سيرياستيبس
شهد الاجتماع السنوي للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، المنعقد في الدوحة، نقاشاً استراتيجياً في جلسة كشفت خلالها شخصيات اقتصادية ودولية عن رؤية متجددة لـ"الممر الأوسط" لا تقتصر على كونه مساراً للترانزيت يربط بين آسيا وأوروبا، بل تتجاوز ذلك ليصبح نواة لتكامل اقتصادي إقليمي يولد نمواً مشتركاً ويحقق منافع حقيقية لدول المنطقة وشعوبها.
وشارك في الجلسة، التي عقدت اليوم الثلاثاء تحت عنوان "عبر الحدود: ربط المناطق وبناء القدرة على الصمود"، كل من رئيس بنك البحر الأسود للتجارة والتنمية سرحد كوكسال، ونائب وزير المالية في جورجيا إيكاترين غونتسادزه، والرئيس التنفيذي للاستثمار في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية كونستانتين ليميتوفسكي، وعضو اللجنة الاستشارية الدولية للبنك يوغون هوانغ، والمدير العام للاستثمار في البنية التحتية بوزارة النقل التركية يالتشين إيغون، فيما كان وزير الاقتصاد الأذربيجاني ميكائيل جباروف متحدثاً رئيسياً في الجلسة.
واستهل الوزير جباروف حديثه بالتأكيد أن المنطقة تمر بلحظة تاريخية فريدة، قائلاً: "لأول مرة منذ استقلال دول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، تخلو منطقتنا من الحروب والنزاعات الإقليمية". وتطرّق إلى عملية السلام والمصالحة الجارية بين أذربيجان وأرمينيا، واصفاً إياها بأنها تفتح صفحة جديدة، وإن لم تكن هذه الصفحة سهلة، إلا أنها ضرورية وتحظى بالتزام كامل. وربط جباروف بين هذا المناخ الجديد وموضوع المرونة وتنويع الممرات، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في الدوحة، مركز الاستقرار والربط الإقليمي، مؤكداً أن "الترابط يبدأ بالجغرافيا، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي، بل لا بد من بناء علاقات قائمة على الثقة مع الجيران".
الممر الأوسط بين الجدوى الاقتصادية وميزة السرعة وانطلقت الجلسة بسؤال محوري عما إذا كان "الممر الأوسط" خياراً اقتصادياً عملياً بالفعل. وأوضح المشاركون أن الاهتمام الحالي بالممر جاء في سياق الاضطرابات التي شابت الممرين، الشمالي والجنوبي، غير أن الطرق البحرية تظل الأرخص، وتستأثر بنحو 70% من التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا. في المقابل، تبرز للممر الأوسط ميزة فريدة تتمثل بسرعة شحن البضائع عالية القيمة، مثل الإلكترونيات وقطع الغيار. لكن الشرط الأساسي لاستمراره لا يكمن في العبور فقط، بل في "توليد تجارة وإنتاج إقليمي داخلي" يغذي حركة اقتصادية دائمة داخل المنطقة، وهو ما لا يُقاس اليوم بالقدر الكافي، لكنه ينمو ويحمل إمكانات واعدة.
وشدد المشاركون على أن "دور القطاع الخاص هنا يختلف جذرياً عما هو عليه في الممرات التقليدية؛ فهو الشريك الأهم لتحقيق هذه القيمة المضافة". وفي السياق، أكد ليميتوفسكي أن الربط يمثل جوهر رسالة البنك، لكن التحدي الأكبر يكمن في تحويل المشاريع الوطنية المتباينة إلى نسيج استثماري واحد. وأضاف: "غالباً ما تتعارض الأولويات الوطنية مع متطلبات الممر الإقليمي، وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى الالتزام السياسي والتنسيق المستمر بين الحكومات".
ولفت إلى أن البنية التحتية اللينة، وتوحيد الإجراءات، ورقمنة العبور، وتبسيط المعابر، لا تتطلب استثمارات ضخمة، لكنها قد تهدر استثمارات بمليارات الدولارات إذا أُغفلت. وخلص إلى أن "الممر لا ينجح إلا حين يصبح ملكاً للدول التي يمر بأراضيها، ويربط مدنها ومناطقها الصناعية، ويعيد توجيه منافعه نحو تنميتها الداخلية".
من الطاقة إلى ممر التنمية واستعرضت نائب وزير المالية الجورجية تجربة بلادها، حيث استُثمر نحو أربعة مليارات دولار في الربط البري والسككي على مدار عقود، لافتة إلى أن الممر الأوسط ليس فكرة جديدة، بل هو طريق قديم يتجدد. وأبرزت ميزة نوعية تتمثل بتحويله إلى "ممر طاقة أخضر"، إذ تشكل الطاقة الكهرومائية النظيفة 80% من إنتاج الكهرباء في بلادها، ما يفتح آفاقاً لتصدير الطاقة النظيفة وربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر كابلات بحرية قيد الدراسة.
وأكمل الوزير جباروف الصورة بتجربة أذربيجان، موضحاً أنه على مدى عقود بُنيت شراكات لنقل الطاقة عبر جورجيا وتركيا، وتكللت بممر الغاز الجنوبي الذي يمد اليوم 16 دولة بالغاز، ليشكل خطوة نحو تصدير الكهرباء والطاقة المتجددة عبر اتفاقيات ثلاثية تربط بحر قزوين بالبحر الأسود. ولم يقتصر الربط على النقل والطاقة، بل شمل الرقمنة والألياف الضوئية، إذ رُكبت البنية الرقمية جنباً إلى جنب مع خطوط الأنابيب. ويُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محركاً جديداً للإنتاجية، فيما يُنفَّذ "ممر زانغازور" الذي يفتح مسارات إضافية تشمل أرمينيا، ليكون دعامة جديدة للتكامل الإقليمي.
وشدد جباروف على أن "الممر لا يعني مجرد عبور بضائع، بل تلاقي أفكار وشعوب وشراكات وتوليد قيمة مشتركة". وخلص إلى أن مثل هذه المشاريع لا تُقام بأموال الحكومات وحدها، بل تتطلب حشد رؤوس الأموال الخاصة لتلبية الطلب العالمي المتنامي.
واتفقت المداخلات على أن الممر الأوسط يمتلك مقومات حقيقية للنجاح، لكن الانتقال من مجرد مسار عبور إلى قاطرة للتنمية يتطلب ثلاث ركائز أساسية: تكامل البنية التحتية بشقيها المادي والتنظيمي، وتوحيد الإجراءات لتقليل التكلفة والوقت. وتحفيز التجارة البينية والإنتاج المحلي لخلق حركة اقتصادية دائمة داخل المنطقة لا يرتبط فقط بحركة العبور بين آسيا وأوروبا، وشراكة فاعلة مع القطاع الخاص لضمان الكفاءة والاستدامة المالية، وملكية حقيقية للمشروع من جانب الدول المعنية.
وبات الممر الأوسط أمام مرحلة فارقة؛ إما أن يبقى خياراً طارئاً يُستخدم عند الحاجة، وإما أن يتحول إلى كيان اقتصادي قائماً بذاته، يعيد رسم خريطة التجارة والتنمية في منطقة تمتد من قلب آسيا إلى أوروبا. يُشار إلى أن الممر الأوسط يحمل اسماً رسمياً هو الممر الدولي للنقل عبر بحر قزوين (TITR / Trans-Caspian International Transport Route)، وهو مسار تجاري ونقل متعدد الوسائط يربط الصين وآسيا بأوروبا، ويقع جغرافياً بين الممر الشمالي عبر روسيا والممر الجنوبي عبر قناة السويس. وبرز الممر بقوة بعد تعطل الممرات التقليدية نتيجة الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وتوترات البحر الأحمر ومضيق هرمز، فأصبح خياراً أكثر مرونة لتنويع مسارات التجارة العالمية.
العربي الجديد
|