سيرياستيبس : على رغم الجدل الذي أثاره
التوجه لإصدار صكوك سيادية وظهور مخاوف من استخدامها لتغطية العجز والإنفاق
الجاري، فإن متابعين للشأن الاقتصادي السوري أكدوا أن إصدار الصكوك ليس
شيئاً سيئاً بالضرورة، بل وسيلة تلجأ إليها الحكومات لجمع التمويل، وتوجه
دمشق نحو هذا الخيار أمر ممتاز.
تستعد
الحكومة السورية لإطلاق أول صكوك سيادية "سندات خزانة وصكوك إسلامية"
محلياً، وأعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن موازنة عام 2026 تسجل عجزاً
بنحو 1.8 مليار دولار، مما يعادل خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح خلال كلمة له أن الحكومة ستعمل على تغطية العجز عبر إصدار سندات
خزانة وصكوك إسلامية محلياً، مع استبعاد التمويل النقدي وطباعة العملة
لتجنب التضخم، مشيراً إلى أن الموازنة تعتمد بنسبة 50 في المئة على الضرائب
والرسوم و28 في المئة على النفط والغاز.
وكشف عن أن العمل جارٍ حالياً لاستكمال
البنية التشريعية والتنظيمية والتقنية اللازمة لإطلاق الإصدار الأول من
الصكوك السيادية، قبل الإعلان عن قيمة الإصدار الأول، بما يضمن، بحسب قوله،
"نجاح أدوات التمويل الإسلامية وتحقيق أثر مستدام في السوق المحلية".
ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها
سوريا نيتها إصدار صكوك سيادية، وسبق أن أعلنت وزارة المالية في أغسطس
(آب)عام 2024، أي قبل سقوط النظام البائد بأشهر قليلة، أنها تعمل على إنجاز
تشريع خاص ينظم إصدار الصكوك الإسلامية، بما يتيح طرح نوع جديد من الأوراق
المالية الحكومية تحت اسم "الصكوك الإسلامية السيادية"، بهدف إتاحة
التمويل لإقامة مشاريع استثمارية تحقق عائدات للخزانة ولحملة الصكوك، فضلاً
عن قيام المؤسسات الخاصة بإصدار صكوك إسلامية لتمويل مشاريعها الإنتاجية
وتحقيق دخل مستدام منها.
وبدأت سوريا بإصدار أذونات وسندات الخزانة
رسمياً عام 2010 لتمويل عجز الموازنة، واكتتبت المصارف العامة والخاصة على
هذه الأوراق المالية الحكومية، إلا أن هذه الأذونات تحولت لاحقاً إلى
أدوات لتمويل عجز الموازنات.
سعر صرف الليرة على المحك
على رغم الجدل الذي أثاره التوجه لإصدار
صكوك سيادية وظهور مخاوف من استخدامها لتغطية العجز والإنفاق الجاري، فإن
متابعين للشأن الاقتصادي السوري أكدوا أن إصدار الصكوك ليس شيئاً سيئاً
بالضرورة، بل هو وسيلة تلجأ إليها الحكومات لجمع التمويل، وتوجه دمشق
نحو هذا الخيار أمر ممتاز، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن يكون التوجه أوسع
من السوق المحلية، والعمل على تأمين ضامن مستعد لتحمل الأخطار، كي تصبح
الصكوك السورية أداة قابلة للتداول في الأسواق المالية العالمية.
المحلل المالي السوري زياد حمد رأى خلال
حديث إلى "اندبندنت عربية" أن إصدار الصكوك أو السندات الحكومية قد يكون
مؤشراً على العجز المالي، لكن ذلك ليس شرطاً، فالسندات ومشتقاتها أداة من
أدوات السياسة المالية والنقدية لأية حكومة، والمهم في الحال السورية توظيف
هذه الأدوات لجمع الأموال اللازمة لإعادة الإعمار والإنفاق على البنية
التحتية وربما إقامة مشاريع مدرة للربح بصورة مستدامة.
وأكد أهمية أن يكون الإطار التشريعي الذي
يُصمم حالياً، وقد لا يطول الإعلان عنه، لطرح صكوك قابلة للتداول في أسواق
المال العالمية، بالتالي فإن المستثمرين المستهدفين ليسوا من الداخل فقط،
بل يمكن أن نشهد دخول مؤسسات ومصارف خارجية في عملية الاستثمار في الصكوك
السيادية السورية.
وشدد على أن لا غنى عن إصدار الصكوك
السيادية في سوريا لتأمين جزء من الأموال اللازمة للإنفاق الاستثماري،
محذراً بصورة واضحة من استخدام الصكوك لتمويل الإنفاق الجاري، بخاصة
الرواتب وتغطية العجز.
لذلك فإن الأثر الإيجابي لهذه السندات
والصكوك يبقى مشروطاً بعدم استخدامها في تمويل نفقات جارية غير إنتاجية أو
في سداد سندات سابقة مستحقة "تعود لعهد النظام البائد التي استخدمها لسد
العجز عاماً بعد عام حتى تراكم واتسع، موازنة وراء موازنة"، كما يوضح حمد،
لافتاً إلى أن طرح سندات الخزانة يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد والسير به
نحو التعافي، لكن بشرط أن تستخدم الأموال في مشاريع إنتاجية مدرة للربح.
وقال ضمن الإطار المحلي لعملية إصدار
الصكوك السيادية إنه يجب أن تكون عملية طرحها بالليرة السورية والاقتراض من
المستثمرين واضحة من دون أي غموض أو مفاجآت محتملة، والإعلان بصراحة هل
طرح الصكوك هو من أجل سد عجز الموازنة أو سحب مزيد من السيولة من السوق من
أجل الحد من ارتفاع سعر صرف الدولار.
وشرح أهمية أن يُفصح المصرف المركزي عن
الآلية التي سيدير من خلالها عملية الإصدار، والفائدة بالنسبة إلى السندات
والأرباح بالنسبة إلى الصكوك الإسلامية، والأهم خطة المركزي لتثبيت سعر صرف
الدولار في السوق السورية.
وأضاف حمد أن هذه العملية ستكون خاسرة في
حال لم يثبت سعر الصرف، علماً أن طرح السندات والصكوك يمكن أن يساعد في
تثبيت سعر الصرف، مع الانتباه إلى أنه إذا كان الهدف سد عجز الموازنة،
فإننا قد نواجه هبوطاً في سعر الصرف، مما سيجعل المستثمرين لا يقدمون على
شراء هذه السندات والصكوك.
وأعرب عن أمله في ألا تجبر المصارف ورجال
الأعمال على الشراء كما كان يفعل النظام البائد، لأن التأثير السلبي في هذه
الحال سيكون كبيراً، مؤكداً أن النجاح مرتبط بقدرة الحكومة على حساب كل
التفاصيل، وأهمها في الحال السورية توجيه الأموال في سياق عملية التنمية
والتعافي الاقتصادي.
تعويل على الصكوك الإسلامية
تُستخدم الصكوك السيادية لسد عجز موازنة
الدولة، وبدلاً من الاستدانة التقليدية بفوائد ربوية، تلجأ الحكومات إلى
إصدار الصكوك لتمويل مشاريعها عبر آليات محددة، أبرزها صكوك الإجارة، إذ
تلجأ الدولة إلى بيع أصول قائمة للمستثمرين، ثم تستأجرها منهم مقابل دفعات
إيجارية دورية تُستخدم كعائد للمستثمر، مع احتفاظ الدولة بحق استرداد
الأصل، أو يمكن للحكومة أن تصدر صكوكاً لتمويل مشاريع إنتاجية وتنموية
جديدة مدرة للدخل مثل محطات الطاقة أو تحلية المياه، وتمويل هذه المشاريع
من حصيلة بيع الصكوك، وتُدفع الأرباح إلى المستثمرين بناء على أداء
المشروع.
المصرفي السوري عابد ديوب توقع أن يكون
هناك إقبال على الصكوك الإسلامية باعتبارها أداة لجمع الأموال بصورة تتوافق
مع الشريعة، مما قد يجذب شريحة واسعة من المجتمع السوري، بخاصة أولئك
الذين لا يرغبون في الفوائد (الربا)، ويفضلون مبدأ المشاركة والاستثمار في
أصول حقيقية تحقق عوائد من النشاطات التي تقوم بها وليس من الفوائد، مع
الإشارة إلى أن هؤلاء يشكلون شريحة واسعة من المجتمع السوري، لذلك فإن
الصيرفة الإسلامية ينتظرها التطور والانتشار الواسع في سوريا.
وأكد ديوب خلال حديث إلى "اندبندنت عربية"
ضرورة توجيه الأموال التي ستُستثمر في السندات والصكوك نحو الاقتصاد
الحقيقي، مما يقلل من المضاربات الوهمية ويعزز استقرار الأسواق، ويعزز
توزيع الأخطار لأنها تعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، لذلك لن
تشكل عبئاً تضخمياً ثابتاً على موازنة الدولة.
وأشار ديوب إلى أن توجه الحكومة السورية
نحو إصدار الصكوك السيادية يمكن اعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح، مع ما
تعانيه البلاد من ضغوط مالية زادت من وطأتها العقوبات التي لا تزال تعرقل
سير سوريا إلى الأمام وتمنع تدفق الاستثمارات والأموال إليها.
ورأى أن إصدار الصكوك السيادية ضمن بيئة
تشريعية مناسبة ومكتملة تتمتع بالقدر الكافي من الشفافية والتنظيم
والمراقبة يمكن أن يسهم في سد العجز المالي وتوجيه الأموال نحو مشاريع تدر
أرباحاً على الدولة والمستثمرين، لافتاً إلى مشاريع البنى التحتية التي تدر
أرباحاً غير مرئية.
وتوقع ديوب أن تثير مسألة إصدار الصكوك
السيادية نقاشاً وجدلاً واسعين، بخاصة لجهة ضمان استخدام الأموال لتمويل
مشاريع إنتاجية وامتصاص العجز الحكومي من دون إحداث تضخم، وقال إن من المهم
الاقتداء والأخذ بتجارب الدول التي نجح فيها التمويل بالصكوك مثل ماليزيا.
أموال المصارف السورية في لبنان
مدير في مصرف خاص سوري فضل عدم ذكر اسمه أعرب عن أمله في ألا تجبر المصارف العاملة في السوق
المحلية على شراء الصكوك السيادية المزمع إصدارها كما كان يحدث سابقاً،
عندما كان يجري إلزام المصارف "العامة والخاصة" شراء أذونات الخزانة التي
غالباً ما كانت تستخدم لسد عجز الموازنة من دون توجيهها بصورة فعلية نحو
مشاريع تدر أرباحاً على نحو مستدام.
وقال خلال حديثه إلينا "قد يبدو إصدار
الصكوك السيادية فرصة أمام المصارف لاستثمار أموالها، وأعتقد بأن المصارف
ستدخل في هذا الحقل الاستثماري، لكن حجم المشاركة سيعتمد على ما يتوافر
لديها من أموال قابلة لضخها في هذا الحقل الاستثماري، فكلنا يعلم أن عدداً
كبيراً من المصارف خسر أمواله في لبنان، أكثر من مليار و400 مليون دولار،
وهذه الأموال أُعدمت كما نعلم".
والمصارف السورية بحاجة إلى رفع رأسمالها
وفق خطة زمنية مريحة، وإعادة هيكلة نفسها بما يتلاءم مع المتغيرات المصرفية
العالمية، مما يحتاج إلى وقت وإمكانات، وربما تلجأ إلى الشركاء
الاستراتيجيين أو إلى التحالف مع جهات ومؤسسات مالية خارجية لشراء الصكوك
كملاذ استثماري لها.
وأكد المسؤول أن النجاح مرتبط في النهاية
بوجود سوق مالية متطورة ونشيطة وقادرة على إدارة هذه الصكوك وضمان تداولها
بمرونة وسلاسة مع الحفاظ التام على مصالح حامليها.
ضمان حقوق الأجيال المقبلة
الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب ووزير المالية في حكومة الإنقاذ التي عملت في إدلب قبل سقوط النظام
البائد عبد الحكيم المصري رأى خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" أن اللجوء
إلى طرح السندات والصكوك خيار متاح وممكن لأنه يعتمد على السيولة في
المصارف أولاً، وفي المرحلة الثانية يعتمد على السيولة لدى الناس ورغبتها
في الاستثمار في هذا الخيار، فالبنوك تشتريها لتستثمر فيها عبر بيعها إلى
الناس، لذلك فإن السؤال، هل السيولة متوافرة لدى الناس؟
ومن وجهة نظر المصري، فإن الناس منهكة بعد
15 عاماً من الحرب، وحاجتها إلى الأموال لسد حاجات أساسية مثل ترميم أو
شراء منزل وأثاث وحتى مواجهة كلفة الحياة المرتفعة.
وقال "في المقابل إذا كان هناك تركيز على
أن تشتري البنوك هذه السندات والصكوك، فالسؤال المطروح هل لدى البنوك
السورية سيولة كافية؟، في الحقيقة هذا يعتمد على البنوك وسياستها في توظيف
الودائع لديها، على أنه يُخشى ألا يكون هناك أموال جاهزة لدى البنوك
السورية أو بعضها للاستثمار في هذه الأدوات".
وعن الاستثمارات التي يمكن التوجه إليها
من خلال طرح السندات والصكوك، نصح الوزير السوري السابق بتوجيهها نحو البنى
التحتية كالطرق ومحطات الكهرباء، فضلاً عن المشاريع الإنتاجية التي تدر
أرباحاً على المستثمرين وحملة الصكوك وأيضاً الدولة، لافتاً إلى ضرورة أن
تكون هناك استدامة في المشاريع لضمان مستقبل الأجيال المقبلة لأنها هي من
ستسدد الفاتورة.
وأشار إلى أن إصدار الصكوك والسندات يمكن
أن يشكل عاملاً مساعداً في استقرار العملة لأنه يعتمد على سحب كتلة نقدية
من السوق، مما يساعد في زيادة الطلب على الليرة وتحقيق استقرارها.
اعتماد الذهب كمعيار لتقييم الصكوك
المصري تحدث عن وجود ضغوط على المصارف
السورية، بخاصة التي لديها ديون لدى المصارف اللبنانية وصارت معدومة بسبب
الأزمة المالية في لبنان، مما أثّر سلباً في السيولة بالمصارف السورية.
وتابع "ولم نتحدث بعد عن القروض المتعثرة
التي كان لها انعكاس سلبي على السيولة التي قد لا تكون متوافرة بصورة كاملة
وكافية لدى المصارف، ولذلك فإن طرح سندات وصكوك قد لا يعطي النتائج
المطلوبة على نحو كامل إلا إذا جرى التدخل من جهات خارجية للمساعدة في هذا
الأمر أو تقدم مصارف خارجية للاستثمار في السندات والصكوك السيادية التي
ستُطرح".
وأكد المصري أن من أجل تشجيع الناس على
الاستثمار يجب أن تقدم الحكومة ضمانات واضحة تؤمن حماية الصكوك والسندات من
انخفاض قيمة سعر الصرف مثلاً، والأسلم هنا ربطها بسعر الذهب فهو أفضل من
الدولار الذي ينخفض، وقد يكون ذلك فرصة للاستفادة من منصة بيع الذهب
والعملات التي أُنشئت في سوق دمشق المالية.
تنشيط سوق دمشق للأوراق المالية
وشدد المصري على ضرورة إصدار تشريعات
واضحة ومتقنة وجاذبة وتقديم فوائد مغرية وأرباح مجزية في حال الصكوك
الإسلامية بما يضمن تنظيم عملية إصدار الصكوك وتداولها وإدارتها، لافتاً
إلى ضرورة حماية مصالح المستثمرين وضمان حصولهم على الأرباح التي استثمروا
من أجلها.
ودعا الحكومة السورية إلى أن تكون لديها
إحاطة كاملة بأن هذه الصكوك السيادية ستساعد في سد العجز فعلاً، وامتلاك
خطة واضحة لتسديدها عند الاستحقاق، ومعرفة ما إذا كان سيكون هناك عجز خلال
الأعوام المقبلة، بمعنى العمل على تحسين الناتج المحلي وتقليص العجز في
الميزان التجاري، والأهم تشجيع الاستثمارات عبر خلق بيئة جاذبة من دون أية
عراقيل، مشيراً في هذا السياق إلى أن إزالة العقوبات كاملة وبصورة حقيقية عن البلاد أمر حاسم ومهم للنجاح.
وأكد
في هذا السياق أن التوجه إلى إصدار صكوك سيادية يتطلب العمل على النهوض
بواقع سوق دمشق للأوراق المالية وتنشيطها لتكون مستعدة لهذه الاستثمارات،
وأن تكون قادرة على إدارة تداول الأوراق المالية بين المستثمرين، وتوفير
فرص البيع المناسبة عند الحاجة، وضمان أقصى درجات الرقابة على العمل من
خلال هيئة الأوراق المالية، بما في ذلك تطبيق الحوكمة والشفافية والمساءلة
لمنع وقوع المستثمرين من الأفراد والشركات في أية خسارة. اندبندنت عربية
|