سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:26/08/2026 | SYR: 13:09 | 26/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 رفع التصنيف.. ماذا يعني لسوريا؟ وهل يصل أثره إلى جيب المواطن؟
26/08/2026      



سيرياستيبس 
محمد راكان مصطفى

أوضح الخبير الاقتصادي والباحث الدكتور محمود عبد الكريم أن الولايات المتحدة أزالت سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب يوم أمس الإثنين، بعد تصنيف استمر نحو سبعة وأربعين عاماً منذ إدراجها أواخر عام 1979، وجاء القرار نافذاً بانقضاء مهلة المراجعة في الكونغرس البالغة خمسة وأربعين يوماً، كما شمل رفع تصنيف جبهة النصرة، لتبقى في تلك القائمة ثلاث دول فقط هي: إيران وكوبا وكوريا الشمالية.

ويرى عبد الكريم أن الأهمية الاقتصادية للقرار لا تأتي من رمزيته السياسية، بل من كونه مفتاحاً قانونياً يوقف عمل منظومة كاملة من القيود التي كانت تعمل تلقائياً بمجرد وجود التصنيف، فالتصنيف لم يكن عقوبة واحدة، بل محفزاً تشريعياً يفعّل حظر المساعدات الأميركية، ويفرض ضوابط تصدير صارمة تقوم على رفض طلبات التراخيص كقاعدة افتراضية لا كاستثناء، ويقيد ما يعرف بالائتمان الضريبي الأجنبي.

ويوضح أن الائتمان الضريبي الأجنبي آلية تسمح للشركة بخصم الضرائب التي دفعتها في الخارج من التزامها الضريبي في بلدها الأم، وحرمانها منه يعني ازدواجاً ضريبياً فعلياً يجعل أي مشروع غير مجدٍ قبل أن يبدأ.

لكن العنصر الأثقل تكلفة، حسب عبد الكريم، كان فقدان الحصانة السيادية أمام المحاكم الأميركية، إذ كان التصنيف يجعل أي أصل سوري يلامس النظام المالي الأميركي عرضة للحجز لصالح حاملي أحكام قضائية صدرت في حقبة النظام السابق، وهي مطالبات يتجاوز حجمها الناتج المحلي السنوي للبلاد.

ويشير إلى أن الأمر وصل إلى أن المصرف المركزي أعاد فتح حسابه لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في آذار الماضي، من دون أن يتمكن من تنفيذ معاملة تجارية واحدة عبره، لأنه لا معنى لحساب يمكن حجز رصيده في أي لحظة.

ومع ذلك، يلفت عبد الكريم إلى ضرورة أن يعرف المستثمرون أن الباب لم يُغلق فوراً، إذ يمنح القانون نافذة ستة أشهر لتقديم مطالبات جديدة عن أفعال وقعت خلال فترة التصنيف، تنتهي في شباط 2027، معتبراً أن هذه النافذة الانتقالية هي المتغير الحاسم في حركة الأصول خلال الأشهر المقبلة، وقبل انقضائها سيبقى سلوك المصارف العالمية الكبرى متحفظاً بطبيعته.

إزالة المخاطر تخفض تكلفة التعامل

أما آلية خفض التكلفة فتمر عبر ما يسميه المصرفيون “إزالة المخاطر”، وهي قرار البنوك العالمية قطع علاقاتها مع دولة أو فئة كاملة من المصارف، لا لأن التعامل محظور قانوناً، بل لأن تكلفة الامتثال وعدم اليقين تفوق العائد المتوقع.

ويوضح أن المصرف المراسل هو البنك الأجنبي الذي يحتفظ بحساب لمصرف محلي ويمكّنه من تنفيذ التحويلات والاعتمادات المستندية بالدولار، وهو الشريان الذي كانت سوريا محرومة منه.

وللدلالة على حجم الظاهرة عالمياً، تراجع عدد علاقات المراسلة النشطة في العالم بنحو 25 بالمئة منذ عام 2011، وهو اتجاه ما زال مستمراً حتى اليوم.

ويرى عبد الكريم أن رفع التصنيف ينقل سوريا من خانة الممنوع افتراضياً إلى خانة المسموح بشروط تدقيق مشددة، وهو فارق يترجم مباشرة إلى انخفاض في عمولات تأكيد الاعتمادات المستندية، وأقساط تأمين الائتمان التصديري، وما يسمى علاوة المخاطر القطرية.

ويشرح أن علاوة المخاطر القطرية هي النسبة الإضافية التي يضيفها المستثمر إلى معدل الخصم عند تقييم مشروع في بلد مرتفع المخاطر، وكل نقطة مئوية تحسم منها ترفع القيمة الحالية لأي مشروع بنية تحتية طويل الأجل بنسب مضاعفة.

البنية المالية بدأت قبل القرار

ويشير عبد الكريم إلى أن البنية التمكينية لهذا التحول اكتملت تدريجياً قبل القرار، إذ رُفعت العقوبات الشاملة منتصف عام 2025، وأزيلت جميع المؤسسات المالية السورية، بما فيها المصرف المركزي، من قوائم الحظر، وصدر إعفاء يسمح للمصارف الأميركية بفتح حسابات مراسلة للمصرف التجاري السوري.

ثم نُفذ أول تحويل عبر نظام “سويفت” في تشرين الثاني 2025 بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً ويوضح أن سويفت هو نظام مراسلة مالية آمنة بين البنوك وليس نظام دفع بحد ذاته، أي أنه ينقل التعليمات لا الأموال.

وجاء إلغاء قانون قيصر في كانون الأول 2025 ليزيل خطر العقوبات الثانوية عن الأطراف الأجنبية، مع تخفيف ضوابط التصدير بما يسمح بمرور معظم السلع المدنية العادية، فيما بقيت السلع ذات الطابع التقني الحساس بحاجة إلى تراخيص.

ويُنتظر أن يفتح رفع التصنيف الباب أمام تخفيف إضافي في هذه الضوابط، وأمام استعادة الأهلية للمساعدات الأميركية، وهي بوابة غير مباشرة نحو التمويل التنموي متعدد الأطراف.

أثر اقتصادي يبدأ من المال

ويخلص عبد الكريم إلى أن الأثر العام للقرار يتمثل في خفض التكلفة القانونية والتأمينية وإعادة فتح قنوات التمويل التجاري والاعتمادات والتحويلات، لكنه لا يخفض التكلفة التشغيلية بذاته.
وتحدد الأرقام حجم الفجوة التي ينبغي ملؤها، إذ انكمش الناتج المحلي الاسمي من نحو 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024، بتراجع حقيقي يقارب 53 بالمئة.
في المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً يتجاوز 10 بالمئة خلال 2026، مدفوعاً بتعافي الزراعة وارتفاع إنتاج النفط والغاز وتحسن الكهرباء وتوسع التجارة والخدمات وعودة اللاجئين.
لكن عبد الكريم يرى أن النمو من قاعدة منخفضة كهذه يمثل تعافياً حسابياً أكثر منه إعادة بناء، وأن تحويله إلى تعافٍ حقيقي هو ما يتوقف على القنوات التي فُتحت للتو.

العقوبات الفردية لا تعيق الثقة

وفيما يتعلق ببقاء العقوبات الموجهة على أفراد وشبكات محددة، يرى عبد الكريم أنها ليست عائقاً أمام الثقة، بل شرطاً لها.

فالإطار المتبقي يستهدف الفار بشار الأسد ومقربيه ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان ومهرّبي الكبتاغون والمرتبطين بأنشطة الانتشار السابقة وأفرع التنظيمات الإرهابية.
وقد جرى إدراج نحو 139 شخصاً ضمن هذا الإطار بالتزامن مع رفع العقوبات الشاملة.

ويعتبر عبد الكريم أن هذا التمييز بين الدولة والأفراد هو تحديداً ما تحتاجه إدارات الامتثال في المصارف العالمية، أي قائمة أسماء محددة يمكن فحصها آلياً، بدلاً من حظر قطري مبهم يشمل الجميع.

ويرى أن الفرصة أمام سوريا تتمثل في تحويل هذا التمييز إلى ميزة، عبر إثبات أنها تنفذه بنفسها ولا تنتظر فرضه عليها.

القائمة الرمادية.. العقبة المتبقية

ويعتبر عبد الكريم أن العقبة الفعلية اليوم لم تعد قانونية، بل مؤسسية، وعنوانها الأول القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي «FATF».
فسوريا ما زالت مدرجة ضمن الولايات القضائية الخاضعة للمراقبة المشددة، إلى جانب نحو عشرين دولة أخرى، منذ التزامها السياسي عام 2010، رغم أنها كانت قد استوفت خطة عملها فنياً عام 2014.

ويؤكد أن الإدراج الرمادي ليس عقوبة، لكنه إشارة مخاطر تدفع المصارف إلى تطبيق العناية الواجبة المعززة، أي فحص أعمق لهوية العميل ومصدر أمواله ومن هو المستفيد الحقيقي منها، وهو ما يرفع تكلفة كل معاملة ويطيل زمنها.

ويشير إلى أن الخروج من هذه القائمة، الذي يتطلب استكمال خطة العمل ثم زيارة ميدانية للتحقق، كما حصل مع الجزائر وناميبيا مؤخراً، هو الرافعة الوحيدة المتبقية التي تعادل في أثرها رفع التصنيف نفسه.

أربعة أعمدة لبناء الثقة

ويرى عبد الكريم أن مسار بناء الثقة يقوم عملياً على أربعة أعمدة، أولها إثبات جدية الحوكمة المالية عبر الامتثال ونشر البيانات، وقد بدأ ذلك بتكليف المصرف المركزي بخبرة دولياً لقيادة مراجعة إصلاحية شاملة تغطي استعادة العلاقات المراسلة والهيكل الرقابي والقدرة المؤسسية.

ويتمثل العمود الثاني في اختبار القنوات تدريجياً قبل الفتح الكامل، عبر المنصات العربية الإقليمية إلى جانب “سويفت”، لتجربة التحويلات بأمان قبل توسيعها.
أما العمود الثالث فيتعلق بتحصين المستثمر تعاقدياً عبر ضمانات المخاطر السياسية من المؤسسات الدولية والإسلامية المتخصصة، ومعاهدات حماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي وقبول التحكيم الدولي.

في حين يرتبط العمود الرابع بالمصداقية الاقتصادية الكلية، إذ إن عودة التضخم للارتفاع خلال 2026 بفعل أسعار الوقود والغذاء المستوردة وتحسن الطلب المحلي ورفع أجور القطاع العام تجعل استقرار سعر الصرف والانضباط المالي شرطاً مسبقاً لأي التزام استثماري طويل الأجل.

الطاقة والاتصالات في مقدمة القطاعات

ويرى عبد الكريم أن ترتيب القطاعات يجب أن يُبنى على قابلية المشروع للتمويل المصرفي، لا على حجم الحاجة إليه، أي على قدرته على توليد تدفق نقدي متعاقد عليه مسبقاً وبعملة صعبة وبتكلفة رأسمالية غارقة محدودة.

ووفق هذا المعيار تتصدر الطاقة والكهرباء القائمة، لأنها المدخل الملزم لكل نشاط آخر، خصوصاً بعد انهيار إنتاج النفط من نحو 385 ألف برميل يومياً عام 2010 إلى ما بين 35 و90 ألف برميل في السنوات الأخيرة، ولأن اتفاقيات شراء الطاقة توفر عقداً طويل الأجل قابلاً للتمويل، وقد دخلت شركات إقليمية كبرى على هذا الخط فعلاً في الطاقة والمياه.

ويأتي بعدها مباشرة قطاع الاتصالات والبنية الرقمية، وهو الأسرع في استرداد رأس المال والأقل تعرضاً للمخاطر المادية، حيث يجري تنفيذ مشروع للربط الرقمي باستثمار ما يقرب من مليار دولار، وشبكة ألياف ضوئية تتجاوز 4500 كيلومتر تربط سوريا إقليمياً ودولياً، وهو ما يحول الموقع الجغرافي من عبء إلى أصل يدر رسوم عبور بالعملة الصعبة.

ثم يأتي النقل واللوجستيات، حيث تشكل الموانئ والمطارات نقاط اختناق قابلة للتشغيل السريع عبر شراكات إدارة وتشغيل بدلاً من الملكية، كما في شركة الطيران المشتركة المزمع إطلاقها قبل نهاية العام وتطوير مطار حلب الدولي.

الإعمار الأكبر حجماً والأبطأ عائداً
وبعد ذلك يأتي الإسكان ومواد البناء، وهو القطاع الأكبر حجماً والأبطأ عائداً، إذ قُدرت أضرار المباني السكنية بنحو 75 مليار دولار وغير السكنية بنحو 59 ملياراً، مقابل 82 ملياراً للبنية التحتية، ضمن تكلفة إعمار إجمالية تبلغ 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي، مع نطاق تقديري يمتد بين 140 و345 مليار دولار، بعد تضرر ما يقرب من ثلث الرصيد الرأسمالي لما قبل الحرب.

ويوضح عبد الكريم أن الرصيد الرأسمالي هو مجموع الأصول المنتجة من مبانٍ وآلات وبنى تحتية، وتضرر ثلثه يعني أن الاقتصاد فقد ثلث طاقته على الإنتاج قبل أي اعتبار آخر.
وتبقى الزراعة والصناعات الغذائية الأعلى أثراً اجتماعياً والأسرع في التشغيل وتقليص فاتورة الاستيراد، تليها الخدمات المالية والتقنية المالية التي ستقود إعادة توطين تحويلات المغتربين في القنوات الرسمية، وهي سوق ضخمة بحكم وجود نحو 5.5 ملايين لاجئ في الخارج و6.8 ملايين نازح في الداخل.

المواطن هو الاختبار النهائي

ويختم عبد الكريم بالتشديد على نقطة لا ينبغي أن تغيب، وهي أن كل ما سبق يتحرك في بيئة اجتماعية هشة، إذ يعيش أكثر من 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، ويواجه نحو 12.9 مليون شخص انعداماً في الأمن الغذائي، ولا يتجاوز نصيب الفرد من الدخل 830 دولاراً سنوياً.

وبينما رأى ثلثا المستطلعين مطلع العام أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، لم يعتبر سوى 13 بالمئة بعد شهرين أن الحكومة تفعل ما يكفي حيال أسعار الغذاء والطاقة.

ويرى عبد الكريم أن رفع التصنيف أزال القيد القانوني، والاستثمار الأجنبي سيعالج القيد التمويلي، لكن القيد الحقيقي على استدامة التعافي يبقى قدرة الدولة على ترجمة هذه التدفقات إلى كهرباء وأجور وأسعار مستقرة، خلال مدى زمني يُقاس بالأشهر لا بالسنوات.

الوطن


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق