سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:19/07/2026 | SYR: 22:56 | 19/07/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 الحرب تطاول المياه والكهرباء في الخليج... المرافق الحيوية تتحوّل إلى أهداف عسكرية
19/07/2026      

سيرياستيبس

دخلت الحرب في الخليج مرحلة جديدة خلال الساعات الماضية، بعدما امتد الاستهداف إلى مرافق مدنية وبنى تحتية حيوية، من بينها منشأة رئيسية لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه في الكويت، في تطور يوسع نطاق التداعيات الاقتصادية من أسواق الطاقة والملاحة إلى أمن المياه وسلاسل الإمداد والاستثمار. ويتجاوز هذا الاستهداف حدود الأضرار المادية المباشرة، ليفرض مخاطر متزايدة على إمدادات مياه الشرب وسلاسل الغذاء في دول تعتمد بصورة كاملة على تحلية المياه. ووفق تقرير نشرته وكالة "أسوشييتد برس" في 17 يوليو/تموز الجاري، تسبب الهجوم على محطة توليد الطاقة وتقطير المياه في الكويت في أضرار واسعة، شملت عدداً من وحدات توليد الكهرباء.

وتعتمد الكويت كثيراً على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب، ما يجعل أي خلل في هذه المنشآت تهديداً مباشراً للأمن المائي في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً في العالم واعتماداً على التحلية. وتزامنت هذه التطورات مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ تراجعت حركة العبور اليومية بأكثر من 90%، الأمر الذي انعكس على أسعار الطاقة ورفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين. كما تفرض الأزمة ضغوطاً متزايدة على قطاع الشحن البحري، وتدفع العديد من الشركات إلى تجنب العبور عبر المضيق في ظل التهديدات الأمنية المتواصلة. وأعرب محللون عن قلقهم من أعباء مالية غير مسبوقة لتغطية مخاطر الحرب، مرجحين أن تطلب شركات التأمين أقساطاً إضافية تتراوح بين 6 و10 ملايين دولار لكل شحنة قبل عبور مضيق هرمز، بحسب تقرير نشرته منصة ستون إكس (StoneX) المتخصصة في أبحاث الأسواق المالية والخدمات الاستثمارية في 16 يوليو/تموز الجاري.

أما على صعيد الاستثمار، فإن تكرار استهداف البنى التحتية يقوض تدريجياً جاذبية المنطقة وجهةً آمنة للأعمال، ويؤثر في قطاعات العقارات والإنشاءات والشركات الناشئة. ورغم المرونة التي تتمتع بها الاقتصادات الخليجية بفضل الاحتياطيات المالية الضخمة والإنفاق الحكومي، فإنّ تصاعد المخاطر الجيوسياسية بدأ ينعكس على تدفقات التمويل الدولي ورؤوس الأموال المتجهة إلى المنطقة، وفق تقرير نشرته منصة سيمافور (Semafor) في 4 يونيو/حزيران الماضي، أشار إلى تنامي مخاوف المستثمرين من تحول هذه المخاطر إلى عامل دائم يؤثر في تقييمات الشركات. وفي حال استمرار التصعيد، تشير السيناريوهات الاقتصادية إلى ضغوط متزايدة على القطاعات غير النفطية، وفي مقدمتها السياحة والطيران، إضافة إلى إبطاء خطط التنويع الاقتصادي، بما قد ينعكس على الموازنات العامة والصناديق السيادية التي قد تضطر إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتها لمعالجة الأضرار المحلية، وفق تقدير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) في الأول من مايو/أيار الماضي.

مرونة خليجية في مواجهة التصعيد

يرى الخبير الاقتصادي وضاح طه أن الضربات الإيرانية على دول الخليج تمثل محاولة للضغط على الولايات المتحدة ودفعها إلى مراجعة عملياتها العسكرية، واصفاً هذه الهجمات بأنها تأتي في إطار تصعيد يهدف إلى توسيع دائرة الضغط السياسي والعسكري، وفق ما قاله لـ"العربي الجديد". ويضيف طه أن دول الخليج تبنت إجراءات دفاعية وعززت جاهزيتها الأمنية، كما نفذت ضربات مضادة، وهو ما حد من حجم الأضرار المتوقعة، وجعل فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية أكثر تعقيداً في ظل استمرار التصعيد. ورغم الرهان على إحداث اضطراب واسع في الأسواق المالية، يرى طه أن هذا السيناريو لم يتحقق، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع قدرة المستثمرين على استيعاب المخاطر الجيوسياسية، ما سمح للأسواق باستعادة جانب كبير من توازنها مقارنة بالموجة الأولى من الحرب.

ويشير أيضاً إلى أن البنوك الخليجية لم تشهد موجات سحب واسعة للودائع أو اضطرابات مالية كبيرة، لافتاً إلى أن مؤسسات تصنيف ائتماني دولية، من بينها "ستاندرد آند بورز"، أكدت استمرار متانة القطاع المصرفي الخليجي نتيجة الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومات والجهات الرقابية خلال السنوات الماضية. كما عزّزت البدائل اللوجستية قدرة الاقتصادات الخليجية على الحد من آثار تعطل الملاحة، إذ تعتمد الإمارات على خط أنابيب حبشان - الفجيرة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، فيما رفعت السعودية الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق - غرب إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، بما يسمح بتصدير النفط عبر موانئ ينبع على البحر الأحمر، وهو ما ساعد في تعويض جزء مهم من الصادرات المتأثرة.

ويؤكد طه أن قطر والإمارات والسعودية والكويت ما تزال تتمتع بقدرة مرتفعة على الصمود بفضل احتياطياتها المالية الكبيرة وتصنيفاتها الائتمانية المرتفعة، كما أن إغلاق المطارات لم يتكرر كما حدث في الموجة الأولى من الحرب. ويرى أن تراجع أعداد السياح، إذا حدث، قد يبقى محدوداً، بينما قد يخلق تصحيح أسعار العقارات فرصاً استثمارية جديدة. ويخلص إلى أن الرهان على إرباك اقتصادات الخليج لم يحقق أهدافه حتى الآن، في ظل نجاح دول المنطقة في توفير بدائل لنقل الطاقة والاستيراد والخدمات اللوجستية، وهو ما أسهم في الحد من الآثار الاقتصادية للتصعيد.

قفزة قياسية في التأمين البحري

في المقابل، يرى ماركوس بيكر، الرئيس العالمي لقطاع النقل البحري في شركة مارش (Marsh) الأميركية، إحدى أكبر شركات وساطة التأمين وإدارة المخاطر في العالم، أن أسواق التأمين البحري تمر بحالة غير مسبوقة من التقلب وعدم اليقين، انعكست مباشرة على قرارات ملاك السفن وشركات النقل. وأوضح، في تقييم نشرته منصة كليمز جورنال (Claims Journal) المتخصصة في شؤون التأمين في 10 يوليو/تموز الجاري، أن تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب أصبحت تتحرك بصورة متقلبة تبعاً للتطورات الأمنية، واصفاً هذه التقلبات بأنها "حركة أفعوانية" لن تنتهي ما لم يتحقق وقف إطلاق نار حقيقي ومستدام.

وأشار إلى أن أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز ارتفعت لتتراوح بين 2% و6% من قيمة هيكل السفينة، مقارنة بنسب محدودة للغاية قبل اندلاع الحرب، ما يعني أن ناقلة نفط تبلغ قيمتها 100 مليون دولار قد تتحمل ما يصل إلى ستة ملايين دولار كعلاوة تأمين إضافية لمجرد عبور المضيق. ويرى بيكر أن هذه التكاليف الباهظة، حتى مع حصول بعض الشركات على خصومات نتيجة عدم تقديم مطالبات سابقة، تفرض ضغوطاً مالية كبيرة على قطاع النقل البحري، وتدفع عدداً من ملاك السفن إلى تقليص رحلاتهم أو تأجيلها، وهو ما يهدد حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، ويجعل كلفة التأمين واللوجستيات أحد أبرز التداعيات الاقتصادية للحرب إلى حين استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.

العربي الجديد


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق