بقلم: مروان دراج قبل نحو ست سنوات، شهدت معظم المحافظات تقليداً استمر لعامين أو ثلاثة، وتمثل هذا التقليد في قيام مديريات السياحة وبالتعاون والتنسيق مع غرف التجارة والصناعة في تنظيم ما يسمى بشهر التسوُّق السياحي وذلك بالتزامن مع بدء الموسم السياحي والذي غالباً ما ينحصر بشهري تموز وآب من كل عام. هذا التقليد الذي كان يفترض أن يستمر ويتطور بأدواته وأساليبه، كان قد غاب وبشكل شبه كامل عن محافظات القطر وعلى وجه التحديد الساحلية منها، كما ويأتي هذا الغياب في وقت يزداد فيه التشجيع المتنامي على النهوض في صناعة السياحة، والأسئلة التي يمكن إطلاقها في هذا السياق: أين نحن من مهرجانات التسوُّق السياحي التي تنامى حضورها واتسعت مساحتها في أكثر من بلد على ساحة المعمورة؟! وأين هي مبررات وأسباب غياب هذا النشاط بعد أن شكل حضوراً لافتاً قبل سنوات؟! ... والأهم: ماذا عن بصمات هذه المهرجانات لجهة تفعيل الأداء السياحي؟!.
مثل هذه الأسئلة وسواها، يفترض أن تجيب عليها غرف السياحة، التي تمَّ إحداثها في المحافظات قبل نحو ثمان سنوات، غير أنَّ هذه الغرف التي كان يتوقع لها أن تسهم في تنمية الاستثمار السياحي، كانت قد ولدت ميتة، وإلاَّ فماذا يعني أن لا أحد يسمع صوتها أو دورها في المعوقات التي تواجه صناعة السياحة أو المكانة التي كان يفترض أن تتبوأها لجهة نشر الوعي السياحي وصوغ الخطط والبرامج التي من شأنها الإسهام في جذب السياح. لن نخرج عن جوهر موضوعنا، وسنحاول ما أمكن الإجابة على الأسئلة ـ الآنفة الذكر ـ وبكثافة لغوية من شأنها وضع النقاط على الحروف، وأهمية التشجيع مرة أخرى على إنعاش مهرجانات التسوُّق السياحي، تأتي من كونها أولاً تتزامن مع بدء الموسم السياحي، وهي تنطوي على دلالات إيجابية من شأنها الارتقاء تدريجياً في أساليب وأنماط التسوُّق، فمن دمشق وحلب مروراً باللاذقية وطرطوس وحماة، كادت المهرجانات على وشك أنّ تتحول إلى تقليد سنوي، وهذا يسهم وإلى حد كبير في إتاحة الفرص لتبادل الخبرات من جانب المنتجين وخلق المناخ التنافسي الصحيح بين السلع والمنتجات. وحين نقول: أنّ المنافسة يمكن أن تتلمس بداية الطريق وبسوية مقبولة أو موازية نسبياً لواقع حال السباق السلعي في بعض البلدان العربية وغير العربية، فليس ذلك إلاَّ نتيجة توافر مجموعة من العوامل، أولاً: قدوم السياح والمصطافين والمهاجرين من أبناء الوطن خلال فصل الصيف يشجع على تحريك الركود الاقتصادي ويزيد من فرص البيع والشراء، ثانياً: الظروف والتشريعات الاقتصادية التي كانت تأخذ بمفهوم (الحماية) لم تعد على حالها، وهي شيئاً فشيئاً بدأت تذهب إلى دائرة الانحسار التدريجي ... فأسواقنا اليوم تستقبل سلعاً ومنتجات متعددة المصادر والمنشأ، فإلى جانب السلع المصنعة محلياً، هناك المنتجات العربية التي بدأت تدخل علانية من بوابات الوطن تكريساً لاتفاقات ثنائية أبرمت في سنوات سابقة أو ترجمة لاتفاقات منطقة التجارة الحرة العربية، أو منتجات أجنبية تمَّ السماح باستيرادها في أعقاب المرونة التي أبدتها وزارة الاقتصاد لجهة استيراد قوائم لا حصر لها من السلع والمنتجات التي لم يكن يسمح بدخولها في وقت سابق. وأما الملاحظات التي يمكن تسجيلها على مهرجانات التسوُّق السياحي في سنوات ماضية، وذلك بهدف تقويم الأداء في حال عودة التجربة من جديد، فإنه يمكن القول، بأنّ تلك المهرجانات لم تكن تشبه في تفاصيلها سوى الأنشطة الموسمية المعتادة والممثلة بـ «الأوكازيون» الذي يقصد من خلاله الإعلان عن حسومات على بعض أصناف الألبسة وتخفيضات أخرى على سلع ومنتجات، غالباً ما تكون كاسدة ولم تلقَ رواجاً في موسمها الحقيقي، وحقيقة أنّ مثل هذه المهرجانات وعلى أهمية التشجيع لتكرار التجربة، فهي لم تكن (سابقاً) تمت لحقيقة التسوُّق السياحي بصلة ...، ما نقلناه يعني وببساطة أن تجربتنا في تنظيم المهرجانات السياحية على وجه التحديد، بدت كما لو أنها عرجاء، في حين كان بمقدور غرف السياحة الاستفادة من تجارب الكثير من البلدان العربية والأجنبية والظهور إلى ساحة المهرجانات بقوة قد تفوق مثيلاتها، انطلاقاً من الخصوصية الحضارية والكنوز الأثرية والمواقع الطبيعية التي من شأنها جذب السياح، ولعلَّ الانطباع السائد، أنَّ السبب الجوهري الذي أدى إلى فشل المهرجانات خلال سنوات ماضية ومنع من تكرار التجربة، ليس لأنها شهدت قصوراً لجهة حملات الترويج الإعلاني والإعلامي – مثلما يعتقد البعض– وإنما بسبب اللبس أو (اللغط) بين حقيقة المهرجانات السياحية وبين الإعلان عن بيع السلع والمنتجات في ساحة عامة من ساحات هذه المدينة أو تلك. أو مهرجانات التسوُّق السياحي ليست على هذا النحو أبداً، وأنشطتها في كل دول العالم لا تنحصر في بيع وشراء السلع الكاسدة وغير الكاسدة، ولا حتى في الإعلان عن حسومات مغرية، وإنما تشبه في تفاصيلها «الكرنفالات» بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فثمة فعاليات تبدأ من العروض الفنية والمسرحية على خشبات المسرح في الفنادق والحدائق والساحات العامة ولا تنتهي عند حدود قيام دور عرض الأفلام بتقديم آخر ما هو جديد في إنتاج السينما العالمية. إلى جانب تنظيم مباريات رياضة ومسابقات ثقافية وفكرية وسواها من الأنشطة التراثية والفلكلورية التي من شأنها لفت أنظار السياح وتعريفهم بعادات وتقاليد سكان هذه المحافظة أو تلك. وربما ما يزيد من الإقبال على مثل هذه المهرجانات، أنَّ القائمين عليها من رجال أعمال وكبار المستثمرين في القطاع الخاص... هؤلاء يتبارون فيما بينهم لتقديم حسومات فعلية وأكثر من مشجعة على أسعار المبيت في الفنادق وعلى تذاكر سفر الطائرات أو حتى على فواتير المطاعم. ندرك سلفاً، أننا قد لا نصل بين ليلة وضحاها إلى سوية المهرجانات المعمول بها في بلدان عربية وأوروبية تبوأت مكانة سياحية غير عادية، لكن ما نعنيه في كلامنا، أن نواة تنظيم مهرجانات التسوُّق السياحي كانت قد بدأت بالتشكل، وكان يتعين السعي إلى تطوير التجربة وليس التوقف نهائياً عن تنظيمها مثلما هو واقع الحال خلال السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا كان البعض من المنتجين يدركون مسبقاً أنّ السلع المصنعة في منشآتهم لا تليق من ناحية الجودة بمثيلاتها المنتجة في السوق الخارجية، يفترض بهؤلاء إظهار بعض المكابرة القريبة من الشجاعة والقبول بخيار الانسحاب حرصاً على تجربة المهرجان وإمكان استمراريته أولاً، وسمعة الصناعة المحلية ثانياً، خاصة وأنّ مهرجانات التسوَّق السياحي لا تتطلع فقط إلى جذب السياح والارتقاء بصناعة السياحة، وإنما أيضاً تكريس مفهوم التنافس السلعي.
|