سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:30/06/2026 | SYR: 16:46 | 30/06/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 هل تملك السعودية الوقت الكافي لتفادي الهرم السكاني الحرج؟
30/06/2026      




سيرياستيبس 


يؤكد المفكر السياسي السعودي عبدالرحمن الراشد ضرورة تبني قراءة مستقلة للتحولات الديموغرافية في السعودية، بعيداً من "أزمة الصدى" التي تتبنى فيها المجتمعات المحلية مخاوف الغرب أو الصين حول تناقص المواليد دون مراعاة لواقعها الخاص.
ويرى أن "الأهم تطوير الفرد وتحسين بيئته التعليمية والصحية والمعيشية وليس التحول إلى هند أو مصر أخرى"، مضيفاً أن "لكل مجتمع حقائق وواقع يتطلب فهمها بصورة مستقلة، فالمملكة بلد صحراوي نادر المياه، وعلينا أن نتذكر دائماً أن النفط سلعة زائلة".

في وقت تنشغل دول كبرى بالبحث عن حلول لأزمة الشيخوخة وتراجع المواليد، تبدو السعودية في موقع أكثر اطمئناناً من كثير من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.

لكن قراءة متأنية للأرقام الرسمية تكشف عن أن السعودية تعيش بالفعل مرحلة تحول ديموغرافي عميقة، قد تجعل الأعوام المقبلة حاسمة في تحديد صورة المجتمع السعودي لعقود طويلة.

فوفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية شهدت البلاد خلال العقود الأربعة الماضية انخفاضاً متسارعاً في معدلات الخصوبة.

 فبعدما كانت المرأة السعودية تُنجب أكثر من سبعة أطفال في المتوسط خلال ثمانينيات القرن الماضي، تراجع المعدل تدريجاً ليصل اليوم إلى 2.7 مولود لكل ألف امرأة، وهو مستوى لا يزال أعلى من حد الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل، لكنه يعكس في الوقت نفسه تحولاً اجتماعياً واقتصادياً واسع النطاق لم تعرفه السعودية من قبل بهذه السرعة.

وبناءً على تقرير التقديرات السكانية الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، الذي اطلعت "اندبندنت عربية" على تفاصيله، فإن "معدل الخصوبة للسكان السعوديين سجل معدل 2.7 مولود لكل 1000 امرأة. وسجلت البيانات ارتفاعاً في متوسط العمر عند الميلاد للسكان السعوديين ليصل إلى 78.0 سنة".

لكن تقريراً أقدم للهيئة، وثَّق رحلة تقديرية لمعدل المواليد بحسب أعمار الأمهات بين عامي 2011 و2022، كشف عن أن التراجع كان مطرداً، فعدد المواليد الذي بلغ أول العقد الماضي نحو 426 ألفاً، شهد ارتفاعاً مستمراً حتى بلغ أكثر من 465 ألف مولود، ثم شهد تراجعاً متفاوتاً حتى انتهى عام 2022 إلى رقم لافت هو 417 ألفاً، دون المستوى الذي كان عليه قبل 10 أعوام!

وذلك على عكس ما كان شائعاً في نمو المواليد في السابق، بأن تزيد الأعداد كل عام عما قبله.

معنى تراجع المواليد

وفي قراءة لتداعيات هذه الأرقام والأسباب التي تقف خلفها، تفيد المتخصصة النفسية فائزة عبدالله الجبلي من واقع الحالات التي رصدتها داخل عيادتها النفسية والتقارير المتخصصة بأن تراجع معدلات الخصوبة لم يعد ظاهرة محلية أو مرتبطة بمجتمع بعينه، بل "أصبح اتجاهاً عالمياً واضحاً"، مشيرة إلى أن الإحصاءات الدولية تظهر انخفاضاً ملحوظاً في أعداد المواليد مقارنة بالعقود الماضية.

وتقول إن "نسبة المواليد عالمياً تراجعت بصورة ملموسة، ووصلت تقريباً إلى نصف ما كانت عليه في فترات سابقة، وهو مؤشر يستحق التوقف عنده إذا استمر بالاتجاه نفسه".

وتعيد الجبلي ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمها ارتفاع كلف الزواج وانشغال كثير من الفتيات بالدراسات العليا وبناء المسار المهني وتحقيق الاستقرار المالي قبل التفكير في تكوين الأسرة، إضافة إلى الارتفاع المستمر في كلف المعيشة. وتوضح أن الأسر باتت حريصة على توفير مستويات مرتفعة من الرفاهية لأبنائها، ما يجعل فكرة إنجاب أكثر من طفل أو طفلين "عبئاً مرهقاً ذهنياً ونفسياً وجسدياً ومادياً" بالنسبة إلى كثير من الآباء والأمهات.

وتلفت الجبلي في حديث مع "اندبندنت عربية" إلى أن الضغوط الاقتصادية لا تنعكس فقط على قرار الإنجاب، بل تؤثر أيضاً في جودة الحياة الأسرية نفسها، موضحة أن انشغال الوالدين المستمر بتأمين متطلبات الحياة اليومية "يستنزف طاقتهما النفسية والفكرية والجسدية"، ما يؤدي أحياناً إلى اختلال توزيع المسؤوليات داخل المنزل وإلقاء عبء التربية على أحد الطرفين دون الآخر.

ظاهرة الحياة السطحية في الميديا

 وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً سلبياً غير مباشر في تعميق هذه الظاهرة، من خلال "التركيز المفرط على الماديات وتصوير الحياة بصورة سطحية"، إذ يطغى محتوى السفر والرفاهية والاستهلاك على قيمة الأسرة والاستقرار.

 وتضيف المتخصصة السعودية أن هذا الخطاب يؤثر تدريجاً في الشباب والفتيات، فيصبح الاهتمام موجهاً نحو المتعة الفردية وتحقيق الرغبات الشخصية، إلى درجة قد تصل إلى "تأجيل الاستقرار وبناء الأسرة إلى أجل غير معلوم". وتشير إلى أن الكم الكبير من القصص والاستشارات المتعلقة بالمشكلات الزوجية التي تطرح يومياً عبر المنصات الرقمية يولد لدى كثير من الشباب مخاوف من الفشل وعدم الاستقرار، وهو ما ينعكس في عزوف متزايد عن الزواج أو تأخير سنه.


هذا التحول لا يعد ظاهرة سعودية معزولة، بل جزءاً من موجة عالمية واسعة. فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، انخفضت معدلات الخصوبة في معظم دول العالم خلال العقود الأخيرة، إلا أن بعض الدول شهدت انهياراً ديموغرافياً حاداً. ففي كوريا الجنوبية، هبط معدل الخصوبة إلى أقل من طفل واحد للمرأة، بينما تراوح المعدلات في معظم الدول الأوروبية ما بين 1.3 و1.6 طفل فحسب، مما دفع الحكومات إلى إنفاق مليارات الدولارات على برامج تشجيع الإنجاب دون نجاح كبير.

أما خليجياً فتبدو الصورة أكثر إثارة للانتباه، إذ تشير بيانات البنك الدولي والأجهزة الإحصائية الخليجية إلى أن معدلات الخصوبة في الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت انخفضت إلى مستويات تدور حول 1.2 إلى 1.5 طفل للمرأة، وهي أرقام أدنى بكثير من المستوى المطلوب للحفاظ على التوازن السكاني. وفي هذا السياق، تبدو السعودية آخر الاقتصادات الخليجية الكبرى التي لا تزال تحافظ على هامش ديموغرافي مريح نسبياً.

النظريات العلمية تتهم "الرفاهية"

لكن الأكاديمي السعودي المتخصص في الدراسات السكانية رشود الخريف نظر إلى المعدلات الجديدة على أنها طبيعية، طبقاً لنشأة المجتمعات في التاريخ الحديث، "فكلما زادت المدنية ومتطلبات الحياة ورفاهيتها، نمت معها رغبات الناس، وقلَّ الاستعداد للتضحية في سبيل تحمل الأعباء التي تفرضها"، وفقاً لتصريحاته إلى "اندبندنت عربية". وضرب مثلاً بحياة الأسرة الريفية التي يكون فيها المولود عنصراً مساعداً في تحمل أعباء أسرته في الحقل والزراعة وإصلاح شأن الماشية، بينما في الحياة المدنية، مثل ذلك الطفل في العاشرة من عمره، يكلف أسرته مجهوداً ذهنياً ونفسياً ومادياً، من أجل تربيته وتحقيق تطلعاته، التي هي طموح والديه أيضاً.

ويشرح الخريف أصل الظاهرة في سياق بحث محكم نشرته دارة الملك عبدالعزيز، موضحاً أنه يعود إلى دراسة التغير الديموغرافي التي توصل إليها الباحثون في أوروبا وسموها بـ"نظرية التحول الديموغرافي"، إذ ظهرت فكرة النظرية كما يقول في البداية من خلال كتابات تامبسون 1929، وطورها من بعده نوتستي 1945 الذي استطاع أن يبرزها بوضوح ويحدد مراحل التغير الديموغرافي المعروفة. ومنذ ذلك الحين أطلق عليها "نظرية التحول الديموغرافي"، وكتب عنها كثر.

وتتلخص فكرتها في أن "التغير الاقتصادي والتغير الاجتماعي اللذين صاحبا الثورتين الزراعية والصناعية أديا إلى انخفاض معدلات الوفيات ثم المواليد، بالتالي انخفاض معدل النمو. بعبارة أخرى، يؤدي التطور الاقتصادي والتغير الاجتماعي وما ينتج منهما من تحسن في مستوى المعيشة وارتفاع في دخل الفرد، إلى انخفاض الوفيات أولاً ثم الخصوبة لاحقاً بالتالي يقل معدل النمو السكاني، فالخصوبة تتأثر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وما يتبعها من تغيرات في العادات والتقاليد والقيم المجتمعية، من خلال العوامل الوسيطة التي تؤثر مباشرة في الخصوبة".

ويرى باحثون في علم السكان أن المؤشر الأهم ليس معدل الخصوبة وحده، بل ارتفاع متوسط سن الزواج الأول. فوفقاً لدراسات صادرة عن جامعة الملك سعود وعدد من المراكز البحثية السعودية، ارتفع متوسط عمر الزواج لدى السعوديين والسعوديات بصورة ملحوظة مقارنة بما كان عليه قبل عقدين. ففي مطلع الألفية الجديدة كان الزواج المبكر أكثر شيوعاً، بينما أصبح الشباب اليوم يؤخرون تأسيس الأسرة بسبب الدراسة ومتطلبات سوق العمل وارتفاع كلف السكن والمعيشة، وهو نمط يتشابه مع ما شهدته مجتمعات شرق آسيا وأوروبا قبل دخولها مرحلة التراجع الديموغرافي.

كما أن دخول المرأة السعودية إلى سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة يمثل أحد أهم التحولات الاجتماعية في السعودية الحديثة.
 

وبينما ينظر إلى هذا التطور باعتباره أحد إنجازات التحول الاقتصادي، يؤكد خبراء السكان أن نجاحه على المدى الطويل يتطلب توفير بيئة داعمة للأسرة، تشمل الحضانات وساعات العمل المرنة وخدمات الطفولة المبكرة، بما يتيح التوفيق بين المسار المهني والحياة الأسرية.

معدل النمو لا يزال إيجابياً

وتشير بيانات هيئة الإحصاء إلى أن السعوديين ما زالوا يتمتعون بقاعدة سكانية شابة مقارنة بمعظم الدول الصناعية، وأن معدل النمو السكاني لا يزال إيجاباً. إلا أن التجارب الدولية تظهر أن التحولات الديموغرافية غالباً ما تبدأ ببطء ثم تتسارع بصورة مفاجئة خلال فترة قصيرة نسبياً، كما حدث في كوريا الجنوبية واليابان وعدد من الدول الأوروبية.

ولهذا يشير الكاتب السعودي عبدالعزيز الخضيري في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إلى أن الأرقام أظهرت أن "عدد المواليد لكل ألف نسمة تراجع من 44 مولوداً عام 1980 إلى 16 مولوداً فقط عام 2023"، معتبراً أن ما يدعو إلى الانتباه ليس التراجع نفسه فحسب، بل سرعة حدوثه. وأوضح أن "دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية استغرقت نحو قرن للوصول إلى التحولات الديموغرافية، التي شهدتها السعودية خلال نحو 40 عاماً فقط".

وكان الخضيري ناقش في مقالة أخيراً، تحديات تراجع المواليد في السعودية، محذراً فيها من "خطورة اختزال التنمية في مؤشرات اقتصادية ضيقة. فالتنمية الحقيقية لا تعني رفع الناتج المحلي ونسب التوظيف فحسب، بل تعني قبل ذلك بناء مجتمع قادر على إنجاب أجيال جديدة وتربيتها تربية صحية"، وسط تفاعل واسع بين الكتاب والمفكرين، في شأن قراءة دلالات الأرقام الإحصائية الرسمية، التي أثارت النقاش.

في هذا السياق يؤكد المفكر السياسي السعودي عبدالرحمن الراشد ضرورة تبني قراءة مستقلة للتحولات الديموغرافية في السعودية، بعيداً من "أزمة الصدى" التي تتبنى فيها المجتمعات المحلية مخاوف الغرب أو الصين حول تناقص المواليد دون مراعاة لواقعها الخاص. وفي هذا الصدد، يوضح الراشد قائلاً "لست مع الآراء التي تتحدث عن خطر الانقراض، لكن أتفق معهم في أهمية فهم إحصاءات التبدلات السكانية التي لا تكتفي بحساب المواليد والأعمار".

"النوع أهم من الكم"

وشدد في سلسلة تدوينات كتبها على منصة "اكس" على أن "النوعية أهم من الكمية في زمن التقنية التي ستغير حياة المملكة والعالم"، إذ ستنتهي أدوار قطاعات كثيرة كالبناء مع تطور تقنيات الإنشاء، مما يجعل "الأهم تطوير الفرد وتحسين بيئته التعليمية والصحية والمعيشية وليس التحول إلى هند أو مصر أخرى"، وذلك لأنه يرى أن "لكل مجتمع حقائق وواقع يتطلب فهمها بصورة مستقلة، فالمملكة بلد صحراوي نادر المياه، وعلينا أن نتذكر دائماً أن النفط سلعة زائلة".

في سياق الحلول الممكنة للحد من هذا التراجع، تشير المتخصصة الجبلي إلى أن جهوداً وطنية لا تزال تحاول مقاومة اتجاهات المؤشر السلبية "من خلال دعم المبادرات والجمعيات الهادفة إلى تشجيع الزواج وتخفيف أعبائه، وتوسيع خدمات الحضانات في جهات العمل الكبرى لمساعدة المرأة على التوفيق بين الأسرة والعمل، إضافة إلى توفير المراكز النفسية والإرشادية المتخصصة بحل الخلافات الأسرية والزوجية".

لكنها ترى أن نجاح هذه الجهود يتطلب مشاركة مجتمعية أوسع، قائلة إن "ما نحتاج إليه اليوم هو التكاتف لرفع قيمة الأسرة بوصفها اللبنة الأساس في المجتمع". وتشدد على أهمية البرامج التوعوية التي تساعد الشباب على بناء تصورات واقعية عن الحياة الزوجية واختيار شريك الحياة على أسس من الوعي والاتزان والمسؤولية، بعيداً من الصور النمطية التي تختزل الرجل في قدرته المالية أو مظهره الخارجي، والمرأة في الشكل والمتعة فحسب.

وتضيف أن التجربة الحياتية تثبت أن "الرجل عند أول أزمة يبحث عن امرأة عاقلة تدير بيتها بحكمة، والمرأة تتمنى رجلاً مسؤولاً يقود أسرته بوعي"، معتبرة أن إعادة الاعتبار لهذه القيم تمثل أحد المفاتيح الأساس لتعزيز الاستقرار الأسري ودعم النمو السكاني على المدى الطويل.

لذلك، لا ينظر المتخصصون إلى القضية بوصفها أزمة حالية، بل باعتبارها نافذة فرصة. فالسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت السعودية تواجه مشكلة ديموغرافية، بل ما إذا كانت ستنجح في الحفاظ على توازنها السكاني قبل أن تصل إلى المرحلة التي اضطرت فيها دول أخرى إلى محاولة علاج المشكلة بعد وقوعها.

وفي هذا الصدد، تبدو سياسات الإسكان ودعم الشباب وتمكين الأسرة والاستثمار في الطفولة المبكرة، وفق تقديرات الباحثين، عوامل لا تقل أهمية عن الاستثمارات الاقتصادية الكبرى، لأنها في النهاية تتعلق بأصل الثروة الوطنية التي كثيراً ما استثمرت فيها البلاد عبر العقود، وهي "الإنسان".

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس