سيرياستيبس :
هناء غانم
في إطار اللقاء الذي نظمه مركز جسور للدراسات مؤخراً في دمشق تحت عنوان “الاقتصاد السوري بين الفرص والتحديات”، والذي شارك فيه نخبة من المعنيين في الشأن الاقتصادي ومختصين في الاقتصاد والتنمية والإدارة والحوكمة
حيث تطرق المشاركون إلى التحديات الكبرى التي يواجهها الاقتصاد السوري، واستعرضوا الفرص المتاحة التي يمكن أن تسهم في عملية التعافي والنهوض. مؤكدين أن هذا اللقاء يعد فرصة حيوية للغوص في واقع الاقتصاد السوري ، فضلاً عن طرح الحلول المستقبلية التي قد تسهم في استعادة الزخم التنموي.
توصيف الواقع الاقتصادي السوري: بين العجز والتعافي
قدم البعض توصيف عميق للوضع الاقتصادي الراهن في سوريا، حيث لا يزال الاقتصاد يعاني من أزمات مزمنة ناجمة عن السياسات الفاشلة التي انتهجها النظام السابق. هذه السياسات تركت آثاراً مدمرة على البنية التحتية و القطاعات الإنتاجية، خاصةً في مجالات الصناعة التحويلية والقطاعات غير النفطية، إضافة إلى التشريعات المعيقة التي تواصل إحباط أي جهود إصلاح حقيقية.
من أبرز القضايا التي نوقشت كانت فشل السياسات الاقتصادية السابقة في تعزيز النمو المستدام أو توفير فرص العمل للشباب السوري. كما تم التأكيد على أزمة التمويل التي يعاني منها القطاع الخاص، وانهيار الثقة في النظام المصرفي السوري الذي عانى كثيراً من جراء العقوبات والحروب.
فرص الانتقال إلى مرحلة التعافي والازدهار
بالرغم من هذه التحديات الهائلة، أشار المشاركون إلى أن هناك فرصاً كبيرة يمكن أن تساعد سوريا على التعافي الاقتصادي بعد التحرر من النظام البائد. هذه الفرص تتراوح بين تحسين بيئة الاستثمار وإعادة بناء البنية التحتية و الاستفادة من الثروات الطبيعية التي تمتلكها البلاد، مثل الغاز الطبيعي و الطاقة الشمسية و الرياح، التي يمكن أن تُسهم في تحقيق استقرار اقتصادي على المدى الطويل.
الفرص الاقتصادية المستقبلية في سوريا
على الرغم من التحديات التي تم استعراضها، تم التأكيد على أن فرصًاً كبيرة لا تزال قائمة في العديد من القطاعات. هذا ما أكد عليه الخبير الاقتصادي والسياسي باسل كويفي في حديثه لـ”الوطن” حيث أشار إلى أن التنوع الاقتصادي في سوريا يُعد من أبرز الفرص المتاحة لتحقيق التعافي والنمو في المستقبل. وأوضح أنه في حين أن بعض المناطق قد تركز على الزراعة (مثل المحاصيل الزراعية و المحميات) فإن مناطق أخرى يمكن أن تُعنى بالصناعة التحويلية أو الطاقة مثل الغاز الطبيعي، الذي يمثل مصدراً حيوياً للاقتصاد السوري.
كويفي أضاف: إن هناك أيضاً فرص في تطوير قطاع النقل البحري و تربية الأسماك، والتي يملك الساحل السوري إمكانات كبيرة في هذا المجال. هذه القطاعات، إذا ما تم تنظيمها بشكل مناسب، يمكن أن تسهم في تحسين الوضع الاقتصادي المحلي.
التحديات الاقتصادية التي تعيق التعافي
رغم الفرص المتاحة، لا يزال الوضع السياسي والأمني في سوريا يشكل التحدي الأكبر أمام إعادة بناء الاقتصاد. حيث يشير كويفي إلى أن الاستقرار الأمني والسياسي يجب أن يكون هو الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها أي استثمار اقتصادي. إن تأمين بيئة آمنة ومستقرة هو العامل الذي سيمكن سوريا من جذب الاستثمارات الخارجية والمحلية
إضافةً إلى ذلك، أشار المشاركون إلى أهمية إعادة تعريف هوية الاقتصاد السوري بعد سنوات من التأثيرات السلبية لنظام الأسد. وهو ما يفتح المجال للانتقال إلى اقتصاد أكثر مرونة و تنوعاً يعتمد على القطاعات الإنتاجية والخدمية بشكل أكبر، مع الاهتمام بتطوير القطاع الخاص وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني.
التوصيات لتحفيز النمو والتعافي الاقتصادي
من خلال النقاشات العميقة، خرج اللقاء بمجموعة من التوصيات المهمة التي يمكن أن تكون خريطة طريق للاقتصاد السوري نحو التعافي، أبرزها:
إكمال بناء الهوية الاقتصادية: دعا المشاركون إلى ضرورة إعادة بناء هوية الاقتصاد السوري، التي يجب أن تتبنى رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الحالية والفرص المستقبلية. هذه الهوية الاقتصادية يجب أن تتناغم مع سياسات حكومية شاملة، تحت إشراف رئاسة الحكومة لضمان التنسيق بين الوزارات.
دور هيئة تخطيط الدولة: أهمية تفعيل هيئة تخطيط الدولة لتأخذ دوراً أكبر في رسم السياسات التنموية. فوجود خطة استراتيجية واضحة يساعد في تعزيز الاستثمار وتوجيه الموارد لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
استثمار الاستقرار الأمني: يجب على الحكومة الاستفادة من الاستقرار الأمني لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد، حيث يمكن تحسين بيئة الاستثمار بشكل ملحوظ، وزيادة الثقة بين المستثمرين المحليين والدوليين.
دعم القطاع الصناعي
من أهم النقاط التي أثيرت في اللقاء كانت الحاجة إلى دعم المنشآت الصناعية الإنتاجية، خاصة تلك التي تعتمد على الطاقة، وعلى رأسها الغاز الطبيعي الذي يمثل أحد الموارد الطبيعية الأساسية. توفير الطاقة بشكل مستدام يمثل خطوة أساسية لعودة القطاع الصناعي إلى الحياة.
اللامركزية الإدارية
دعم قوانين اللامركزية الإدارية يعتبر عاملاً مهماً لتشجيع الاقتصاد الحر وتعزيز المنافسة. من خلال توزيع السلطات على المستويات المحلية، يمكن تحسين الفرص الاقتصادية في جميع المناطق، خاصة الريفية منها.
تعافي القطاع المصرفي: التوصية الأخرى كانت تسريع تعافي القطاع المصرفي وتوفير التمويل اللازم لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل الشريحة الأكبر من الاقتصاد السوري.
التشريعات الاقتصادية
ضرورة إقرار تشريعات وقوانين جديدة تدعم الإنتاج المحلي وتجذب الاستثمارات الأجنبية، مع حماية الصناعات الوطنية من الإغراق.
التدريب المهني
الاهتمام بـبرامج التدريب المهني وإعادة تأهيل القوى العاملة السورية، التي ستسهم بشكل كبير في تحسين الكفاءة الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة.
دور الحكومة والمختصين في تحقيق النمو
في ختام اللقاء، تم التأكيد على ضرورة تكرار اللقاءات بين المختصين والخبراء الاقتصاديين بشكل دوري. هذا التعاون بين المجتمع الأكاديمي و الممارسين في المجال الاقتصادي سيسهم في تطوير سياسات جديدة قائمة على التحليل العميق و الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
“الاقتصاد السوري يحتاج إلى نقلة نوعية مبنية على إصلاحات جذرية في السياسة والاقتصاد. الحكومة السورية يجب أن تكون مستعدة للتفاعل مع هذه التحديات والفرص من خلال تبني سياسات مبتكرة وجريئة”، هذا ما أكده المشاركون في اللقاء، الذين دعوا إلى تنفيذ التوصيات بأسرع وقت ممكن لضمان النجاح في تحقيق التعافي الاقتصادي المستدام.
ومن الجدير ذكره أن هذا اللقاء حول الاقتصاد السوري هو بمثابة خريطة طريق نحو التعافي والنهوض. إذا تم تنفيذ التوصيات بدقة وعناية، فإن سوريا ستتمكن من تجاوز أزمتها الاقتصادية وتحقيق نمو اقتصادي مستدام في المستقبل القريب، 2026.
هناء غانم



