سيرياستيبس :
برنامج الافصاح يشكل خطوة إيجابية، لكن المعيار الحقيقي سيكون في آليات التنفيذ والضمانات المقدمة للمفصحين وقدرة الدولة على تحويل الإفصاح من أداة ضغط إلى مسار تسوية قانوني يعزز الثقة ويخدم الاقتصاد الوطني.
في خطوة لاستعادة الأموال العامة المنهوبة وتعزيز مكافحة الفساد، أعلنت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا إطلاق برنامج الإفصاح الطوعي عن الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، مؤكدة أن هذه الخطوة تجسد التزامها توصيات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتنسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.
ويأتي هذا البرنامج في سياق تطبيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ويشكل فرصة استثنائية تتيحها الدولة للأفراد الراغبين في إزالة آثار وتبعات الكسب غير المشروع القانونية، ويهدف إلى إعادة دمج الكفاءات التجارية والصناعية في مسارات الكسب المشروع والنشاط الاقتصادي المنظم.
وضماناً لسرية عملية الإفصاح وسلامتها، جرى تخصيص موقع رسمي على الإنترنت أطلق أخيراً لاستقبال طلبات من يودون الإفصاح، ويتيح الموقع الإلكتروني آلية دخول سرية وآمنة تمكن أي شخص من إجراء عملية الإفصاح تمهيداً للسير بإجراءات التسوية وفق الأطر القانونية المعتمدة، وبما يقطع الطريق على السماسرة ومحاولات بعضهم ابتزاز من يودون القيام بعملية الإفصاح بصورة قانونية.
وكانت لجنة الكسب غير المشروع في سوريا حذرت المواطنين من التعامل مع أي وسطاء يدعون نفوذاً أو قدرة على التأثير في عمليات التسوية، مؤكدة أن عملية الإفصاح الطوعي تشكل مسؤولية قانونية وفرصة استثنائية، ورأت أن عودة الأموال المنهوبة وغير المشروعة تعد بمثابة آلية "صفح".
وتهدف اللجنة من خلال هذه المبادرة إلى تشجيع الإفصاح التلقائي كخطوة أولى نحو "التسوية" القانونية، بما قد يسهم في تعزيز بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات عبر توضيح القواعد والإطار القانوني المتعلق بثروات الأفراد ومصادر أموالهم.
ومن المتوقّع أن تصدر اللجنة لاحقاً تفاصيل الإجراءات القانونية والمالية التي ستلي عملية الإفصاح الطوعي، وآليات تقييم قيمة الكسب غير المشروع وحساب مستحقات الدولة ضمن إطار التسوية، والضمانات المقدمة إلى المفصحين الذين يلتزمون الشروط.
إعادة ملكية البوابة الذهبية للمحروقات
وتشير المعلومات إلى أن هناك عمليات إفصاح يجري التحضير لها مع عدد من رجال الأعمال والمسؤولين السابقين، بمن فيهم وزراء من العهد البائد عملوا خلال فترة الحرب، تقدر بمئات ملايين الدولارات.
وبحسب مصادر خاصة، فإن بعض الإفصاحات المتوقعة يمكن أن تعيد أموالاً للدولة تصل إلى ما بين 500 و800 مليون دولار، في إشارة إلى حجم الأموال التي كان يكسبها بعضهم نتيجة استئثارهم بأعمال اقتصادية، بعضها قام على مبدأ الاحتكار وبدعم مباشر من السلطة وأحياناً بمشاركتها، علماً أن كل التسويات ستتم بسرية تامة وضمن ضوابط محددة وواضحة، واستناداً إلى مبدأ استعادة المال العام.
وبينما يستعد رجال أعمال كبار لإجراء تسوية، كشف الإثنين الماضي عن تسوية مع شركة "البوابة الذهبية" للمحروقات المملوكة لمجموعة "قاطرجي" التي اشتهرت بنشاطاتها في مجال تجارة النفط خلال أعوام الحرب، إذ تقررت إعادة ملكيتها للدولة.
وعُد الأمر مرحلة جديدة في إدارة الأصول الوطنية وتعزيز مبادئ الحوكمة والعدالة، وتضمنت التسوية التزام الشركة إعادة الحقوق لأصحابها، إذ إن كثيراً من التجار والصناعيين كانوا دفعوا أموالاً للحصول على المشتقات النفطية، لكن سقوط النظام حال دون إتمام الأمر.
وستستأنف شركة "البوابة الذهبية" تقديم الخدمات النفطية للفعاليات الاقتصادية والصناعية في البلاد بعد إعادة ملكيتها وإدارتها للدولة، ويُذكر أن نفوذ الشركة توسع خلال الأعوام الأخيرة من حكم النظام السابق، وفي أغسطس (آب) 2024 أصدر النظام البائد قراراً قضى بتوسيع نشاطات الشركة المملوكة لمجموعة "قاطرجي"، في خطوة اعتبرت حينها تمهيداً لاستكمال شراكة بين المجموعة والسلطة بهدف الاستحواذ على جزء واسع من تجارة المحروقات في البلاد.
اتفاق تسوية بين حمشو والحكومة السورية
في غضون ذلك، أعلن رجل الأعمال السوري محمد حمشو توقيع ما وصفه بـ"اتفاق شامل" مع الحكومة السورية الجديدة، من دون الكشف عن تفاصيل الاتفاق أو طبيعته أو الجهات الرسمية التي وقع معها.
وقال حمشو، المعروف بصلاته بنظام الأسد المخلوع، في بيان نشره على حسابه الرسمي على منصة "فيسبوك" إن الاتفاق جرى توقيعه وفق الأطر القانونية والرسمية المعتمدة، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي في إطار "تنظيم وتثبيت الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة"، من دون الدخول في أية سجالات أو نقاشات تتعلق بالمراحل السابقة.
وأضاف في بيانه أن "سوريا "تتجه اليوم نحو مرحلة جديدة عنوانها الأمل وبناء المستقبل"، مشدداً على أهمية التعاون الإيجابي مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية والقطاع الخاص بما يخدم مصلحة الوطن والناس.
وعلقت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع على الاتفاق مع حمشو، مؤكدة أن التسوية جرت في إطار برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته اللجنة حديثاً، بهدف تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم الحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق.
تراكمات اقتصادية نشأت خلال أعوام الحرب
ورأى متخضصون سوريون أن برنامج الإفصاح الطوعي عن الأموال غير المشروعة يعد، من حيث المبدأ، أداة معروفة دولياً لاستعادة الأموال العامة ودمج النشاط الاقتصادي غير النظامي ضمن الإطار القانوني، ويتقاطع مع توصيات الأمم المتحدة في مجال مكافحة الفساد.
إلا أن نجاح أي برنامج من هذا النوع يبقى مرهوناً بوضوح الإطار القانوني الناظم له وتقديم ضمانات صريحة بعدم استخدام الإفصاح كوسيلة لاحقة للملاحقة أو الابتزاز، إضافة إلى تطبيقه بعدالة وشفافية من دون انتقائية.
وأوضح المحامي السوري المتخصص في القانون التجاري الدولي والمحلي بسام صباغ لـ"اندبندنت عربية" أن فكرة الإفصاح الطوعي عن الأموال غير المشروعة تعد أداة براغماتية لاستعادة أموال يصعب تحصيلها قضائياً، وقد تشجع أصحاب الأموال "الرمادية" على العودة للاقتصاد النظامي، وتستخدم غالباً عندما تكون الدولة بحاجة إلى سيولة وتهدئة اقتصادية.
وأكد في هذا السياق أن برنامج الإفصاح يشكل خطوة إيجابية، لكن المعيار الحقيقي سيكون في آليات التنفيذ والضمانات المقدمة إلى المفصحين وقدرة الدولة على تحويل الإفصاح من أداة ضغط إلى مسار تسوية قانوني يعزز الثقة ويخدم الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن إطلاق مثل هذا البرنامج في سوريا يعكس توجهاً رسمياً لمعالجة تراكمات اقتصادية ومالية نشأت خلال أعوام الحرب والعقوبات، إذ اختلط الكسب المشروع بغير المشروع وتعذر في كثير من الحالات الفصل بينهما.
وشدد صباغ على ضرورة إحاطة تطبيق البرنامج بقدر كبير من الثقة، وتلافي علامات الاستفهام التي ظهرت، ولا سيما ما يتعلق بالإطار القانوني لآلية الإفصاح، خصوصاً مع الحديث عن آلية صفح وإزالة تبعات وتسوية، من دون توضيح ما إذا كان هناك قانون نافذ أو مجرد برنامج إداري، وما إذا كان الصفح يشمل الجرائم الجزائية والجرائم الاقتصادية وغسل الأموال، أو يشمل شركاء الكسب غير المشروع، لافتاً إلى أن أي غموض سيؤدي إلى أخطار قانونية جسيمة على المفصح.
وأضاف أن نجاح هذه الخطوة في السياق السوري يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً وضمانات حقيقية بعدم تحويل الإفصاح إلى أداة مساءلة انتقائية أو وسيلة ضغط لاحقة، بخاصة في ظل ضعف الثقة المتراكم بين الفاعلين الاقتصاديين والجهات الرسمية، فإذا ما حُسن تنظيم البرنامج وطبق بعدالة وشفافية، يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة إدماج رأس المال السوري في الاقتصاد النظامي وتنشيط الاستثمار، أما في غياب ذلك فسيبقى الإعلان خطوة سياسية أكثر منها معالجة اقتصادية مستدامة.
وختم بالقول إن برنامج الإفصاح الطوعي عن الأموال غير المشروعة يعد، من الناحية القانونية، أداة استثنائية تلجأ إليها الدول في مراحل ما بعد الأزمات، عندما يصبح المسار القضائي التقليدي غير كافٍ لاسترداد الأموال أو إعادة تنظيم الدورة الاقتصادية، مشدداً على أن الخصوصية السورية تفرض شروطاً أكثر صرامة، في مقدمتها تحديد نطاق الإفصاح بدقة وآثاره الجزائية والمالية لأن أي حديث عن العدالة الانتقالية والسلم الأهلي يفقد مضمونه ما لم يطبق البرنامج على أساس المساواة وتحت رقابة قانونية وقضائية حقيقية.
اندبندنت عربية




