سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:30/08/2026 | SYR: 19:11 | 30/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 الصادرات السورية تختنق على الحدود.. وتأشيرات السعودية متنفس
30/08/2026      






سيرياستيبس 


كان المزارع ناصر الجاسم "أبو أحمد" يترقب وصول شاحنته المحملة بالدراق والمشمش إلى الأسواق الخليجية قبل أن تفسد الثمار التي أمضى
 أشهراً في رعايتها، لكن البراد الذي غادر ريف دمشق متجهاً نحو معبر نصيب الحدودي بقي متوقفاً لأيام بانتظار استكمال إجراءات العبور، فيما كانت درجات الحرارة المرتفعة تنال تدريجياً من جودة الحمولة.

يقول أبو أحمد  إن جزءاً من محصوله لم يعد صالحاً للبيع بالسعر المتفق عليه بعد تأخر الشاحنة عدة أيام على الحدود، مضيفاً أن الخسائر لا تقتصر على تلف البضاعة، بل تشمل أيضاً تكاليف النقل والتبريد وأجور العمال. ويشير إلى أن المزارعين باتوا يدفعون ثمن التعقيدات التي تواجه حركة التصدير، رغم اعتمادهم على الأسواق الخارجية لتصريف جزء مهم من إنتاجهم.

ولا تبدو معاناة الخمسيني حالة استثنائية، إذ يشكو عشرات المزارعين والمصدرين السوريين من تداعيات التأخير المتكرر للشاحنات المحملة بالخضار والفواكه عند معبر نصيب، المنفذ البري الرئيسي للصادرات السورية المتجهة نحو الأردن ودول الخليج.

وفي هذا السياق، يمثل بدء المملكة العربية السعودية بمنح تأشيرات للسائقين السوريين للشاحنات المحملة بالبضائع العابرة "ترانزيت" عبر الأراضي الأردنية، وإصدار التأشيرات عبر مركز "تأشير" في سوريا، تطوراً مهماً لقطاع النقل والصادرات السورية، إذ يفتح المجال أمام عودة الشاحنات السورية إلى العمل المباشر على خط السعودية والوصول إلى أسواق المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

أزمة التأشيرات والمناقلة

قال رئيس لجنة النقل والشحن والترانزيت في غرفة تجارة دمشق محمد رياض الصيرفي لـ"المدن" إن منح التأشيرات للسائقين السوريين يمثل خطوة مهمة لإعادة الأسطول السوري إلى خطوط النقل الخارجية، بعد سنوات من تعطل جزء كبير من هذا النشاط.

وأوضح الصيرفي أن حركة الشحن بين سوريا ولبنان تسير بشكل طبيعي ولا تواجه عراقيل مباشرة، فيما يتمثل التحدي الحقيقي في عدم منح سائقي الشاحنات السورية تأشيرات دخول إلى عدد من الدول، وفي مقدمتها دول الخليج وتركيا، ما حال دون عودة الشاحنات السورية إلى العمل المباشر على هذه الخطوط.

وأضاف أن هذا الواقع فرض الاعتماد على نظام "المناقلة" عند المعابر الحدودية، حيث تُنقل البضائع من شاحنات أجنبية إلى شاحنات سورية أو العكس. ورغم أن المناقلة توفر فرص عمل للسائقين السوريين بعد سنوات من الركود، فإنها في المقابل تزيد كلفة النقل وتؤخر وصول الشحنات، بما ينعكس على سلاسل الإمداد وحركة الصادرات.

وفي المقابل، تتمكن الشاحنات اللبنانية من متابعة رحلاتها إلى دول الخليج عبر سائقين حاصلين على التأشيرات والتصاريح المهنية اللازمة، ما يمنحها مرونة أكبر في حركة النقل ويجنبها جزءاً من التعقيدات التي تواجهها الشاحنات السورية.

ويقول المصدّر السوري فهد أبو وردة لـ"المدن" إن قطاع التصدير يواجه مشكلات متراكمة منذ سنوات، أدت إلى ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق الخارجية، مضيفاً أن المصدرين يحتاجون إلى تسهيل حركة النقل وفتح خطوط التصدير ومعالجة العقبات التي تواجه الشاحنات السورية.

ويوضح أبو وردة أن بعض الأسواق الخليجية شهدت قيوداً على منح التأشيرات للسائقين السوريين، ما زاد من صعوبة عمليات النقل والتصدير. ويشير إلى أن حجم عمل شركته تراجع بشكل ملحوظ، إذ كانت تصدر نحو 160 براداً يومياً في ذروة نشاطها، بينما انخفض العدد حالياً إلى نحو 40 براداً فقط، نتيجة التعقيدات اللوجستية وارتفاع التكاليف وطول فترات الانتظار على الحدود.

ويضيف أن الشاحنات تضطر أحياناً إلى الانتظار ثلاثة أو أربعة أيام على معبر نصيب قبل استكمال إجراءات العبور، ما يؤدي إلى تلف جزء من البضائع الزراعية سريعة العطب، ويكبّد المصدرين والمزارعين خسائر مالية متزايدة.

 

البرادات تدفع ثمن الانتظار

ويشير الصيرفي إلى أن البرادات السورية تصل إلى المعابر الحدودية وتبقى عدة أيام بانتظار من يتولى نقل حمولاتها إلى الخليج، وقد تمتد فترة الانتظار إلى أسبوع أو أكثر، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على المنتجات الزراعية السريعة التلف.

ويوضح أن الخضار والفواكه الموسمية لا تحتمل فترات الانتظار الطويلة حتى وإن كانت محفوظة داخل البرادات، لافتاً إلى أن فروقات درجات الحرارة وعمليات التفريغ وإعادة التحميل والتفتيش تؤدي إلى تراجع جودة المنتجات، ووصول بعضها إلى الأسواق الخارجية بحالة مختلفة عن تلك التي خرجت بها من مراكز التوضيب والتبريد داخل سوريا. كاشفاً بأن حركة التصدير الحالية تبلغ نحو 150 براداً يومياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 200–250 براداً خلال ذروة الموسم، ما يجعل تسهيل حركة النقل وتقليص فترات الانتظار مسألة أساسية بالنسبة للمصدرين والقطاع الزراعي.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المصدرين، بل تمتد إلى الفلاحين الذين يواجهون خطر تراكم الإنتاج في الأسواق المحلية وضعف القدرة على تصريفه، خصوصاً خلال مواسم الذروة التي تتطلب الوصول السريع إلى الأسواق الخارجية.

 

تكلفة إضافية على الصادرات

ولا تقتصر الأعباء على التأخير، إذ يلفت أبو وردة إلى أن الرسوم المفروضة على الشاحنات العابرة للأراضي الأردنية تشكل عبئاً إضافياً على القطاع، موضحاً أن الضريبة المفروضة على البراد الواحد تصل إلى نحو 3500 دينار أردني، أي ما يعادل قرابة 4900 دولار أميركي.

ويقدر المصدرون إجمالي ما يتحملونه من رسوم وضرائب مرتبطة بحركة الشاحنات العابرة سنوياً بنحو 1.6 مليون دينار أردني، أي ما يعادل نحو 2.26 مليون دولار أميركي، وهي مبالغ تنعكس بشكل مباشر على أسعار المنتجات وقدرة المصدرين على الاستمرار في العمل.

ويرى الصيرفي أن إعادة النقل المباشر بالشاحنات السورية من شأنها خفض تكاليف النقل واختصار زمن الرحلات وتحسين القدرة التنافسية للصادرات السورية، ولا سيما المنتجات الزراعية، التي تتأثر بشكل مباشر بأي تأخير على الطريق.

 

42 ألف شاحنة

ويقدّر الصيرفي عدد الشاحنات السورية بنحو 42 ألف شاحنة، معتبراً أن إعادة تشغيل الأسطول على خطوط النقل الخارجية ستنعكس على آلاف السائقين والشركات والخدمات المرتبطة بالنقل والتخليص والتخزين، فضلاً عن أثرها المباشر على حركة الصادرات.

لكنه يشير إلى أن عودة الشاحنات لا تتطلب فقط فتح الطرق ومنح التأشيرات، وإنما تحتاج أيضاً إلى تنظيم قطاع النقل وتحديث الأسطول، والانتقال تدريجياً من العمل الفردي إلى شركات نقل منظمة لديها سائقون معروفون، ومركبات مؤهلة، وأنظمة متابعة ورقابة، ومسؤولية واضحة عن الشحنات وحركة المركبات.

ويعتبر الصيرفي أن ضبط الحدود ومكافحة التهريب والفساد يمثلان جزءاً أساسياً من استدامة حركة النقل، مشيراً إلى الجهود التي تقوم بها الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في عمليات الرقابة والتفتيش وضبط الحدود، مع الحاجة إلى تطوير الإمكانيات التقنية المتاحة لرفع كفاءة هذه العمليات.

ويؤكد أن قطاع النقل يجب أن يكون شريكاً للجهات الأمنية والرقابية في منع أي محاولة لتهريب أو استغلال الشاحنات في مخالفات يمكن أن تضر بسمعة الناقل السوري وتهدد الثقة التي تسمح باستمرار حركة الشاحنات عبر الحدود.

ويقول إن أي تجاوز فردي يمكن أن ينعكس على القطاع بأكمله، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب التزاماً واضحاً بالأنظمة والقوانين في الدول التي تدخلها الشاحنات السورية، إلى جانب رفع مستوى المهنية والسلامة وتنظيم القطاع.

 

السعودية تفتح مساراً جديداً

ويرى الصيرفي أن بدء السعودية بمنح التأشيرات للسائقين السوريين يمثل خطوة أساسية باتجاه إعادة الشاحنة السورية إلى دورها الطبيعي في نقل البضائع بصورة مباشرة، وإنهاء جزء كبير من مشكلة المناقلة.

ومن شأن استمرار هذا المسار أن يخفض تكاليف النقل، ويسرّع وصول الصادرات، ويحافظ على جودة المنتجات الزراعية، ويعيد تشغيل جزء كبير من الأسطول السوري، فضلاً عن تنشيط القطاعات المرتبطة بالنقل والتخليص والتخزين.

لكن الاستفادة الكاملة من هذه الخطوة تبقى مرتبطة باستكمال معالجة ملف التأشيرات مع بقية الدول، وفي مقدمتها الدول التي تشكل خطوط عبور أو وجهات رئيسية للشاحنات السورية، إلى جانب تقليص فترات الانتظار على المعابر وتخفيف أعباء المناقلة والرسوم.

وبالنسبة للصادرات الزراعية، فإن عامل الوقت يبقى حاسماً. فكل يوم إضافي تقضيه البرادات على الحدود يعني كلفة أكبر واحتمالاً أعلى لتراجع جودة الحمولة، فيما تعني عودة النقل المباشر تقليص عدد عمليات التفريغ وإعادة التحميل واختصار زمن وصول المنتجات إلى الأسواق.

ومع ارتفاع حركة التصدير من نحو 150 براداً يومياً حالياً إلى مستويات قد تصل إلى 200–250 براداً في ذروة الموسم، تصبح قدرة المعابر وخطوط النقل على استيعاب هذه الحركة عاملاً حاسماً في تحديد قدرة المنتجات السورية على المنافسة في الأسواق الخليجية.

وبذلك، لا تقتصر أهمية منح التأشيرات للسائقين السوريين على إعادة تشغيل الشاحنات، وإنما تمتد إلى سلسلة التصدير بأكملها، من المزارع ومراكز التوضيب والتبريد، مروراً بالنقل والمعابر، وصولاً إلى الأسواق الخليجية.

المدن اللبنانية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق