدم إلى اليقين" (ص 156). وفعلاً يقدم ونوس في نصه الأخير "بلاد أضيق من الحب" إشارات إلى تحولات لم تحدث إلا "معنا أنا وهو"، ويرسم بمفردات عذبة مبتكرة رموز شخصية إيفا وسلوكها الماضي، ودفتر الرسم الذي كانت تحمله وهي شابة، وهو دفتر الرسم ذاته الذي ذهبت وهي تحمله لعرض رسوماتها في لقائهما الأول: "وها هو أيضاً النادل الذي اعترض على احتضان نبيل لي واختطافه قبلة مني تمرداً واستفزازاً لزبائن المطعم الذين يرتدون الجلابيب والملايات، يجدده نبيل في المسرحية عبر شخصية سائق سيارة قام بالعمل نفسه" (ص 15).
آخر لقاء جمع الكاتبة مع نبيل (سعدالله) عام 1988 وقد جاء معزياً بوفاة والدها: "جاء وقتها حزيناً وخائباً قال لها معتذراً: "أخشى أنني السبب في اتجاهك إلى الوسط السياسي ولو كان محبطاً كالثقافي، إلا أنه أقدر على التسلط والسحق وكتم الأنفاس، ولا أتمناك مستفيدة ولا ضحية. اعذري تطفلي ما زلت أعتبرك طفلتي. ولكن لديّ الآن طفلة جميلة تشبهك (في إشارة إلى ديمة ونوس ابنة سعدالله). لكنك الأولى والأكبر، أرجو اعتبارها ابنتك أيضاً".
تتخذ نهلة كامل من أسلوب الرواية السير-ذاتية أسلوباً فنياً للتخييل، لكنها تلجأ إلى التعمية على أسماء شخصيات رئيسة وتذكر أخرى بأسمائها الصريحة، فيحضر هنا كل من الشعراء ممدوح عدوان وبندر عبدالحميد وعادل محمود وعلي الجندي والأستاذ أحمد الشاعر الريفي في هجائه اللاذع لحزب البعث.
تكشف رواية "أحببت أنسي الحاج" عن أمراض بليغة في الوسط الثقافي السوري في الربع الأخير من القرن الـ20. تخاطب الكاتبة القارئ بعبارة: "شريكي القارئ"، إذ تصوغ رواية بلا تسلسل ولا تقنيات مسبقة، بل باعتمادها على أوراق تسميها "اللامنشور".
لم تفكر نهلة كامل طوال حياتها بكتابة سردية مقيدة ومقاييس مفروضة، كما تصرح على لسان بطلتها في أكثر من موضع من النص، بل تعتبر روايتها "جلسة بوح وشراكة اعتراف وأسرار". هنا تتناسل المواقف كتواريخ متشابكة، وتتداعى كل شخصية في مرجعيات وذاكرة عامة وخاصة: "هل وجدت شريكي القارئ "لا منشوري" صالحاً لسرد روائي؟ لعلك لم تعتبره فقراً في التقنية، أو عدم سيطرة على تشتت الأحداث زماناً ومكاناً". بالنسبة إلى نهلة الكتابة كانت دائماً عبر ضمير مستتر، على خلاف ضمير المتكلم الذي يتخذ صيغة الراوي العليم في الرواية: "ضمير صمت عشته طوال عمري، واستحضرت فيه التداعيات من خطوطها المتباعدة، وأعدت فعل استرجاعها بواقع جديد لا يمكن تصويره والإفصاح عن مكوناته".
اندبندنت عربية
|